• - الموافق2026/04/14م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
 طهران ثم أنقرة.. فيدان يلمح لمواجهة قريبة مع الدولة العبرية

يمكن اعتبار التصريحات الأخيرة التي أطلقها عراب الدبلوماسية التركية هاكان فيدان، حين اتهم رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني، بنيامين نتنياهو بالسعي إلى “تحويل تركيا إلى عدو جديد”

 

البيان/متابعات: يمكن اعتبار التصريحات الأخيرة التي أطلقها عراب الدبلوماسية التركية هاكان فيدان، حين اتهم رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني، بنيامين نتنياهو بالسعي إلى “تحويل تركيا إلى عدو جديد”، في سياق ربط تراكمي بالعديد من الاحتكاكات الأمنية والسياسية التي تجاوزت منذ سنوات مستوى الخلاف الدبلوماسي التقليدي بين الجانبين، لتقترب من نمط “العداء المنخفض الشدة”. ففيدان، القادم أصلاً من خلفية استخباراتية كرئيس سابق لجهاز الاستخبارات التركي، لا يطلق توصيفات من هذا النوع بوصفها انطباعات سياسية، بل كقراءة تستند إلى معطيات ميدانية، وهو ما يجعل تصريحه مؤشراً على إدراك تركي بأن السلوك الصهيوني لم يعد تكتيكياً، بل يتجه نحو إعادة تصنيف أنقرة كخصم أمني.

هذا الإدراك يجد ما يدعمه في سلسلة أحداث أمنية مباشرة، لعل أبرزها تفكيك تركيا أكثر من شبكة تجسس مرتبطة بـ الموساد خلال الأعوام الأخيرة. ففي نهاية عام 2021 أعلنت أنقرة اعتقال خلية مكونة من 15 شخصاً بتهمة “التجسس لصالح إسرائيل” وجمع معلومات عن طلاب عرب وأجانب، ثم عادت في 2023 و2024 لتعلن عن توقيف شبكات أخرى تعمل على الأراضي التركية، بعضها متهم بمراقبة شخصيات فلسطينية، وهو ما اعتبرته أنقرة انتهاكاً مباشراً لسيادتها. هذه العمليات لم تُقدَّم من الجانب التركي كحوادث معزولة، بل كدليل على نشاط استخباراتي صهيوني ممنهج داخل الأراضي التركية، وهو ما يفسر تصاعد الحساسية الأمنية التركية تجاه الدولة العبرية، ويعطي مصداقية لطرح فيدان بأن هناك سلوكاً يتجاوز الخلاف السياسي إلى مستوى الاختراق الأمني.

على المستوى السياسي، يتغذى هذا التوتر من الملف الفلسطيني، حيث وصلت العلاقة بين أنقرة وتل أبيب إلى ذروة التدهور عقب هجمات السابع من أكتوبر والحرب التي تلتها على غزة. فقد وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهجمات الصهيونية بأنها “إبادة جماعية”، وهو توصيف غير مسبوق من حيث حدّته، فيما ردّ نتنياهو باتهام أردوغان بـ“دعم الإرهاب”، قائلاً في أحد تصريحاته إن “تركيا، تحت قيادته، تؤوي عناصر إرهابية”، في إشارة إلى حركة حماس. هذا التبادل لم يبق في إطار الخطاب، بل تُرجم إلى إجراءات عملية، من بينها تحركات قضائية داخل تركيا لملاحقة مسؤولين صهاينة بتهم تتعلق بجرائم حرب، وهو ما دفع تل أبيب إلى اعتبار أنقرة طرفاً نشطاً في “الحرب القانونية” ضدها، وليس مجرد منتقد سياسي.

أما في الساحة السورية، فإن التوتر يأخذ طابعاً أكثر تعقيداً، إذ لا يوجد صدام مباشر، لكن هناك احتكاك استراتيجي غير معلن. فتركيا تملك وجوداً عسكرياً واسعاً في شمال سوريا، بينما تواصل الدولة العبرية تنفيذ ضربات جوية متكررة تستهدف ما تصفه بالجماعات المسلحة. هذا التداخل يخلق بيئة عملياتية حساسة، حيث تتحرك قوتان إقليميتان في مسرح واحد دون تنسيق مباشر، وهو ما يرفع احتمالات الاحتكاك غير المقصود. وقد عبّر مسؤولون صهاينة في أكثر من مناسبة عن قلقهم من “تعاظم الدور التركي في سوريا”، في حين ترى أنقرة أن الضربات الصهيونية المتكررة “تزيد من تعقيد المشهد وتفتح المجال أمام تصعيد أوسع”، ما يعكس تضارباً في الرؤى الأمنية حول مستقبل الساحة السورية.

وفي شرق المتوسط، يتخذ التوتر بعداً جيوسياسياً أكثر وضوحاً، حيث دخلت الدولة العبرية في شراكات استراتيجية مع اليونان وقبرص في مشاريع نقل الغاز إلى أوروبا، في إطار ما عُرف بمنتدى غاز شرق المتوسط، وهو ما اعتبرته تركيا محاولة لتطويقها واستبعادها من معادلة الطاقة ومزاحمتها في حدودها البحرية وأمنها القومي. في المقابل، تبنت أنقرة سياسة أكثر صدامية، سواء عبر اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية أو من خلال إرسال سفن تنقيب محمية عسكرياً، ما أدى إلى تصاعد التوتر مع التحالفات التي تشارك فيها إسرائيل. هذا التنافس لا يتعلق فقط بالموارد، بل بإعادة تشكيل موازين القوة في البحر المتوسط، حيث تسعى كل من أنقرة وتل أبيب إلى تثبيت موقعها كمركز إقليمي للطاقة والنفوذ.

إلى جانب هذه الملفات، لا يمكن إغفال البعد الداخلي في السلوك الصهيوني، حيث تواجه حكومة نتنياهو ضغوطاً غير مسبوقة سياسياً وشعبياً، ما يدفعها إلى توسيع دائرة التهديدات الخارجية كوسيلة لإعادة ضبط المشهد الداخلي. في هذا السياق، يصبح تصوير تركيا كخصم جزءاً من عملية “إعادة تعريف العدو”، وهي عملية تخدم أهدافاً متعددة، أولها توحيد الداخل الصهيوني،وتبرير السياسات العسكرية، وإعادة توجيه الانتباه بعيداً عن الأزمات الداخلية. إلا أن ما يميز الحالة التركية هو أن هذا “العدو الجديد” ليس فاعلاً ضعيفاً أو غير دولتي، بل دولة إقليمية كبرى وعضو في حلف شمال الأطلسي، ما يجعل هذا التصنيف محفوفاً بتداعيات استراتيجية أوسع.

 

أعلى