الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على نبيِّنا محمّدٍ وعلى آلِه وصَحْبِه أجمعين، وبعدُ:
العيد مأخوذ من العَوْد، وهو التكرُّر والرجوع؛ لأنه يتكرَّر ويعود ويرجع مرة تلو الأخرى كل عام، على مَن بقي حيًّا من الناس.
والعيد مناسبة إسلامية كبيرة وسارَّة، تأتي بعد موسم عبادة وجهد ونَصَب؛ فعيد الفطر يأتي بعد شهر رمضان، وعيد الأضحى يحلّ على الحُجّاج بعد الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، ويُطِلّ على المقيمين على رأس عشر ذي الحجة المباركة.
فالعيد مكافأة من الله -تبارك وتعالى-، ومنحة منه -سبحانه- لعباده المتعبّدين، يفرحون فيه، ويستمتعون به بعد موسم عباديّ، حافل بالعمل والجد والمثابرة.
فتعظيم يوم العيد عبادة، والفرح في يوم العيد عبادة، والاستمتاع بما أباح الله في يوم العيد عبادة.
فلا ينبغي تكدير صفو يوم العيد، وتنغيص سعادته، واختلاس بهجته، باجترار المآسي والذكريات الحزينة. فرغم مآسي الأُمَّة وجراحاتها الغائرة: مَأمومةً وجائفةً.. إلا أن هذه المآسي لا ينبغي أن تُؤثّر على بهجة العيد؛ فقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم حياته كلها في جَهد وجهاد، ومشقة وتكذيب وعناد؛ منذ يُتْم الطفولة.. إلى تكاليف الرسالة وتبعاتها.. إلى تكذيب قومه وأقرب الناس إليه.. إلى مُفارقة الأوطان والأهل والخلان.. إلى معايشة المكائد من يهود.. ونقض المواثيق والعهود.. إلى دسائس المنافقين.. إلى مواجهة أعداء النور، في الحروب والثغور.. إلى فقد أصفيائه، من أصحابه وأحبائه، في المعارك وحالات الغدر.. إلى فقد ستة من ذريته السبعة في حياته صلى الله عليه وسلم ، ولم يبقَ له منهم سوى فاطمة -رضي عنهم أجمعين-، إلى موت ثلاثة من أحفاده الثمانية في حياته...
ومع هذا كله؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتهج في العيد مع أصحابه، ويفرح به؛ ففي الصحيحين قصة ترويها أُمّنا عَائِشَةُ -رضي الله عنها، وكانت حينها جارية صغيرة- أن أباها -رضي الله عنه- دخَل عليها وعندها جاريتان -ليستا بمُغَنيتين- تُدَفِّفَان وَتَضْرِبَان وتُغَنِّيَان بِغِنَاء بُعَاث؛ غناء الحرب والحماسة في وقعة بُعَاث التي حصلت بين الأوس والخزرج في الجاهلية، وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُتغَشٍّ بثوبه، فانتهرهما أَبُو بَكْر، وقال: مِزْمَارُ الشيطان عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! فَكَشَفَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ. وإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وهذا عيدُنَا»، وكانت أيام التشريق.
وتقول أُمّنا عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: وكان يومَ عيد، يلعب فيه السُّودَان بِالدَّرَق وَالْحِرَابِ في المسجد، فإما سألتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإما قال: «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟» فقلت: نعم؛ فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ. خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وهو يقول: «دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ»، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: «حَسْبُكِ؟» قلت: نعم. قال: «فاذهبي»، فَزَجَرَهُمْ عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «دَعْهُمْ، أَمْنًا بني أَرْفِدَةَ»؛ يعني من الأمن[1].
فأيام الأعياد الإسلامية أيام فرح وسرور، وبهجة وحبور، وهي أيام مُعظَّمة بذاتها، لا يجوز بحالٍ أن يُزاحمها في التعظيم غيرها.
وتعظيم الأيام والأماكن عبادة توقيفية، لا يجوز استحداث شيء منها، فلا عظيم إلا ما عظَّمه الله ورسوله، ولذلك ترى كيف أن كثرة المناسبات الأُمَمية المُعظَّمة عند أهلها تتسبَّب في إضعاف الولاء للأعياد الإسلامية، وتُذيب الفرح بها، وتُضعِف السعادة بها والشوق إليها.
لذا نرى في هذا الجيل زهدًا كبيرًا في العيدين، وتراجعًا واضحًا في حضورهما، والمشاركة فيهما، والفرح بهما، والشوق لهما، في ظل زحمة الأعياد والأيام المعظّمة عند أهلها.
وللنُّدرة لذتها ومُتعتها، فكلّ منّا يتذكّر في حياته موقفًا أو أكثر لحلاوة النُّدرة ولذة القلة، وكيف يصنع البَشَم بالوفرة والكثرة والتشبُّع!
[1] تُنظر الروايات في صحيح البخاري (944)، وصحيح مسلم (892).