إيران تعيد النساء إلى البيت

إيران تعيد النساء إلى البيت


 

التصدي للميول الديمغرافية والتطلع إلى زيادة عدد السكان الإيرانيين وحبس نسائهم في البيوت، لا بد أنه يعظم قوة الشباب بعد جيل. فمنذ الآن يعد أكثر من نصف مواطني إيران أبناء أقل من 35، ومشكلتهم الأساس هي العمل والأفق الاقتصادي المسدود بسبب سياسة النووي التي تسببت بالعقوبات الدولية. هذا جيل لا يقف ضد حكومته في كل ما يتعلق بسياستها النووية، ولكنه غير مستعد لان يغفر لها عجزها في المجالات المدنية.

أحد الأمثلة الأخيرة على ذلك كان الانتقاد اللاذع الذي وجهه شبان إيرانيون ضد النظام على شكل معالجته للهزة الأرضية التي ألمت بإقليم أذربيجان في 11 آب. كارثة طبيعية قتلت 306 أشخاص، حسب الرواية الحكومية وأكثر من 16 ألف شخص، حسب رواية المنظمات المدنية.

وأحدث النذر صدمة. فالجامعات في إيران أعلنت بأنه ابتداء من السنة الدراسية القادمة لن تتمكن الطالبات من تعلم 77 مهنة تعتبر مخصصة للرجال فقط. أكثر من نصف مليون مرشحة للقبول في الجامعات بشرن بأنه توجد مجالات ليست ملائمة للنساء، كالزراعة، الهندسة الميكانيكية أو العمل في المناجم، بسبب الجهد الجسدي الذي تنطوي عليه، كما شرح المسؤول عن نشر التعليم في وزارة العلوم الايرانية.

ولكن لماذا لا يمكن للنساء أن يتعلمن مهنا كتخطيط المدن، هندسة المناجم، ولماذا في قسم من الجامعات لا يمكن للنساء أن يتعلمن تدقيق الحسابات، ترميم المباني القديمة، الكيمياء، أو هندسة النفط، المهنة التي حتى قبل التعليمات الجديدة محظورة على النساء؟ ظاهرا، هذه مبادرة من الجامعات التي شرح الناطقون بلسانها بأن كل جامعة تدرس احتياجاتها وتقرر شكل التعليم فيها. ولكن غياب رد فعل رسمي من جانب النظام وحقيقة أن تخطيط منظومة التعليم للمدى البعيد يتم بالتنسيق مع سياسة النظام، يبدو أن القرار هو جزء لا يتجزأ من ميل جديد يبعث على القلق في ايران.

وتتطلع هذه السياسة إلى تقليص تواجد النساء في دائرة العمل و إعادتهن إلى مكانهن الطبيعي في البيت، إلى جانب الأطفال وفي المطبخ. التخوف المؤكد لمعارضي التعليمات الجديدة هو أنه من الآن فصاعدا سيقل عدد النساء اللواتي سيتعلمن في الجامعات، بعد أن كان حتى الآن عدد اكبر من النساء يفوق الرجال يتعلمن في الجامعات الإيرانية. حتى العام 2010 تراوح معدل النساء بين 60 و 65 في المائة مقابل 35و 40 في المائة من الرجال وفقط في العام 2010 توازنت النسبة. وتدل هذه المعطيات على مكانة إيران كدولة معدل الأمية فيها هو الأدنى في المنطقة 82 في المائة مقابل 62 في المائة في الشرق الأوسط، وتعد النساء الإيرانيات الأكثر تعليما في العالم، حسب تقرير اليونسكو.

في هذا المجال بالذات سجلت "الثورة الاسلامية" نجاحا هائلا. فمقارنة مع عهد الشاه، أمر زعماء الجمهورية الاسلامية بالفصل بين النساء والرجال، طالبوا بالنساء بلبس الحجاب وأمروا بتعليم الدين إلى جانب التعليم العلماني. وأتاحت هذه التوجيهات للعائلات التقليدية والدينية الكثيرة إرسال بناتهن لأول مرة إلى 36 جامعة تعمل في إيران.

وتهدد التعليمات الجديدة بتغيير الميل. وهي تنسجم مع الإعلان الأخير للزعيم الاعلى علي خمينئي والرئيس محمود احمدي نجاد اللذين بدآ بتشجيع المواطنين الإيرانيين على زيادة عائلاتهم، وإنجاب المزيد من الأطفال وزيادة عدد السكان في إيران. ويقضي العلماء والخبراء بأننا سنواجه انكماشا كبيرا في حجم السكان، إذا استمرت سياسة الرقابة على الانجاب، هكذا شرح خمينئي الشهر الماضي. قبل ثلاث سنوات من ذلك كان اقترح احمدي نجاد الدفع لكل عائلة بـ 950 دولار على كل طفل تنجبه و 95 دولار في السنة على كل طفل إلى أن يصبح ابن 18.

وكانت سياسة الرقابة على عدد السكان دخلت حيز التنفيذ في التسعينيات بعد أن هددت نسبة الزيادة الطبيعية، 3.9 في المائة، بزيادة عدد السكان الإيرانيين إلى نحو 120 مليون نسمة في غضون جيل. والتقدير المتشدد الذي أجري في الوزارات الحكومية الايرانية بيّن بان وتيرة نمو كهذه من شأنها أن تمس بقدرة ايران ليس فقط على توفير العمل للجميع. فانتاج البضائع الأساس وتقديم الخدمات الأساس كالمياه والكهرباء لن تدرك هذه الوتيرة.

وبدأت إيران عندها في حملة مثيرة للانطباع لتقليص نسبة الولادة وجندت إليها حملات الإعلام والإرشاد التي أطلقتها الوزارات الحكومية في التلفزيون، نشر اليافطات التي تقول 'العائلة الصغيرة هي عائلة جيدة'، وتقلصت المساعدات للعائلات ابتداء من الطفل الثالث، وشجعت النساء على استخدام وسائل منع الحمل بل وفتح مصنع خاص لإنتاج واقيات الرجال بتمويل من ميزانية الدولة في معظمه.

وفصل تقرير نشرته البي.بي.سي في العام 2002 بأنه حتى في مصنع واقيات الرجال"كيهان بود"، "ينتج 45 مليون واقي رجال في 30 شكل مختلف". "نحو 80 في المائة من انتاجنا هو واقيات رجال عادية مخصصة لوزارة الصحة"، شرح في حينه مدير المصنع، كمران هاشمي."واقيات الرجال التي على الموضة تذهب إلى القطاع الخاص، واللون المفضل هو الوردي بينما الطعم هو النعنع". في إطار خطة تقليص عدد السكان طلب من الأزواج الشابة الإثبات قبل الزواج بأنهم اجتازوا دورة خاصة على استخدام وسائل منع الحمل وتنظيم الأسرة.

كل هذه الخطوات حققت نجاحا كبيرا عندما انخفض معدل ارتفاع عدد السكان إلى 1.3 في المائة ولا يصل عدد المواطنين الآن إلا إلى نحو 73 مليون نسمة فقط. ولكن "ما كان صحيحا قبل عشرين سنة لم يعد ساري المفعول"، يشرح خمينئي الحاجة إلى تغيير سياسة تنظيم الأسرة. من هنا أيضا الضرورة ليس فقط لتشجيع الولادة وإلغاء تعليم استخدام وسائل منع الحمل بل وأيضا الحرص على إحياء العصر الذي كانت فيه النساء ترعى الأطفال وتعدن إلى دورهن المناسب. وأخذ بعض المحللين الإيرانيين التعليمات الجديدة إلى بعض خطوات إلى الأمام وهم يقدرون بان هذه الخطوات ترمي إلى الإثبات للغرب بان إيران لا تخشى العقوبات وان في وسعها إعالة ملايين عديدة أخرى من المواطنين.

يبدو أن هذه المرة الايديولوجيا الدينية الاجتماعية هي بالذات التي خلقت التحول. إذ إلى جانب حصر مهن التعليم للنساء وتشجيع الولادة فقد أمرت وزارة الصحة بتقليص سقف الرجال الذين يسعون لان يكونوا ممرضين. في إيران، التي تعاني من نقص حاد في الممرضين والممرضات، فان هذه تعليمات غريبة، ولكن عندما يخيل لقيادتها بان "القيود الاخلاقية"آخذة في الوهن، كما يقدر خمينئي فليتفضل الرجال للانصراف عن المهن المخصصة بشكل تقليدي للنساء. في هذه الأثناء قررت وزارة الصحة العمل بالتدريج وبدلا من سقف 20 في المائة رجال وافقت على أن تزيد السقف إلى 40 في المائة ولكن السيف لا يزال مهددا.

مواجهة الميول الديمغرافية والتطلع إلى زيادة عدد السكان الإيرانيين وحبس النساء في بيوتهن لا بد ستعظم قوة الشباب بعد جيل. فمنذ الآن أكثر من نصف مواطني إيران هم أبناء اقل من 35 ومشكلتهم الأساس هي العمل والأفق الاقتصادي الذي سد بسبب سياسة النووي التي تسببت بالعقوبات الدولية. هذا جيل لا يقف ضد حكومته في كل ما يتعلق بسياستها النووية، ولكنه غير مستعد لان يغفر لها عجزها في المجالات المدنية.

في حادثة الزلزال الأخيرة كتب الشاعر الايراني محمد رضا علي فيام في مدونته معلقا على ذلك:" من قال لكم إننا حكومة كسولة؟ نحن ننشغل في كل المواضيع العربية حتى الرقبة. كفوا عن الإلحاح علينا في موضوع الهزة الأرضية، فلدينا دمشق وحلب على الرأسط.

ومع أن هذا النقد لن يسقط أنظمة ولكنه يعرض النظام بشكل محرج. وذلك لأنه إذا كانت معالجة الهزة الأرضية صعبة، فكيف سيعالج النظام هجوما على المدن الإيرانية؟ هذا جيل من الشباب ولد بعد الثورة، الجيل الجديد الذي تشجع ولادته الآن القيادة من شأنه أن يكون أكثر تمردا بكثير.

تسفي برئيل - هآرتس 27/8/2012

أعلى