لم تكن تحولات تركيا في عهد أردوغان مجرد إصلاحات سياسية عابرة، بل مشروعاً متكاملاً لإعادة صياغة الدولة والهوية وموازين القوة. فمنذ 2002، تخوض أنقرة واحدة من أعمق عمليات إعادة هندسة النظام السياسي في تاريخ الجمهورية الحديثة، في معركة لم تنتهِ بعد.
منذ وصول حزب العدالة والتنمية، والذي يرمز له اختصارا ب(AKP)
بقيادة رجب طيب أردوغان إلى السلطة في أواخر عام 2002، شهد النظام السياسي التركي
أعمق عملية إعادة هندسة، وتغيير هيكلي منذ تأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال
أتاتورك عام 1923.
لقد استهدفت هذه الهندسة، طوال ما يقرب من ربع قرن، محاولة تعديل ما أحدثه اتاتورك
فيما يزيد عن ٧٥ عامًا من تغييرات عميقة في المجتمع التركي المحافظ، وفي توجهات
النظام السياسي ومن تغييرات في دوره الاقليمي والعالمي، مقارنة ما كانت تتمتع به
تركيا في عصر الدولة العثمانية.
ولكن كيف نفهم هندسة النظام التي أجراها ولا يزال أردوغان يجريها في السياسة
التركية؟
إعادة تشكيل النظام السياسي
لفهم إشكالية إعادة هندسة النظام السياسي وتغيير هياكل الدولة وتوازناتها، يُعد
الاقتراب المؤسسي الجديد من أنسب المداخل التحليلية في العلوم السياسية.
ظهر هذا الاقتراب كتطور للاقتراب المؤسسي التقليدي (الذي كان يكتفي بالوصف القانوني
المجرد لهياكل الدولة). فالاقتراب المؤسسي الجديد ينطلق من فرضية أساسية وهي أن
المؤسسات ليست مجرد مباني أو هياكل جامدة، بل هي ترجمة أو محصلة لقواعد اللعبة
السياسية.
وتكمن أهمية هذا الاقتراب في رؤيته والتي تقوم على أن الفاعلين السياسيين يسعون
دائماً لإعادة صياغة هندسة المؤسسات والقواعد لتعظيم مكاسبهم، وتغيير موازين القوى،
وتهميش الخصوم.
وهذه المؤسسية يمكن وصفها بالمتكاملة، فهذا التوجه يرفض عزل المصالح المادية
العقلانية عن الأفكار والأيديولوجيا، بل يدمجهما معاً بحيث نستطيع من خلال هذا
الدمج أن نفهم كيف تُصنع هندسة النظم السياسية.
وبناءً على ذلك، يقدم الاقتراب إطار تحليلي خماسي مطوّر، يدمج الفكرة، والمصلحة،
والهيكل في منظومة واحدة.
هذا التطبيق هو الثمرة الحقيقية للمزاوجة بين عمق الفكرة وبراغماتية السياسة.
وما سنقوم به، هو تشريح الحالة التركية منذ أواخر عام 2002، عبر عدسة الأدوات الخمس
للاقتراب المؤسسي الجديد.
الأداة الأولى، البوصلة والدافع
تحاول هذه الأداة تحديد الأطر الفكرية وتحديد المصالح، ومن هنا نبدأ بالبنية
الفكرية لحزب العدالة والتنمية وقائده أردوغان.
فالرؤية الكونية للحزب تنطلق من إرث الحركة الإسلامية المحافظة في تركيا؛ إرث نجم
الدين أربكان مع إعادة صياغته. هذه الرؤية ترى أن العلمانية الصلبة الكمالية التي
فُرضت على الدولة، والانصياع الأعمى للغرب، هما السببان الرئيسيان وراء تقزيم تركيا
وعزلها عن عمقها الحضاري العثماني والإسلامي.
وبناءً على هذه الخلفية، لم تكن المصلحة مجرد الفوز بالانتخابات للبقاء في السلطة،
بل كانت مهمة تاريخية ورسالية لإنهاء هذا التقزيم. البقاء في السلطة هنا هو الوسيلة
العقلانية، أما الغاية الفكرية فهي استعادة السيادة الكاملة وإعادة صياغة هوية
الدولة.
الأداة الثانية المناورة الاستراتيجية
ففي الفترة ما بين (2002–2007)،
واجه حزب العدالة معضلة: كيف يحقق غايته الفكرية دون أن يتعرض للحل والسحق من قِبل
الدولة العميقة والتي على رأسها الجيش والقضاء العلماني المهيمن؟ هنا تظهر المناورة
العقلانية لخدمة الفكرة.
لذلك تقدم الحزب للمجتمع وللغرب ليس كحزب إسلامي، بل كنسخة إسلامية من الأحزاب
الديمقراطية المسيحية في أوروبا.
كما عمل على ارتداء درع الاتحاد الأوروبي، فتبنى الحزب بحماس معايير كوبنهاغن
للإصلاح السياسي المؤهل لعضوية الاتحاد الأوروبي. فكانت هذه مواءمة استراتيجية
عبقرية؛ فالإصلاحات الأوروبية كانت تطالب بتقليص نفوذ الجيش في السياسة. واستخدم
الحزب مطالب الغرب كدرع قانوني وشرعي لتفكيك أنياب خصومه الداخليين من العلمانيين،
دون أن يتمكنوا من اتهامه بالأسلمة.
الأداة الثالث، تفكيك الدولة العميقة
وكان أكبر ركنين فيهما هما: القضاء والجيش.
فاتجه الى القضاة الذي لم تكن قياداتهم مجرد عقبات قانونية، بل كانوا بمثابة حراس
العقيدة العلمانية الأتاتوركية.
وتم تفكيك شبكة القضاء العلماني عبر آليتين:
1-
استخدام الغطاء القانوني، بتسويق التعديلات الدستورية، خاصة استفتاء عام 2010، وقام
بتسويق هذا الاستفتاء على أنه ضرورة قانونية لدمقرطة القضاء، وجعله متوافقاً مع
المعايير القانونية للاتحاد الأوروبي، ولإنهاء ما سُمي بوصاية الأقلية القضائية على
الإرادة الشعبية.
2-
تجديد النخبة القضائية، وتمت إعادة هندسة آليات التعيين في المحكمة الدستورية
العليا. هذا التغيير الهيكلي سمح بإزاحة القضاة الكماليين وإحلال نخب جديدة، سواء
كانت محافظة أو تكنوقراطية متصالحة مع التوجه الفكري الجديد للحزب، مما أنهى تدخل
القضاء الذي طالما هدد الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية.
أما تفكيك شبكة الجيش العلمانية، فتم استخدام المحاكمات الشهيرة (مثل أرغينيكون
والمطرقة) ليس فقط لعزل جنرالات، بل لضرب العقيدة العسكرية القديمة، وتم تصوير
الجيش في الإعلام الموالي للحزب في حقيقته كجهاز يحمي الدولة العميقة والفاسدة،
وليس كحارس للوطن.
الأداة الرابعة، استخدام سياسة المنعطفات الحرجة
يستخدم
علم السياسة مصطلح (المنعطف الحرج)، ويعني به: فترة زمنية قصيرة تقع فيها أزمة كبرى
أو صدمة عنيفة وغير متوقعة بداخل الدولة مثل: (حرب مفاجئة، انقلاب عسكري، انهيار
اقتصادي حاد، ثورة شعبية).
هذا المنعطف الحرج يحدث تغييرا كان متجذرا
في
الأوقات العادية، خاصة حين تكون مؤسسات الدولة وقوانينها قوية وصارمة، تمنع الحاكم
من تغيير قواعد اللعبة. لكن عند حدوث هذه الصدمة العنيفة، تدخل الدولة في حالة
سيولة شديدة وتنهار القيود القديمة مؤقتاً، وتُفتح نافذة فرصة استثنائية أمام
الفاعل السياسي لإجراء تغييرات جذرية وهندسة للنظام، لم يكن يحلم بتمريرها في
الأوقات العادية.
وقد مثّلت محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016، المنعطف الحرج الأكبر، سواء
كان حادثا جرى استثماره كما يبدو ظاهريا، أو مدبرا كما تقول المعارضة التركية وله
شواهده.
وبصرف النظر عن هذه الجدلية، فقد جرى استخدام هذا الحدث، وإحداث الهزة المطلوبة
للتخلص من أكبر مانع يحول بين التغيير المطلوب وهو إبعاد قيادات الجيش، أكبر أداة
كعائق أمام استعادة الدور التركي.
لم يتم تصوير الانقلاب إعلاميا من قبل حكومة العدالة والتنمية كمجرد تمرد عسكري، بل
صُبغ بصبغة ملحمية.
ورُفعت تكبيرات الآذان من مآذن المساجد طوال ليلة الانقلاب بأمر من القيادة
السياسية لتعبئة الجماهير.
وتم الترويج لسردية إفشال الانقلاب على أنه دفاع عن الإرادة الوطنية وصون للهوية
الأصيلة في وجه مؤامرة مدعومة من الخارج لتقزيم تركيا مجدداً.
هذا الشحن الفكري الكبير، مَنح أردوغان تفويضاً شعبياً مطلقاً لإعلان حالة الطوارئ،
وتطهير مؤسسات الدولة بالكامل، وتمرير التعديل الدستوري الجذري في 2017 دون معارضة
تذكر.
الأداة الخامسة بدء مرحلة صب الفكرة في قالب الدولة
بعد أن تم تحييد أكبر عقبتين (الجيش والقضاء) والتي تحول دون تطبيق الفكرة، بدأت
خطوات الحزب تسرع في اتجاه تنفيذ المشروع.
ففي عام 2018، تم إنجاز هندسة جديدة للدولة، وإعادة إنتاج دولة عميقة موالية للرؤية
الفكرية ووجهة نظر التي يتبناها الحزب، وذلك بتغيير الدستور.
فتم إنتاج النظام الرئاسي التنفيذي، لتتمركز كل السلطات في رئاسة الجمهورية، لإنهاء
تشتت السلطة البرلمانية الذي كان يتيح للنخب القديمة المناورة.
ولم تقتصر الهندسة على الدستور، بل جرى ترسيخها مجتمعياً ومؤسسياً، بتوسيع صلاحيات
وميزانية رئاسة الشؤون الدينية، لتصبح لاعباً مركزياً في السياسات العامة والتعليم.
كما تم إعادة صياغة المناهج التعليمية والتوسع في مدارس (إمام خطيب) لإيجاد الجيل
الجديد الذي يؤمن بالفكرة.
وفي نفس الوقت جرت إعادة هيكلة عقيدة الجيش والأجهزة الأمنية للنظام الجديد.
هذا الترسيخ أوجد واقعاً متجذرا معقداً، يجعل أي محاولة من المعارضة مستقبلاً
للعودة إلى النظام البرلماني القديم أشبه بمحاولة يشبهها البعض، بمحاولة تفكيك
طائرة أثناء الطيران؛ نظراً لأن كل مفاصل الدولة والبيروقراطية باتت مبرمجة على
المسار الرئاسي الجديد.
وكما قلنا، هناك دولة عميقة جديدة تكونت، وحلت مكان الدولة السابقة.
دولة وضعت نصب أعينها أهداف حزب العدالة ورسالته.
وكمرحلة أخيرة من الهندسة السياسية؛ فالنظام بعد أن نجح في صياغة "الدولة العميقة
الجديدة" وربط مفاصلها برئاسة الجمهورية، انتقل إلى هندسة المجال العام.
والهدف هنا ليس إلغاء الانتخابات لأن النظام يحتاج لشرعيتها الصندوقية، بل هندسة
البيئة المحيطة بالانتخابات، بحيث يدخلها الخصوم وهم ممزقون، ومخترقون، ومجردون من
مراكز القوة، مما يضمن بقاء هيكل السلطة الحالية في مساره المرسوم مهما تغيرت أمزجة
الناخبين.