• - الموافق2026/04/29م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أمريكا وإيران ولغز المفاوضات

لا تكاد تراوح المفاوضات الأمريكية الإيرانية مكانها، فكل حديث عن تقدم يعقبه تراجع أو انسحاب، فهل اتفاق الطرفان ضمنيا على عدم الاتفاق، أم ثمت عوائق أخرى أعمق تقيد مسار التفاوض وتكبل كلتا أيدي المتفاوضين وتمنعهما من الوصول لاتفاق


ماذا يجري بين أمريكا وإيران؟

بعد حرب شنتها أمريكا بمشاركة صهيونية لمدة خمسة أسابيع، بدأت هدنة بين الأطراف في ٨ أبريل بوساطة باكستانية، وكانت مشروطة لأسبوعين لفتح مضيق هرمز وإجراء مفاوضات.

بعدها بثلاثة أيام، عقدت جولة أولى من المفاوضات في إسلام آباد استمرت ٢١ ساعة بمشاركة أمريكية رفيعة (نائب الرئيس الأمريكي دي فانس وآخرين). وانتهت دون اتفاق؛ وسط الحديث عن خلاف رئيسي حول البرنامج النووي، فأمريكا تطالب بصفر تخصيب، وإيران تتمسك بحق محدود.

ثم تم الإعلان عن مد ترامب الهدنة في ٢١ أبريل (دون سقف زمني) لإعطاء إيران وقتاً لمقترح موحد، لكن الرجل في نفس الوقت فرض حصاراً بحرياً على الموانئ والمضيق، معتبراً إياه ضغطاً، بينما تصرح إيران بأن الحصار لا يؤثر فيها، وفي نفس الوقت تعتبره خرقاً وترفض المفاوضات طالما يستمر.

وبينما كان الفريقان على وشك استئناف التفاوض، وبعد مغادرة وزير الخارجية الإيرانية عراقجي باكستان، أعلن ترامب إلغاء زيارة وفد التفاوض الأمريكي إلى باكستان، وقال في تصريحات صحافية ومنشورات على منصة تروث سوشال: قلت لهم: كلا، لن تقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للوصول إلى هناك. لدينا كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس والتحدث عن لا شيء.

وأكد أنه إذا أراد الإيرانيون التحدث، كل ما عليهم القيام به هو الاتصال بنا. وأضاف "لقد أهدرنا الكثير من الوقت في السفر، والكثير من العمل".

وكرّر ترامب القول إن القيادة الإيرانية مشتتة بعد الاغتيالات التي جرت خلال الحرب. وأضاف: هناك اقتتال داخلي هائل، وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم. لا أحد يعرف من المسؤول، بما في ذلك هم أنفسهم.

لكن ترامب شدد على أن عدم سفر ويتكوف وكوشنر إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب، مضيفا لم نفكّر في ذلك بعد.

وكرد على ذلك الموقف، أعلنت إيران عدم إرسال وفد.

ثم فاجأ وزير الخارجية الإيراني عراقجي الجميع بعودته بشكل مفاجئ إلى باكستان، وبعدها زار مسقط، لكن الإعلام الرسمي الإيراني أفاد بأن عراقجي سيعود إلى باكستان بعد انتهاء زيارته إلى مسقط.

كل ذلك الشد والجذب، والعالم يراقب ما يجري مندهشا مما يحدث!!

ويتساءل الجميع عن تفسير تلك الفوضى في المفاوضات والانسحابات المتتالية ثم العودة بالتبادل.

هل هي مناورة من الطرفين؟

هل ما يجري جزء من لعبة المفاوضات وأصولها، ليحقق كل من الفريقين أكبر مكاسب ممكنة؟

هل هناك بالفعل انقلاب من المتشددين في قيادات الحرس الثوري الإيراني على اتفاق كان على وشك التوصل إليه بين المفاوضين الإيرانيين والأمريكان.

أم أن هناك أمرا آخر يجري العمل عليه وينتظر الفرصة المناسبة؟

كيف نحل هذا اللغز؟

اللعبة ذات المستويين

مربط الفرس في اللعبة الجارية بين إيران وأمريكا، هو تداخل الضغط الداخلي في كل من أمريكا وإيران على المفاوضين في البلدين.

ولذلك فنحن نحتاج إلى اقتراب علمي يجمع بين مراعاة ضغوط الداخل والعلاقان بين الدولتين، لكي نستطيع فك شفرة ما يحدث الآن.

وفي هذا الإطار يبرز اقتراب "اللعبة ذات المستويين"، الذي قدمه عالم السياسة روبرت بوتنام عام 1988، ويعد من أهم الأطر النظرية التي جسرت الفجوة بين السياسة الداخلية والعلاقات الدولية، حيث يفترض هذا الاقتراب أن المفاوض الدولي لا يعمل في فراغ خارجي، بل هو مقيد بضغوط داخلية وخارجية في آن واحد.

فالمستوى الأول، وهو الدولي والذي يجري بين الدبلوماسيون، والسياسيين، بهدف الوصول إلى اتفاق مبدئي مع الطرف الآخر.

اما المستوى الثاني، وهو المحلي الذي يرصد التفاعلات داخل الدولة الواحدة. من جماعات ضغط وأحزاب ورأي عام، ويهدف إلى ضمان المصادقة على ما تم الاتفاق عليه في المستوى الأول.

وهذا الاقتراب استطاع حصر الإشكالية بين المستويين في مفهومين الأول مفهوم نطاق الفوز، أما المفهوم الثاني، فهو مفهوم تقييد الأيدي كأداة للقوة.

فمفهوم نطاق الفوز، هو مجموع كافة الاتفاقيات الممكنة في المستوى الدولي، والتي يمكن أن تحظى بقبول أو تصديق كافٍ من قبل القوى السياسية في المستوى المحلي.

فإذا كان نطاق الفوز واسعاً، تسهل مهمة المفاوض في الوصول لاتفاق مع الخصم، لأن لديه خيارات كثيرة يقبلها شعبه أو تياراته السياسية.

أما إذا كان نطاق الفوز ضيقاً، تزداد صعوبة التفاوض، حيث يجد المفاوض نفسه مقيداً بخيارات محدودة جداً، وأي تنازل إضافي قد يؤدي لرفض الاتفاق محلياً.

يحدد الاقتراب ثلاثة عوامل رئيسية تؤثر في اتساع أو ضيق خيارات المفاوض في بيئته المحلية:

١-توزيع التفضيلات والمنافع، وهل هناك انقساماً بين مستفيدين، ومتضررين؟ كلما زاد عدد المعارضين للاتفاق محلياً، ضاق نطاق الفوز.

٢- طبيعة النظام السياسي تؤثر. فالديمقراطيات التي تتطلب موافقة ثلثي البرلمان مثلاً تجعل نطاق الفوز أضيق من الأنظمة المركزية التي تمتلك سلطة مطلقة.

٣-استراتيجيات المفاوض، وهي التي تبرز في قدرة المفاوض على استخدام المقايضات أو تقديم وعود داخلية لتوسيع نطاق القبول الشعبي للاتفاق.

أما مفهوم تقييد الأيدي كأداة للقوة، فيقوم كل طرف بإظهار بأن يده مكبلة بمطالب الجبهة الداخلية، وعندها ينقل عبء التنازل إلى الطرف الآخر، فكأنك تقول للخصم "أنا بلغت أقصى مدى يسمح به نطاق الفوز الخاص بي، فإذا كنت تريد اتفاقًا، عليك أنت أن تتزحزح لأنني قانونيًا وسياسيًا لا أستطيع"

محاولة حل لغز المفاوضات

تطبيق اقتراب اللعبة ذات المستويين، على المفاوضات الإيرانية الأمريكية، يحول المشهد من فوضى غير مفهومة، إلى صراع إرادات محكوم بخرائط القوى الداخلية.

أولا باستخدام قاعدة نطاق الفوز

فما يراه العالم لغزاً، هو في الحقيقة محاولة كل طرف لتوسيع نطاق الفوز الخاص به، أو تضييق نطاق خصمه.

فمعضلة نطاق الفوز الضيق هو السبب الرئيسي في تعثر المفاوضات، وليست الأسباب التقنية كعدد أجهزة الطرد المركزي أو نسب التخصيب، بل هو ضيق مساحة القبول المحلي في كلا البلدين:

ففي الجانب الأمريكي، نجد أن إدارة ترامب تعاني ضغوطًا من ثلاثة اتجاهات:

اتجاه الضغط الأول فيتمثل في قيد قانوني: يلزم القانون الرئيس بإبلاغ الكونجرس خلال 48 ساعة من بدء أي عمل عسكري، ويمنعه من الاستمرار لأكثر من 60 يوماً مع فترة سماح 30 يوماً إضافية للانسحاب، ما لم يحصل على تفويض رسمي بالحرب أو تمديد زمني من الكونجرس.

واتجاه الضغط الثاني يأتي من تيار أمريكا أولا، وهو تيار قوي داخل الحزب الجمهوري، هذا التيار يتبنى عقيدة انعزالية تعارض الحروب الأبدية ويرى أن استنزاف الموارد في الشرق الأوسط يخدم الصين ويضر بالداخل الأمريكي.

أما اتجاه الضغط الثالث فيأتي من داخل الإدارة نفسها.

فالانقسام داخل الفريق الرئاسي، يظهر من خلال معارضة نائب الرئيس جي دي فانس للحرب، واستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الأمريكي احتجاجًا على الحرب الأمريكية ضد إيران.

أما في الجانب الإيراني: فإن صانع القرار محكوم بتوازن دقيق: بين تيار واقعي يبحث عن رفع العقوبات، وتيار مبدئي أمني مثل الحرس الثوري يرى في التنازل النووي تهديداً للسيادة والوجود.

وبالتالي فأي اتفاق لا يضمن رفعاً شاملاً وفورياً للعقوبات لن يحظى بالمصادقة من القيادة العليا.

ثانيا باستخدام قاعدة تقييد الأيدي كأداة للقوة

فإن تطبيق تلك القاعدة يكشف، أن ما يبدو ضعفاً أو تخبطاً في موقف واشنطن أو طهران هو في الحقيقة أداة ضغط استراتيجية.

في هذا السياق، لا يتفاوض الطرفان لإيجاد حل وسط فحسب، بل يتفاوضان لإقناع الطرف الآخر بأن هامش المناورة لديهما قد انتهى تماماً.

فبدلاً من أن يشعر المفاوض الأمريكي بالحرج من قانون سلطات الحرب (60 يوماً)، أو ضغط تيار أمريكا أولا، فإنه يستخدمهما كأداة قوة ضد الإيرانيين.

فيستخدم المفاوض الأمريكي تكتيك: "أنا أود أن أرفع العقوبات غداً، ولكن انظر إلى حجم المعارضة في بلدي (تيار أمريكا أولا والكونغرس)؛ إنهم سينهون مستقبلي السياسي إذا لم أحصل منك على تنازل في ملف الصواريخ أو النووي أو الوكلاء.

وإيران تمارس نفس اللعبة تماماً عبر استخدام تصريحات قيادات الحرس الثوري، وكأنها محاولة لتحجيم السياسيين كوزير الخارجية عراقجي.

والرسالة هي: "أنا مضطر تقنياً وقانونياً للاستمرار في التخصيب ما لم ترفعوا العقوبات مثلا، يدي مقيدة بمن معهم ادوات القوة العسكرية في الحرس الثوري ولا أملك خيار التوقف".

وتكتيك تقييد الأيدي يفسر فوضى الانسحاب والعودة، فكل من الطرفين ينسحب ليوهم الخصم بأن الضغوط المحلية وصلت للانفجار.

ثم يعود مرة أخرى للمفاوضات عندما ينجح أحد الطرفين في انتزاع تعديل بسيط يسمح له بالعودة لجمهوره المحلي قائلاً: "لقد قيدت يدي ونجحت في إجبارهم على تغيير موقفهم".

فاستخدام تقييد الأيدي في المفاوضات الإيرانية الأمريكية، هو محاولة لرفع تكلفة الرفض على الطرف الآخر.

المفارقة الخطيرة، عندما ينجح الطرفان أكثر من اللازم في تقييد أيديهما، تصبح مساحة التوافق صفراً. عند هذه النقطة، تتوقف الدبلوماسية، ليس لأن الأطراف لا تريد الاتفاق، ولكن لأنهم قيدوا أيديهم لدرجة أنهم لم يعودوا قادرين على المصافحة، وهو ما يفسر حالة الشلل التام التي نراها الآن وينتظر الجميع أمراً آخر أو فرصة خارجية لفك هذه القيود.

أعلى