كيف أعادت هجمات السابع من أكتوبر تشكيل العقيدة الأمنية الإسرائيلية لتقوم على توسيع المناطق العازلة وفرض التهجير والمراقبة التكنولوجية؟ وهل تنجح هذه السياسة في صناعة عمق استراتيجي دائم، أم تتحول إلى عبء عسكري واقتصادي يفاقم أزمات إسرائيل الداخلية والخارجية
المدقق لواقع المنطقة وأفعال دولة الاحتلال الصهيوني بعد طوفان الأقصى، يلاحظ تغيرا
عميقا في استراتيجيات الصهاينة، وسلوكهم السياسي.
ومن بين عدة تغيرات في تلك الاستراتيجية، تأتي فكرة استخدام المناطق العازلة، في
قلب هذا التغير.
وفكرة المناطق العازلة ليست جديدة كليًا على السياسة الأمنية الصهيونية، لكن بعد
أحداث السابع من أكتوبر 2023 اتسع نطاق استخدامها وأصبح من الواضح أنها جزء أساسي
من العقيدة الأمنية الجديدة.
فقبل السابع من أكتوبر، أقام الكيان الصهيوني منطقة عازلة داخل القطاع بعمق يتراوح
بين 300 متر وكيلومتر واحد على طول السياج الحدودي منذ عام 2005. وكان يُمنع
الاقتراب منها تحت طائلة القصف.
وفي لبنان بعد عام 1985 أنشأ الجيش الصهيوني حزاما أمنيا بعمق 15 إلى 20 كيلومترًا
داخل جنوب لبنان بالتعاون مع جيش لبنان الجنوبي، واستمر ذلك حتى الانسحاب في عام
2000.
أما في سوريا، فمنذ عام 1974، أقام الكيان منطقة فاصلة تشرف عليها قوة الأمم
المتحدة لمراقبة فض الاشتباك. وظل جيش الصهاينة يستهدف أي وجود عسكري يقترب منها.
ولكن ما الذي تغيّر بعد السابع من أكتوبر؟
ففي غزة، وسّع الجيش الصهيوني المنطقة العازلة، لتصل إلى عمق 1-2 كيلومتر داخل
القطاع على طول الحدود الشرقية والشمالية. وتم هدم معظم المباني فيها بشكل كامل،
وقد صرّح وزير الدفاع الصهيوني بأن هذه المنطقة ستبقى حتى بعد انتهاء الحرب.
وفي جنوب لبنان، وبعد الهدنة الأخيرة، توسعت دولة الاحتلال الصهيوني في تطور غير
مسبوق، حيث تم منع العودة إلى أكثر من 62 قرية حدودية بشكل كامل.
وشملت أوامر
الإخلاء
القسري مناطق واسعة حتى شمال الليطاني أحياناً بدعوى وجود بنية تحتية عسكرية، مما
أدى لتهجير مئات الآلاف لضمان خلو المنطقة العازلة من السكان لتسهيل المراقبة
التكنولوجية.
وفي سوريا، وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، توغل جيش الاحتلال الصهيوني
بريًا
لأول مرة منذ عام 1974، واحتلت المنطقة العازلة بالكامل إضافة إلى جبل الشيخ. وأعلن
رئيس وزراء الكيان بنيامين نتانياهو، أن الجيش سيبقى هناك إلى أجل غير مسمى، وبدأت
بشن غارات وتنفيذ توغلات في محافظتي درعا والقنيطرة لإنشاء منطقة عازلة جديدة بعمق
15 إلى 30 كيلومترًا، بحجة منع أي تهديد من الحكومة السورية الجديدة.
فكرة المنطقة العازلة
لفهم وتحليل فكرة المنطقة العازلة، يُعد الاقتراب الجيوبوليتيكي، هو نقطة الانطلاق
الأكثر شمولاً ودقة.
يقوم هذا الاقتراب، على دراسة تأثير المعطيات الجغرافية مثل: الموقع، والتضاريس،
والمساحة، والمسافات، على السلوك السياسي والأمني للدولة.
في هذا الإطار، تنظر الدولة لنفسها ككائن يسعى لحماية نواته الصلبة (المراكز
الحيوية، العاصمة، التجمعات السكانية الكبرى) من التهديدات الخارجية.
فالدولة عندما تشعر بأن المسافة الجغرافية التي تفصلها عن التهديد غير كافية
لاستيعاب الصدمة الأولى لأي هجوم، فإنها تسعى لتعديل هذا الواقع عبر ايجاد فضاءات
جغرافية جديدة (مناطق عازلة). هذه المناطق نظرياً هي عبارة عن هوامش أمنية يتم
تفريغها من مصادر التهديد (بشرياً وعسكرياً) لتشكيل درع مكاني يمنح الدولة وقتاً
للإنذار المبكر ومساحة لامتصاص الهجمات.
والاقتراب الجيوبوليتيكي يقدم عدة أدوات لتطبيقها على الواقع المتعلق بتلك المناطق
العازلة لفهمه، أهمها:
التحليل المكاني والطبوغرافي، وقياس العمق الاستراتيجي، والخرائط الديموغرافية،
وتحليل خطوط الإمداد ونقاط الاختناق، والخرائط التفاعلية وتقنيات الاستشعار
المكاني.
وسنقوم بشرح هذه الأدوات، ونحن نحاول تطبيقها لفهم فكرة المناطق العازلة الصهيونية.
الصهاينة بعد الطوفان
لتطبيق أدوات الاقتراب الجيوبوليتيكي الخمس على الحالة الصهيونية، يجب أن نضع
أنفسنا في موقع العقل الاستراتيجي الصهيوني وكيف ينظر إلى الجغرافيا بعد صدمة
السابع من أكتوبر.
هذا التطبيق يفكك لنا كيف يترجم الكيان مخاوفه الوجودية إلى إجراءات مكانية صلبة،
وسنحاول تطبيق هذه الأدوات
الخمس على حالة المنطقة العازلة في غزة، وان كانت حالتها في لبنان وسوريا لا تقل
خطورة، ولكنها لا تبعد كثيرا عن الفكر الصهيوني في هذا الاطار.
١. أداة التحليل المكاني والطبوغرافي
فالرؤية الصهيونية تدرك أن طوبوغرافية غزة كمناطق حضرية كثيفة وأراضٍ زراعية
متداخلة مع الحدود، قد وفرت غطاءً بصرياً وميدانياً سهّل اقتراب التشكيلات
الفلسطينية المسلحة من الجدار الفاصل دون رصدهم مبكراً.
هنا يستخدم الكيان هذه الأداة لهندسة التضاريس من جديد. يتمثل ذلك في قيام سلاح
الهندسة لجيش الاحتلال (عبر جرافات
D9
العملاقة)، بتسوية الأرض وتدمير كافة المباني والأشجار بعمق يتراوح بين 1 إلى 2
كيلومتر داخل القطاع.
وكان الهدف هو ايجاد خط رؤية مفتوح، ومناطق قتل منبسطة تماماً، لا توفر أي نقطة
اختفاء طبوغرافية أو معمارية لأي من عناصر المقاومة تحاول الاقتراب من مستوطنات
الغلاف.
2. أداة قياس العمق الاستراتيجي
فالدولة الصهيونية تعاني تاريخياً من غياب العمق الاستراتيجي، والمسافة بين حدود
غزة والتجمعات الصهيونية الحيوية مثل عسقلان، وأسدود، وحتى النقب الغربي، تقاس
بالكيلومترات القليلة أو الأمتار.
وفي السابع من أكتوبر، دارت المعركة الأولى داخل المستوطنات والقواعد الصهيونية.
وبتطبيق أداة العمق الاستراتيجي، نفهم أن الكيان تبني المنطقة العازلة، لاستعارة
عمق استراتيجي من داخل الأراضي الفلسطينية.
وتقوم نظريته في ذلك، على نقل خط الاشتباك الأول ليكون داخل غزة وليس داخل الكيان،
بحيث إذا وقع هجوم بري مستقبلي، فإن هذه المساحة العازلة ستوفر للجيش زمن إنذار
مبكر كافٍ لاستيعاب الصدمة وتعبئة القوات قبل وصول الخطر إلى النواة السكانية
الصهيونية.
3. أداة الخرائط الديموغرافية
فالرؤية الصهيونية ترى أن التداخل الديموغرافي يُبطل التفوق التكنولوجي. فالكثافة
السكانية الهائلة على تخوم الحدود تجعل من الصعب التمييز بين المدنيين والمقاتلين،
وتعيق استخدام القوة النيرانية الكثيفة دون قيود.
وتطبق دولة الكيان هذه الأداة عبر الهندسة الديموغرافية القسرية، فمن خلال تدمير
البنية التحتية في الشريط الحدودي، فإنها تمسح هذا الحيز من الخريطة الديموغرافية
لغزة (تهجير دائم لسكان الأطراف نحو الوسط والجنوب).
وهذا يضمن للصهاينة أن المنطقة العازلة خالية تماماً من أي كتلة بشرية، مما يسمح
بتطبيق قواعد اشتباك فضفاضة؛ حيث يُعتبر أي جسم متحرك داخل هذا الحيز الديموغرافي
المُفرّغ هدفاً عسكرياً مشروعاً تلقائياً.
4. أداة تحليل خطوط الإمداد ونقاط الاختناق
فالرؤية الصهيونية لهذه الأداة، موجهة نحو جماعات المقاومة العسكرية، فالكيان يرى
ان بقاء تلك التشكيلات المسلحة يعتمد على مرونة الحركة، ونقل السلاح، والقدرة على
المناورة بين مناطق القطاع المختلفة، وتلقي الإمداد من الخارج.
لذلك لا يقتصر جيش الاحتلال في المناطق العازلة التي يوجدها على الأطراف، بل تُطبق
هذه الأداة لصنع مناطق عازلة داخلية.
ولعل إنشاءه محور نتساريم يصب في هذا الاتجاه، فقد تم شقه كمنطقة عازلة تقطع غزة
عرضياً لفصل الشمال عن الجنوب، وهو يمثل سيطرة على نقطة اختناق تمنع حركة المقاتلين
والإمدادات، وتحرمهم من إعادة التموضع.
ونفس الحال ينطبق على محور فيلادلفيا، فهو بمثابة منطقة عازلة أمنية تُطبق لخنق خط
الإمداد الاستراتيجي الوحيد (الأنفاق الحدودية مع مصر)، بهدف تجفيف منابع التسليح
جذرياً.
5. أداة تقنيات الاستشعار المكاني
حيث ترى الحاجة الصهيونية لها في حل إشكالية في أن التواجد البشري (الجنود) بشكل
دائم وثابت داخل هذه المناطق العازلة يجعلهم أهدافاً سهلة في حرب استنزاف.
لذلك فإن المنطقة العازلة بهذه الأداة، تساهم في تجريف الأرض وتفريغها ديموغرافياً،
وباستخدام نظم المعلومات الجغرافية وتقنيات الاستشعار لإدارة هذه المساحة الميتة
بتكلفة بشرية أقل. يتم زرع مجسات زلزالية تحت الأرض (لرصد أي محاولة لحفر أنفاق
جديدة تخترق المنطقة العازلة)، وتغطية المجال الجوي بطائرات استطلاع مسيرة، وربط
هذه المساحات المكانية بمنظومات إطلاق نار آلية.
فالأداة هنا تشرح كيف تحولت المنطقة العازلة من مجرد أرض محروقة إلى حقل رصد مكاني
متكامل يُدار عن بُعد.
ولكن ما هو مستقبل المناطق العازلة الصهيونية في طورها الجديد.
مستقبل المناطق العازلة
باستشراف المستقبل، نجد أن الاعتماد المفرط على الحلول المكانية (كالمناطق العازلة)
هو في الحقيقة اعتراف بالفشل الاستراتيجي، ويسرع الانهيار للأسباب التالية:
أولا،
استنزاف الجيش الصغير في مهمة كبيرة.
فالمنطقة العازلة ليست مجرد أرض خالية؛ هي مساحة تحتاج لحماية، مراقبة، واشتباك
مستمر. في ظل أزمة القوى البشرية (الاحتياط) التي يعاني منها الجيش الصهيوني، حينها
يتحول الحزام الأمني إلى مستنقع يستنزف الوحدات القتالية، مما يضعف كفاءة الجيش في
مواجهة جبهات أخرى أكثر خطورة، وهذا ما حذر منه اللواء الصهيوني اسحاق بريك.
ثانيا،
التكلفة الاقتصادية والنزيف الصامت
فالكيان
يعيش حالة اقتصاد حرب مستدامة. وتكلفة صيانة مناطق عازلة تكنولوجية وعسكرية هائلة،
وفي ظل تراجع التصنيف الائتماني وهروب الاستثمارات، حينها تصبح هذه المناطق عبئاً
مالياً، يسرع من التآكل الاقتصادي الداخلي، وهو أحد أهم ركائز نظرية الانهيار من
الداخل.
ثالثا، تعميق العزلة الدولية
فالمناطق العازلة تُصنف دولياً كاحتلال فعلي، وتغيير ديموغرافي قسري.
وهذا المسار يضع الكيان في صدام دائم مع القانون الدولي والمؤسسات الأممية، مما
يسرع من تحولها إلى دولة منبوذة، وهو ما يراه بعض المفكرين الصهاينة النهاية
الفعلية للمشروع الصهيوني في شكله الحالي.
الخلاصة
استراتيجية المناطق العازلة لن تحول دون وقف منحنى انحدار دولة بني صهيون نحو
نهايتها المحتومة، ولكن هذه النهاية مشروطة أيضا بضرورة استيقاظ أهل الحق، والنهوض
بمشروعهم العالمي كخير أمة أخرجت للناس.