• - الموافق2026/05/23م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
انشقاقات

لا تمثل الانشقاقات في الحركات العسكرية مجرد خسائر في القوات أو الراجل الموالين، بل تمثل ما هو أكبر من ذلك فهي تمثل بداية التشكك في المشروع ذاته ومن جدوى الصراع واستمراره.


الانشقاقات التي تشهدها مليشيا "الدعم السريع" ليست مجرد تطورات عسكرية عابرة ضمن الحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023، فهي تحمل مؤشراً على تحولات أعمق بدأت تمسّ البنية الداخلية لقوة ظهرت، في وقت من الأوقات، بوصفها أحد أكثر التشكيلات المسلحة تماسكاً وقدرة على العمل خارج الأطر التقليدية للمؤسسة العسكرية.

عادة لا يبدأ الانكسار العسكري بسقوط المدن أو خسارة المواقع، وإنما قد يتسلل من الداخل؛ من الشكوك التي تنمو بين القيادات، ومن تنازع النفوذ، وتحولات الولاء، ومن شعور متصاعد بأن كلفة الحرب باتت تفوق القدرة على الاحتمال.

ومنذ تمرد مليشيا "الدعم السريع" بدا واضحا أنها تركيبتها قامت على مزيح بين الامتداد القبلي، واقتصاد الحرب، وشبكات المصالح، والعلاقات الشخصية التي نسجتها قياداتها الميدانية. وقد منحت هذه الصيغة الميليشيا المتمردة، قدرة واضحة على التعبئة السريعة والانتشار المرن، لكنها أخفت في داخلها عناصر هشاشة كامنة؛ فالولاءات القائمة على المصالح والانتماءات القبلية تصبح أكثر عرضة للاهتزاز كلما طال أمد الحرب، وتقلصت المكاسب، وتضاعفت الخسائر.

لا تحمل الانشقاقات الأخيرة مؤشرات أنها حوادث منفصلة فالأشخاص الوازنة التي انفصلت تدل على أن "الدعم السريع" قد دخل طوراً من الاستنزاف الداخلي، يتجاوز فقدان العناصر والقيادات إلى اهتزاز الثقة في مركز القيادة نفسه.

لقد مثل انشقاق أبو عاقلة كيكل على سبيل المثال أكبر من ضربة لمليشيا الدعم السريع فقد كان أكثر من مجرد قائد ميداني داخل "الدعم السريع". خسرت بانشقاق كيكل بوابة اجتماعية وجغرافية مهمة في ولاية الجزيرة. فالرجل يعرف الجغرافيا التي قاتلت فيها "الدعم السريع" أكثر مما يعرفها قادتها القادمون من دارفور، كما يمتلك امتدادات اجتماعية داخل البطانة وشرق الجزيرة، وهو ما جعل وجوده عنصراً حاسماً في تثبيت نفوذ القوات بتلك المنطقة.

إذا كان كيكل يمثل خسارة في الوسط السوداني، فإن انشقاق اللواء النور القبة في أبريل 2026 كشف ما هو أخطر: تصدع العمود القبلي الذي قامت عليه "الدعم السريع" في دارفور.

والحقيقة التي يمكن أن نقولها هنا أنه حين يبدأ التوتر داخل هذه الدائرة الصغيرة والقريبة تحديداً، فإن الأزمة تصبح أزمة هوية داخل القوة نفسها، لا مجرد خلافات عسكرية عابرة.

لقد بُنيت مليشيا "الدعم السريع" على معادلة دقيقة: توزيع النفوذ بين المكونات القبلية مع إبقاء مركز القرار بيد عائلة دقلو. لكن طول الحرب، وتفاوت الخسائر، والصراع على الامتيازات، بدأ يفتح الشقوق داخل هذه المعادلة. ولذلك فإن غضب "القبة" لم يكن شخصياً فقط، فقد ارتبط بشعور متزايد لدى بعض المكونات بأن الحرب تُدار بطريقة تستنزف الأطراف بينما تحتفظ القيادة العليا بمركز التحكم والامتياز.

أما انشقاق علي رزق الله "السافنا"، فقد حمل دلالة مختلفة، لأنه صادر عن شخصية تنقلت بين الحركات المسلحة والجيش و"الدعم السريع"، ما يعني أن الرجل يمثل نموذجاً للمقاتل الذي خبر التحالفات السودانية المتقلبة، ويدرك طبيعة المشاريع المسلحة العابرة للولاءات الثابتة.

وحين يعلن "السافنا" أن "الدعم السريع أصبح في جهة وهو في جهة أخرى"، فهو يتحدث هنا عن شعور بأن المشروع نفسه فقد اتجاهه الأصلي. وهذه نقطة شديدة الخطورة، لأن التنظيمات المسلحة تستطيع احتمال الخسائر العسكرية، لكنها تصبح أكثر هشاشة حين يبدأ الإحساس الداخلي بأن الحرب لم تعد تملك غاية.

لقد دخلت "الدعم السريع" الحرب وهي تقدم نفسها بوصفها قوة تسعى لإعادة تشكيل الدولة السودانية ومواجهة ما تصفه بهيمنة "المركز القديم"، لكنها مع الوقت وجدت نفسها متهمة بانتهاكات واسعة، وبالتحول إلى سلطة حرب تعتمد على اقتصاد النهب والسيطرة المسلحة. وهنا تبدأ المسافة بين الخطاب والواقع في إنتاج الانشقاقات.

 

فالروابط العقائدية داخل هذه التشكيلات غالباً ما تكون أقل رسوخاً من تلك التي تقوم عليها الجيوش النظامية، بينما تتحول المصالح، والانتماءات القبلية، والمكاسب المتفاوتة، إلى عناصر قابلة للتصدع عند أول اهتزاز كبير.

ربما لا يحظى بشارة الهويرة بالشهرة السياسية لبعض القادة الآخرين، لكن انشقاقه كان بالغ الحساسية عسكرياً؛ لأنه ارتبط بمحور بارا في شمال كردفان، أحد أهم شرايين الربط بين دارفور ووسط السودان.

واللافت أن عدداً من الانشقاقات الأخيرة جاء من شخصيات مرتبطة بالخطوط الخلفية والعمليات اللوجستية، لا من الصفوف الأمامية وحدها، وهو ما يوحي بأن أزمة "الدعم السريع" أصبحت أزمة ثقة داخل البنية التنظيمية ذاتها.

انشقاق المستشارين... الضربة الأخطر

في يوليو 2025، تلقت "الدعم السريع" ضربة تنظيمية وإدارية جديدة لا تقل في حجها وأثرها انشقاق القادة العسكريين، فقد أعلنت مجموعة من أبرز مستشاريها وقياداتها المدنية انشقاقها الكامل من بورتسودان؛ وهي خطوة كشفت حجم التصدعات التي بدأت تضرب البنية الاستشارية المسؤولة عن إدارة الملفات السياسية والقانونية والإدارية داخل القوات.

وضمت المجموعة عدداً من الشخصيات النافذة، من بينها مادبو إبراهيم بابجي، رئيس دائرة الحكم والإدارة، والأمين العام المؤسس للإدارات المدنية بمناطق سيطرة "الدعم السريع"، والشيخ محمد أحمد عليش، رئيس الدائرة القانونية، وعبدالعظيم سليم محمد، القيادي القانوني بتحالف "قمم"، إلى جانب عباس محمد عبدالباقي، مستشار محلية شرق النيل، وبابكر خليفة محمد، المستشار السياسي وعضو المجلس الاستشاري.

ولم تكن أهمية هؤلاء نابعة من مواقعهم الشكلية فقط؛ فقد مثّلوا، إلى حد بعيد، العقل الإداري والسياسي لـ"الدعم السريع"، إذ تولوا ملفات الإدارة المدنية، والتنسيق السياسي، وصياغة الخطاب القانوني والإعلامي داخل مناطق النفوذ.

لكن المنشقين قالوا إن مراجعاتهم الداخلية قادتهم إلى قناعة بأن "الدعم السريع" تجاوزت حدود كونها قوة عسكرية، لتتحول ــ بحسب توصيفهم ــ إلى مشروع لتفكيك الدولة السودانية، عبر الارتباط بجهات خارجية، والاستعانة بمرتزقة ومدربين أجانب، وتوسيع ممارسات الترهيب والاختفاء القسري.

كما تحدثوا عن تحركات سرية لعبدالرحيم دقلو تهدف إلى إنشاء سلطة موازية من الخارج، إضافة إلى شبكات دعم سياسي وإقليمي أسهمت، من وجهة نظرهم، في إطالة أمد الحرب.

وقد منح هذا الانشقاق بعداً مختلفاً عن كثير من الحالات السابقة؛ إذ صدر عن شخصيات كانت مطلعة على دوائر التخطيط، وآليات اتخاذ القرار، والبنية السياسية والإدارية التي تحيط بـ"الدعم السريع" من الداخل.

الحرب حين تتحول إلى عبء

في المراحل الأولى من الصراع، تحركت القوات بسرعة الصدمة، مستفيدة من عنصر المباغتة، واتساع الانتشار، ومرونة الحركة. أما اليوم، فهي تواجه حرب استنزاف مفتوحة، تتآكل فيها الموارد، وتتزايد الضغوط القبلية، وتتعرض الثقة بين القيادات لاختبارات متواصلة.

ويشير التاريخ العسكري إلى أن التشكيلات المسلحة غير النظامية تستطيع، في كثير من الأحيان، التوسع بسرعة وتحقيق اختراقات مبكرة، لكنها تواجه تحدياً أعقد حين تنتقل الحرب إلى مرحلة الإنهاك الممتد.

فالروابط العقائدية داخل هذه التشكيلات غالباً ما تكون أقل رسوخاً من تلك التي تقوم عليها الجيوش النظامية، بينما تتحول المصالح، والانتماءات القبلية، والمكاسب المتفاوتة، إلى عناصر قابلة للتصدع عند أول اهتزاز كبير.

ويصبح السؤال الأكثر إلحاحاً الآن: هل ما زالت مليشيا الدعم السريع تحتفظ بالبنية التنظيمية المتماسكة التي تمكنها من الاستمرار بوصفها قوة موحدة؟

يمكننا القول إنه وحتى هذه اللحظة، لا تبدو المليشيا على أعتاب انهيار كامل؛ فهي لا تزال تمتلك قوة نارية معتبرة، وانتشاراً جغرافياً واسعاً، وشبكات إمداد، وعلاقات إقليمية متشابكة.

لكن الأقرب هو أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة بالنسبة للدعم السريع الذي أصبح يعاني من خطرين انتصارات الجيش من الخارج ومواجهة خطر الانشقاقات من الداخل، فالانشقاقات حين تبدأ داخل التشكيلات المسلحة، لا تقتصر آثارها على خروج أسماء بعينها، فهي تنتج بالضرورة عاملاً أكثر خطورة ألا وهو  الشك الذي يفضي إلى التفكك والزوال.

وحين يبدأ أفراد التنظيم في التشكيك بقيادته، أو بجدوى الحرب، أو بعدالة توزيع النفوذ داخله، فإن عملية تآكل بطيئة تبدأ في نخره من الداخل، حتى وإن ظل التنظيم محتفظاً بقدرته على القتال في المدى القريب.

 انفوجرافك تصدعات الدعم السريع في السودان

أعلى