• - الموافق2026/04/27م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
انشقاقات الدعم السريع، هل تسرع حسم المعركة في السودان

هل تمثل استراتيجية الاختراق التي يعتمدها الجيش السوداني بداية لتفكيك قوات الدعم السريع من الداخل، أم أنها مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تُدخل عناصر غير موثوقة إلى صفوفه، وكيف تؤثر الحسابات القبلية والدعم الخارجي على مآلات هذا الصراع؟


لم يعد ما يجري في السودان مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحوّل إلى صراع مركّب تُدار فيه المعركة من داخل صفوف الخصم قبل خطوط النار. أحدث تجليات هذا التحول كان انشقاق اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـقُبّة، الذي كان يُعد الرجل الثالث داخل قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو حميدتي.

هذا التطور لا يعكس فقط ضربة تكتيكية، بل يكشف انتقال الصراع إلى مستوى أكثر تعقيدًا، عنوانه: الاختراق والتفكيك.

انشقاق قُبّة لم يكن حدثًا مفاجئًا أو نتيجة لحظة انفعال، بل جاء بعد عملية استخباراتية دقيقة امتدت لأسابيع. هذه العملية قادتها أجهزة الجيش السوداني، وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة بقيادة أحمد إبراهيم مفضل، والاستخبارات العسكرية بقيادة محمد علي أحمد صابر، الذي أعاد عبد الفتاح البرهان تعيينه رغم خضوعه لعقوبات أوروبية منذ ديسمبر 2024.

التحرك الاستخباراتي لم يكن معزولًا عن السياق العسكري، بل جاء متزامنًا مع إعادة ترتيب القيادة، شملت أيضًا تعيين ياسر العطا رئيسًا للأركان في 2 أبريل، وهو ما يشير إلى أن الجيش كان يُعيد ضبط إيقاعه على أكثر من مستوى.

ولم يمر وقت طويل حتى تُرجم هذا التحرك إلى الميدان، عبر هجوم بري واسع في ولايتي شمال وجنوب كردفان بدأ في 18 أبريل، في أول عملية كبيرة من نوعها منذ أشهر.

تعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ بسيط لكنه فعّال:

زرع عناصر داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، واستقطاب القيادات الساخطة، ثم توظيف هذه الاختراقات في توقيت يخدم العمليات العسكرية.

قُبّة كان النموذج الأبرز، لكنه لم يكن الوحيد.

الرائد علي رزق الله السافانا، المقرب من موسى هلال، كان أيضًا تحت ضغط داخلي شديد، خاصة مع توتر علاقته بعبد الرحيم دقلو، ما جعله هدفًا مثاليًا للرصد والاستغلال. وقد استُخدمت هذه التوترات كغطاء لتهريب قُبّة، في عملية تكشف حجم الاختراق الذي وصل إليه الجيش داخل صفوف خصمه.

صراع القيادات:

لفهم دلالات انشقاق قُبّة، لا بد من النظر إلى خلفيته الشخصية والقبلية.

الرجل ينتمي إلى قبيلة المحاميد، وينحدر من مدينة مستريحة في غرب دارفور، وهي منطقة ذات ثقل في معادلة النفوذ داخل الدعم السريع.

 

اعتماد الجيش على عناصر سابقة من الدعم السريع يثير تساؤلات داخل صفوفه، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات مثيرة للجدل مثل قُبّة، المتهم بدور في أحداث الفاشر.

لكن الأهم من الانتماء هو الدوافع.

قُبّة كان يحمل أسبابًا واضحة للانشقاق، أبرزها اعتراضه على هجوم الدعم السريع على معقل موسى هلال في فبراير، والذي انتهى باختطاف أحد أبنائه. هذا الحدث لم يكن مجرد خلاف عسكري، بل مسّ بُعدًا شخصيًا عميقًا.

إلى جانب ذلك، شعر قُبّة بالتهميش بعد عدم ترقيته عقب سيطرة الدعم السريع على عاصمة شمال دارفور في أكتوبر، رغم مشاركته في حصار الفاشر، وهو ما عزّز شعوره بأن دوره لا يُقدّر كما ينبغي.

هذه العوامل تكشف أن الانشقاق لم يكن سياسيًا فقط، بل مزيجًا من حسابات شخصية وقبلية وتنظيمية.

وهو ما ينطبق على حالات أخرى، مثل موسى هلال، الذي انشق في وقت سابق، ما يعزز فرضية أن الدعم السريع لم يعد كتلة متماسكة، بل بنية قابلة للتصدع.

في المقابل، يدرك الجيش هذه الهشاشة ويحاول استثمارها إعلاميًا ونفسيًا.

الترويج لوجود اختراقات واسعة داخل الدعم السريع، وتسريب معلومات عن صراعات داخلية، يدخل ضمن إطار الحرب النفسية. لكن هذه الاستراتيجية لم تخلُ من المبالغة، كما حدث مع تداول وثيقة مزيفة تتحدث عن اعتقال عناصر بتهمة الخيانة، قبل أن يتضح أنها ملفقة.

ورغم المكاسب التي تحققها هذه الحرب، فإنها تحمل مخاطر واضحة. اعتماد الجيش على عناصر سابقة من الدعم السريع يثير تساؤلات داخل صفوفه، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصيات مثيرة للجدل مثل قُبّة، المتهم بدور في أحداث الفاشر.

ولهذا تحاول بعض الدوائر داخل الجيش إعادة تقديمه باعتباره عميلًا نائمًا، على غرار القائد أبو عاقلة كيكل، الذي انشق في أكتوبر 2024، وكان يقود قوات درع السودان التي أُنشئت عام 2022 بإشراف الاستخبارات العسكرية لمواجهة نفوذ حميدتي.

لكن هذه المعالجة لا تلغي التحدي:

كيف يمكن دمج هذه العناصر دون التأثير على تماسك المؤسسة العسكرية؟

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فدخول قُبّة إلى معسكر الجيش قد يخلق توترات جديدة، خاصة مع شخصيات مثل مني مناوي، حاكم دارفور، الذي يُعد منافسًا قديمًا له.

وهنا يجد البرهان نفسه أمام معادلة دقيقة: استثمار الانشقاقات دون تفجير خلافات داخل معسكره.

وأكد قائد عسكري بالقوات المسلحة السودانية أن قوات الجيش بوحداتها المختلفة بدأت عمليات انفتاح واسعة شمالي مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان وجنوبي مدينة الأُبيض حاضرة ولاية شمال كردفان.

وأضاف أن الانفتاح يستهدف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال المنتشرة في مناطق كازقيل  والدبيبات بهدف إفساح المجال لقوات الجيش والقوات المساندة لزيادة حجم توغلها وتمددها في ولايات كردفان.

يتزامن ذلك مع تدشين معسكر لتدريب قوات الدعم السريع في إثيوبيا بتمويل وتجهيز طرف خليجي، مع مرحلة ما بعد الانسحاب هذا الطرف من اليمن، بما يوحي بإعادة توجيه الثقل العملياتي من المسرح اليمني إلى السوداني.

ويبدو أن الطرف الخليجي يعمل على رفع مستوى دعمه لحميدتي في لحظة تتزايد فيها الضغوط الإقليمية على مسارات الإمداد القادمة عبر ليبيا وتشاد. ففتح مسار إمداد عبر إثيوبيا يمنح الدعم السريع بديلًا استراتيجيًا في حال تضييق المسارات الغربية.

عسكريًا؛ يسهم توسيع نطاق القتال في النيل الأزرق والمناطق المحاذية لإثيوبيا وجنوب السودان في تشتيت جهود الجيش السوداني، لا سيما بعد الانتصارات الميدانية التي حققها مؤخرًا جنوب كردفان عبر فك حصار مدينتي الدلنج وكادقلي.

تتقاطع هذه التطورات مع اعتراف كيان العدو الصهيوني باستقلال أرض الصومال، بما يعزز تقاربًا خليجياً إسرائيليًا إثيوبيًا في القرن الإفريقي، ويخلق معادلة تعاون متبادلة تتمثل في إتاحة الأراضي الإثيوبية كنقطة عبور للنفوذ الخليجي باتجاه الساحة السودانية، مقابل تسهيل تدشين منفذ بحري إثيوبي في أرض الصومال يوفر لأديس أبابا منفذًا إلى البحر الأحمر بتمويل ودعم لوجستي خليجي، وغطاء سياسي وأمني إسرائيلي.

في المحصلة، تشير هذه التطورات إلى أن الجيش السوداني لا يراهن على الحسم السريع، بل على استراتيجية استنزاف طويلة، تقوم على تفكيك قوات الدعم السريع من الداخل، بالتوازي مع تحركات عسكرية محسوبة.

انشقاق قُبّة قد لا يكون سوى بداية لسلسلة من التحولات داخل بنية الدعم السريع، خاصة إذا استمرت الضغوط الداخلية والتوترات القيادية.

لكن في المقابل، فإن هذه الاستراتيجية تطرح تحديات معقدة، تتعلق بإدارة التحالفات، والحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية، والتعامل مع إرث الصراع.

أعلى