تدفع الأحداث التي تعصف بالمنطقة دولها دفعًا إلى استثمارها بما يعظم مصالحها الاستراتيجية، وفي هذا السياق يبرز مشروع إحياء سكك حديد الحجاز، فهو أكبر من مجرد مشروع بنية تحتية بل يعد اختبارًا حقيقيًا للدول المعنية على تحويل الفرص التاريخية إلى مسارات تعاون فع
لم تعد مشاريع البنية التحتية في الشرق الأوسط مجرد أدوات للتنمية بل تحولت إلى
مفاتيح لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ، وفي هذا السياق يعود مشروع سكة حديد
الحجاز إلى الواجهة، لا كفكرة تاريخية تُستعاد بل كخيار استراتيجي يعكس تحولات
عميقة في حسابات الدول وطموحاتها، في واقعٍ إقليمي متغير، تسعى تركيا ودول إقليمية
وازنة إلى توظيف هذا المشروع لإعادة تموضعها في قلب شبكة التجارة العالمية وربط
الماضي بالحاضر ضمن رؤية تتجاوز الرمزية إلى حسابات الجغرافيا السياسية والمصالح
الاقتصادية، فما الذي تسعى تركيا لتحقيقه عبر إحياء مشروع سكة حديد الحجاز من جديد
في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد تحولات كبرى؟
تركيا تعقد اتفاقًا ثلاثيًا كبداية لإحياء المشروع
بعد أكثر من قرن عاد مشروع سكك حديد الحجاز إلى الواجهة لكن هذه المرة في سياق
إقليمي مختلف تمامًا، ففي
11
سبتمبر
2025
عقدت تركيا وسوريا والأردن اجتماعًا فنيًا في العاصمة الأردنية عمّان تمهيدًا
لإطلاق تعاون مشترك لإحياء سكة الحجاز.
الاجتماع لم يكن بروتوكوليًا بل أسفر عن تفاهمات عملية أبرزها العمل على إعادة
تأهيل الأجزاء المتضررة من الخط داخل الأراضي السورية واستكمال نحو
30
كيلومترًا مفقودة بين دمشق والحدود الأردنية، كما تم الاتفاق على تطوير التعاون في
مجالات النقل البري والسككي وإعادة تشغيل خطوط الشحن التي توقفت لأكثر من
13
عامًا.
هذه الخطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لدى الدول الثلاث بأن إعادة الربط الجغرافي لم
يعد ترفًا بل ضرورة اقتصادية خاصة في ظل التغيرات التي تشهدها سلاسل الإمداد
العالمية.
التوجه نحو إحياء المشروع لم يقتصر على التفاهمات الفنية بل عززته تصريحات رسمية
تعكس جدية الطرح، فقد أعلن وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر أن
دراسة مشروع الربط السككي مع تركيا مرورًا بالأردن وسوريا ستُستكمل قبل نهاية
العام، مؤكدًا أن المشروع سيعزز التكامل الإقليمي ويدعم حركة التجارة.
وقال الجاسر في تصريحات لقناة "العربية" السعودية إن المشروع من شأنه أن يعزز
التكامل الإقليمي ودعم حركة التجارة وتطوير منظومة النقل البري المستدام بين دول
المنطقة، وأشار إلى أن الشبكة الحديدية في السعودية تصل بالفعل إلى الحدود الأردنية
ما يجعلها نقطة انطلاق طبيعية للتوسع نحو الشمال.
|
|
وينظر البعض لهذا المشروع الإماراتي على أنه مناكفة لمشروع تركيا الهادف
لإحياء سكة حديد الحجاز خاصة أن المشروع الإماراتي يلقى دعمًا إسرائيليًا
لأنه سيمنح إسرائيل ميزات جديدة في المنطقة |
في المقابل أكد وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو أن تركيا
تخطط لتمديد خطوط السكك الحديدية إلى مدينة حلب السورية في إطار رؤية أوسع لإحياء
خط الحجاز، ولم يتوقف الطموح عند هذا الحد بل أشار إلى إمكانية توسيع المشروع
مستقبلًا ليصل إلى سلطنة عمان ما يعني ربط شبه الجزيرة العربية بأوروبا عبر تركيا.
وفي تصريحات أخيرة له قال وزير النقل التركي: "في الفترة القادمة سنصل عبر خط
القطار السريع إلى ميناء البصرة في العراق، فقد أنشأ السلطان عبد الحميد خط سكة
حديد الحجاز، ونحن بدورنا سنقوم بربط هذا الخط هناك لنصل في واقع الأمر إلى سوريا
والأردن والمملكة العربية السعودية".
كما نظمت السفارة التركية في عمّان رحلة ميدانية جمعت أتراكًا وأردنيين على متن سكة
حديد الحجاز في الأردن، في خطوة تهدف إلى تسليط الضوء على الإرث التاريخي المشترك
وتعزيز التبادل الثقافي بين شعوب المنطقة.
هذه التصريحات والمواقف المتتابعة تكشف أن المشروع لم يعد مجرد فكرة بل جزء من رؤية
استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل شبكة النقل الإقليمي، بتوافق عدد لا بأس به من دول
المنطقة خاصة تلك التي تربطها مصلحة مشتركة لإعادة إحياء خط سكة حديد الحجاز.
لماذا تهتم تركيا بهذا المشروع؟
بالنسبة لتركيا يحمل المشروع أبعادًا تتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية،
فأنقرة تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز لوجستي يربط بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط،
ومن خلال هذا الخط يمكن لتركيا أن تعزز تجارتها مع الدول العربية التي بلغ حجم
التبادل معها نحو
27.7
مليار دولار في
2024،
مع توقعات بارتفاع هذا الرقم في حال تحسن البنية التحتية.
كما يمنح المشروع تركيا منفذًا مباشرًا نحو البحر الأحمر عبر العقبة، ما يفتح
أسواقًا جديدة في أفريقيا ويقلل الاعتماد على الممرات البحرية التقليدية التي تعاني
من اضطرابات متكررة.
ومن الناحية الاقتصادية يمكن أن يسهم الخط في تقليل تكاليف النقل وتسريع حركة
البضائع خاصة أن تكاليف التجارة في المنطقة العربية تصل إلى نحو
148%
من قيمة البضائع وفق تقديرات دولية.
أما سياسيًا فيعزز المشروع نفوذ تركيا الإقليمي ويمنحها دورًا محوريًا في إعادة
إعمار سوريا التي تُقدّر تكلفتها بنحو
400
مليار دولار، ما يفتح فرصًا كبيرة أمام الرغبة التركية في المساهمة في هذه العملية،
بما تمتلكه شركاتها من خبرات في أعمال البناء والمقاولات وتأهيل المطارات والمواني
وخطوط السكك الحديدية.
تحديات ضخمة أمام المشروع
رغم الطموح الكبير إلا أن مشروع إحياء خط سكة حديد الحجاز يواجه عقبات معقدة منها
على سبيل المثال لا الحصر:
أولًا:
التمويل حيث يتطلب إعادة تأهيل الخط واستكماله استثمارات ضخمة في ظل أوضاع اقتصادية
صعبة في بعض الدول المعنية.
ثانيًا:
يوجد تحديات تقنية مثل اختلاف أنظمة السكك الحديدية ومعايير التشغيل وهو ما يتطلب
تنسيقًا عالي المستوى.
ثالثًا:
تبرز المخاطر الأمنية خاصة في المناطق التي لا تزال تعاني من عدم الاستقرار مثل
أجزاء من سوريا.
لكن التحدي الأكبر يبقى سياسيًا حيث يُنظر إلى المشروع من قبل بعض القوى الدولية
والإقليمية على أنه قد يغيّر موازين النفوذ في المنطقة.
وأقرب مثال على ذلك توقيع الإمارات العربية المتحدة والأردن اتفاقًا لإنشاء مشروع
سكك حديدية ضخم تحت اسم
“سكة
العقبة”،
ويهدف المشروع إلى ربط مناطق التعدين في الأردن بميناء العقبة بطول يقارب
360
كيلومترًا وباستثمار يُقدّر بنحو
2.3
مليار دولار، ويشمل التصور المستقبلي لهذا المشروع الإماراتي ربط شبكات النقل في
الخليج بالأردن ثم الأراضي الإسرائيلية وصولًا إلى الموانئ على البحر المتوسط في
حال توفر الظروف السياسية والأمنية المناسبة.
وينظر البعض لهذا المشروع الإماراتي على أنه مناكفة لمشروع تركيا الهادف لإحياء سكة
حديد الحجاز خاصة أن المشروع الإماراتي يلقى دعمًا إسرائيليًا لأنه سيمنح إسرائيل
ميزات جديدة في المنطقة
وهو ما لا يوجد في مشروع سكة الحجاز التركي، ناهيك عن أن إسرائيل والولايات المتحدة
قد تعترضا على مشروع إحياء سكة الحجاز تحت أي حجج واهية في حال لم تستطع تركيا
التفاهم مع ترامب حوله.
وهنا تتجلى العقبات الحقيقية أمام المشروع التركي لإحياء سكة الحجاز بالمنطقة،
فالمنافسة على ممرات التجارة أصبحت جزءًا من صراع أوسع يُعرف بـ“حرب
البنية التحتية” حيث
تسعى كل قوة إلى فرض مساراتها الخاصة.
سيناريوهات مشروع سكة الحجاز بين الحلم والواقع
أمام هذا المشروع عدة سيناريوهات محتملة تتمثل في التالي:
السيناريو الأول: هو النجاح التدريجي حيث
يتم تنفيذ المشروع على مراحل بدءًا من إعادة تشغيل الخطوط الحالية ثم التوسع
تدريجيًا نحو ربط شامل.
السيناريو الثاني: هو التعثر بسبب التحديات
المالية والسياسية ما قد يؤدي إلى تأجيل المشروع أو تقليص نطاقه.
السيناريو الثالث: وهو التحول إلى مشروع
إقليمي أوسع في حال انضمت إليه دول أخرى ما قد يجعله جزءًا من شبكة نقل عالمية تربط
آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.
وتبقى الكلمة الفصل في هذا المشروع لتطورات الأيام المقبلة في ظل تسارع التحولات
الإقليمية التي ستحدد أيًّا من هذه السيناريوهات سيغادر حيّز الاحتمال ليصبح واقعًا
قابلًا للتطبيق.
كلمة أخيرة
إحياء سكة حديد الحجاز ليس مجرد مشروع نقل بل هو انعكاس لتحولات أعمق في المنطقة،
فهو يجمع بين التاريخ والجغرافيا والسياسة في معادلة واحدة ويكشف عن سعي تركيا إلى
إعادة تعريف دورها الإقليمي من خلال أدوات اقتصادية واستراتيجية في لحظة تتداخل
فيها حسابات التجارة مع رهانات النفوذ وإعادة رسم طرق الإمداد العالمية.
وفي النهاية قد لا يكون السؤال هو ما إذا كان المشروع سينجح أم لا بل كيف سيُعاد
تشكيل المنطقة من خلاله، ومَنْ سيُحسن توظيفه ضمن سباق الممرات الاقتصادية الصاعد،
فبين الماضي الذي يُلْهِمُ والحاضر الذي يَفْرِضُ والمستقبل الذي يُعَادُ تشكيله
على إيقاع المصالح، تبدو سكة الحجاز مرة أخرى على موعد مع التاريخ لكنها هذه المرة
لا تعود كذكرى بل كأداة فاعلة في صناعة موازين قوى جديدة قد ترسم ملامح الشرق
الأوسط لعقود قادمة.