• - الموافق2026/04/21م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
من يستطيع نزع سلاح حزب الله؟

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتضارب التصريحات الدولية، يظل السؤال الأخطر معلقاً: من يملك القدرة الفعلية على نزع سلاح حزب الله؟ بين حسابات القوى الكبرى وتعقيدات الداخل اللبناني، تتكشف كواليس صراع قد يعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها.


عندما تم وقف الحرب بين أمريكا والكيان الصهيوني وإيران، خرج الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء الكيان ليعلنا؛ أن الهدنة مع إيران لن تشمل لبنان.

ولكن بعدها وفجأة، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليعلن عن وقف إطلاق النار في لبنان لمدة عشرة أيام.

وفي اليوم التالي، وإثر قرار إيراني بفتح جزئي لمضيق هرمز، رد ترامب وقال: إن الولايات المتحدة تحظر على إسرائيل قصف لبنان ويكفي تعني يكفي.

ومساء نفس اليوم، وفي تصريح نقلته شبكة cbs news الأمريكية قال ترامب: إن إيران وافقت على التوقف عن دعم الجماعات الإرهابية بالوكالة، مثل حزب الله وحماس.

تغير لغة ترامب هذه، من الوعيد إلى التصالح توحي بوجود تفاهمات واتفاقيات جرت في الكواليس، ولكن حتى كتابة هذه السطور لا يعلم ولا يخبرنا أحد، فحوى تلك البنود أو هذه التفاهمات.

وفي نفس الوقت لم يخرج اي تصريحات من اي طرف تتحدث عن مفردات هذه الهدنة اللبنانية.

كل ما نعلمه، هو بيان وقف إطلاق النار في لبنان كما نشر في موقع وزارة الخارجية الأمريكية، الذي يتضمن منح الكيان الصهيوني حق توجيه ضربات في لبنان لمجرد وجود (تخطيط) لتهديدها، فضلا عن التزامات أخرى لصالحها، من دون أي التزام لصالح لبنان.

وقبل الإعلان عن الهدنة، كانت هناك مفاوضات تجريها الحكومة اللبنانية ممثلة في سفيرة لبنان في واشنطن مع دولة الاحتلال ممثلة في السفير الصهيوني برعاية أمريكية.

ولكن الغريب وغير المنطقي، أن الجميع يعرف وأولهم دولة الكيان والولايات المتحدة، أن القرار السياسي اللبناني رهينة لدى إيران عن طريق ذراعها الأقوى عسكريًا في لبنان حزب الله.

فلماذا إذن جرت هذه المفاوضات، بين البلدين بتشجيع ورعاية أمريكية؟

ما الذي تنتظره الولايات المتحدة وربيبتها دولة الكيان ممن لا يملكون سلطة على حزب الله ولا قراراته المرتبطة بإيران؟

هل هدنة لبنان لها علاقة بتوقف القتال، ومسار المفاوضات بين أمريكا وإيران عبر الوسيط الباكستاني؟

هل اشترطت إيران في المفاوضات هدنة لبنانية، كما جاء على لسان عضو البرلمان اللبناني عن حزب الله حسن فضل الله لقناة الميادين، حيث قال إن السفير الإيراني في بيروت أبلغ حزب الله بأن جهود طهران أثمرت ونجحت في فرض وقف إطلاق النار في لبنان.

ولكن على الجانب الآخر يزعم ترامب أنه هو الذي أوقف ضرب لبنان، وشرع الرجل كعادته للاحتفال بأن هذه هي الحرب العاشرة التي استطاع ان يوقفها بعد تسع حروب!!

ومن المعلوم، أن أكثر القضايا التي تؤرق الكيان الصهيوني في ذلك التوقيت، هي تأمين المستوطنات التي أقامها في شمال فلسطين من هجمات حزب الله.

لذلك سيبقى السؤال الأكثر إلحاحا من سيقوم بنزع سلاح الحزب؟

هل تستطيع الحكومة اللبنانية نوع سلاح الحزب كما يأمل البعض؟

من الواضح أن الحكومة اللبنانية لا تملك أدوات لإخضاع حزب الله.. حتى الجيش اللبناني قابل للتفكك، وهناك إمكانية لأن يتخلى عنه الضباط والجنود الشيعة .. كما أن هناك قسم من الموارنة متحالفين مع الحزب .. ويبدو أن الرئيس اللبناني عون المسيحي متلكأ في مسألة نزع سلاح الحزب، خاصة بعد أن أصدر نواف سلام رئيس الوزراء أمرًا للجيش اللبناني بإخلاء بيروت من السلاح، ولم ينفذه الجيش، حتى أن قائد الجيش الماروني الذي يدين بالولاء لرئيس الجمهورية الماروني ايضًا، قام بتعيين ضابط شيعي في منصب قيادي في الجيش كان دائمًا يشغله السنة، وذلك بعد أن تردد أن رئيس الوزراء صائب سلام أراد إقالة قائد الجيش، بعد أن رفض تنفيذ أوامره بإخلاء بيروت من السلاح، وكان المقصود بالطبع سلاح حزب الله.

 

فالمعادلة المقترحة: ارفعوا يدكم عن السويداء واسمحوا لنا بفرض السيادة الكاملة عليها، وسنتكفل نحن (عبر نفوذنا أو تدخلنا) بتحجيم التهديد الذي يمثله حزب الله على حدودكم الشمالية.

ومن جانب آخر عندما ظهرت قرارات رئيس الوزراء اللبناني سلام والتي تقضي بنزع سلاح بيروت، جاءت أنباء عن احتمالات قرب حدوث انقلاب في لبنان، والسيطرة على مؤسسات الدولة اللبنانية من قبل حزب الله وحركة أمل.

مصدر تلك الرواية في الأساس هو الجانب الصهيوني، الذي يدعي أن هجومه الوحشي الأخير على بيروت، قد أحبط الانقلاب المزعوم الذي كان يدبره حزب الله للسيطرة على سرايا الحكومة اللبنانية وقصر الرئاسة وسط بيروت.

وما لبثت وسائل السوشيال ميديا أن تناقلت تلك الروايات.

ومما ساهم في زيادة الشكوك، هو المظاهرات التي قام بها أنصار الحزب في مناطق تركز أهل السنة في بيروت، وترديدهم شعارات طائفية.

ولكن إذا عجزت الدولة اللبنانية عن نزع سلاح الحزب كما يبدو، لم يتبق إذن إلا التدخل الخارجي.

فهل هو الجيش الصهيوني؟

هذا الجيش على الرغم من أنه حقق تقدمًا بطيئًا في الجنوب اللبناني، فإن ثمن التقدم البطيء خسائر كبيرة يعاني منها هذا الجيش سواء على مستوى المعدات أو الأفراد، وظهر عجزه في منع استمرار قصف حزب الله للمستوطنات الصهيونية في شمال فلسطين.

فإذا كان هذا ما حدث للجيش للصهيوني في الجنوب بعد إخلائه من السكان، فماذا يفعل في شمال نهر الليطاني عندما يتوغل في معاقل الحزب في بيروت وفي البقاع، وفي غيرها حيث الكثافة السكانية والكتل البشرية.

لذلك يبرز إلى الواجهة الخيار السوري، حيث تتمنى الولايات المتحدة والكيان دخول الجيش السوري ليحسم المعركة مع حزب الله.

ولكن إذا نظرنا إلى صاحب القرار في سوريا فإن الأمر يتعلق بالإرادة والقدرة.

بالنسبة لقدرات الجيش السوري، فالمكون الرئيسي داخل الجيش هم الجماعات العسكرية السورية، والتي سبق وأن قاتلت قوات حزب الله ومعها فصائل إيرانية كفيلق القدس وجماعات أخرى شيعية أفغانية وباكستانية ومعها جيش بشار وغيرهم، والتي استعان بهم النظام العلوي ضد ثورة الشعب السوري، ولم تستطع هذه الفصائل التي احتشدت بدوافع طائفية الصمود أمام الفصائل الجهادية السورية والتي تسلحت للدفاع عن المدنيين السوريين، وكانت على وشك هزيمة هذا التحالف الشعبي الباطني، لولا استعانة التحالف الشيعي بالقوات الروسية والطيران الروسي، حينما ذهب زعيم فيلق القدس قاسم سليماني إلى موسكو وأقنع بوتين بالتدخل واقتسام الكعكة السورية بين إيران وروسيا.

والشاهد هنا أن تلك الفصائل العسكرية، والتي أصبحت تشكل قلب الجيش السوري الآن، كان لها الغلبة على قوات حزب الله المدعومة شيعيًا.

وإذا كانت المواجهة السابقة بين الطرفين والتي حدثت منذ حوالي عشر سنوات جاءت لصالح السوريين (قبل التدخل الروسي)، في وقت كان الحزب في قمة جاهزيته، فما بالك اليوم والحزب في أضعف أحواله، حيث أجهز الاختراق الصهيوني على قياداته الكبرى التاريخية والعسكرية، وحتى القيادات الوسيطة وكوادر الحزب فتم القضاء عليها بأجهزة البيجر المخترقة، كما تخلت عنه روسيا وجزئيًا إيران، بينما الفصائل السورية والتي سبق وأن واجهت الحزب أصبحت جيشًا متمرسًا يدعمه بصفة أساسية قوات تركية، ويجد دعمًا إقليميًا وعالميًا غير مسبوق.

وهنا نجيء إلى الإرادة السورية.

فحسب تقارير رويترز ومصادر أخرى، فقد شجعت الولايات المتحدة سوريا على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان (منطقة البقاع الشمالي أو الحدود)، للمساعدة في مواجهة حزب الله أو قطع خطوط الإمداد. كان هذا في سياق الضغط الدولي بعد بدء قصف القوات الصهيونية للبنان في شهر مارس الماضي.

ووصل الأمر إلى عرض أمريكي صهيوني مباشر للتدخل العسكري المشترك مع الجيش الصهيوني.

ولكن الموقف السوري المعلن تمحور حول رفض أي تدخل عسكري واسع داخل لبنان، خوفاً من الانجرار إلى حرب جديدة، أو فقدان الشرعية الداخلية والعربية.

واكتفت الحكومة السورية بإجراءات عملية محدودة، مثل إغلاق أنفاق تهريب أسلحة على الحدود، ومنع ميليشيات عراقية من العبور عبر سوريا، وتعزيز الانتشار العسكري على الحدود (لأسباب دفاعية ومنع التسلل).

ولكن في خضم هذه الضغوط الأمريكية الصهيونية على الحكومة السورية للتدخل في لبنان ونزع سلاح الحزب، تثور شكوك حول وجود رغبة سورية فعلا في التدخل المؤقت في لبنان.

فالتدخل السوري المحدود في لبنان يحقق إزالة خطر الحزب على الأمن القومي السوري، وقد سبق وأن تدخل الحزب نفسه مباشرة وشارك في قمع وذبح الشعب السوري، كما أن أهل السنة في لبنان يعانون من قمع الحزب ويقبع المئات منهم والذين تعاطفوا مع الثورة السورية في سجون لبنان بتوصية من الحزب.

فالتدخل السوري يحقق مصلحة للدولة بالفعل، ولكن باستقراء الواقع وأسلوب تفكير الشرع، فإنه يبدو أن الحكومة السورية تضع شروطا لهذا التدخل:

أول هذه الشروط انسحاب للجيش الصهيوني كاملا من الأراضي التي احتلها بعد تحرير سوريا بما فيها جبل الشيخ، والعودة إلى حدود اتفاق فض القوات في عام ١٩٧٤.

وثاني هذه الشروط، رفع حماية دولة الكيان عن الدروز في السويداء.

والشرط الأخير، هو الضغط على المسيحيين في لبنان، لعدم عرقلة التدخل العسكري السوري في البقاع وبيروت، وهي المناطق التي يراد تطهير قوات الحزب منها، خاصة أن التدخل سيكون مؤقتا.

لتفكيك هذه الشروط من منظور المقايضة الاستراتيجية:

أولا، يمكن اعتبار السويداء كورقة ضغط سيادية.

ففي العلوم السياسية، عندما تدعم قوة خارجية (مثل الكيان الصهيوني) تمرداً أو وضعاً خاصاً في منطقة حدودية (السويداء)، فإنها لا تفعل ذلك حباً في ذلك المكون، بل لتحويل المنطقة إلى منطقة عازلة أو ورقة مساومة.

بالنسبة لأحمد الشرع، فإن بقاء السويداء خارج السيطرة الفعلية لسوريا تحت مظلة حماية إسرائيلية يعني أن السيادة السورية منقوصة في أهم نقاطها الجنوبية.

إذا كانت دولة الكيان قد رسمت خطاً أحمر بالبارود فوق السويداء، فإن إزالته لن تتم إلا بتقديم ثمن موازٍ في الأهمية الاستراتيجية للكيان الصهيوني.

ثانيا لماذا قد يكون لبنان هو الثمن؟

من وجهة نظر السياسة العملية، قد ترى الدوائر السياسية في سوريا (أو من يشير عليها دولياً أو إقليميا) أن السيطرة على حزب الله في لبنان هي المفتاح الوحيد لفك الارتباط الصهيوني عن السويداء.

فالمعادلة المقترحة: ارفعوا يدكم عن السويداء واسمحوا لنا بفرض السيادة الكاملة عليها، وسنتكفل نحن (عبر نفوذنا أو تدخلنا) بتحجيم التهديد الذي يمثله حزب الله على حدودكم الشمالية.

بالنسبة للكيان، المقايضة هنا هي: التخلي عن حماية جيب درزي (فقد وظيفته كمنطقة عازلة) مقابل التخلص من جيش منظم (حزب الله) على حدودها.

ثالثا، جبل الشيخ والسويداء: ثنائية السيادة

إذا استعادت سوريا جبل الشيخ (الأرض) والسويداء (القرار والسيادة)، فإن الإدارة الجديدة ستكون قد حققت انتصاراً وطنياً يثبت أقدامها داخلياً بشكل لا يتزعزع. هذا الإغراء قد يدفع أي سياسي، مهما كان حذراً، للتفكير جِدياً في قبول الضغوط الأمريكية للتدخل في لبنان.

الخلاصة:

 تاريخياً، الصفقات التي تشمل تغيير خرائط النفوذ والسيادة هي التي تنهي الحروب الكبرى، لكنها دائماً ما تكون محفوفة بمخاطر الانفجار إذا لم تكن الأطراف قادرة على الوفاء بالتزاماتها.

السؤال هنا: هل يمكن للشرع أن يثق في أمريكا كضامن لعدم غدر الكيان به بعد تنفيذه لمهمة تطهير لبنان، أم أن التجربة التاريخية تجعل سوريا تتوجس من الوعود الصهيونية؟

في الماضي القريب عندما استطاع كسينجر إقناع حافظ الأسد بدخول لبنان للقيام بتصفية المقاومة الفلسطينية التي كانت تؤرق الكيان بهجماتها الناجحة انطلاقا من الأراضي اللبنانية، وقام الأسد بمذابح للفلسطينيين في لبنان، إلا أن الكيان الصهيوني غدر بجيش الأسد عام ١٩٨٢، وأسقط ٩٠ طائرة سورية في ساعتين فقط في معركة معروفة تاريخيا بمعركة سهل البقاع.

سوريا الجديدة تسير على حبل مشدود في خضم منطقة ملتهبة بتقلبات عميقة، وتحولات خطيرة، والمطلوب هو الخطوات المحسوبة بعد التوجه إلى الله والتوكل عليه.

أعلى