إلى أين يتجه الصراع التركي الصهيوني في سوريا، في ظل تنامي النفوذ التركي، وسعي الكيان لمنع بناء جيش سوري قوي، وما الدور الذي ستؤديه دمشق وواشنطن في رسم مآلات المواجهة بعد تراجع النفوذ الإيراني والتوازنات الإقليمية؟
يبدو أن الحديث عن إيران وتهديداتها، قد بدأ في التراجُع لدى المُتتبّع لوسائل
الإعلام الصهيونية، وفي تصريحات الساسة داخل دولة الكيان، أو حتى ما يدور من جدال
النُّخبة هناك ومناقشاتهم على البودكاست ووسائل التواصل.
حيث ترى شريحةٌ كبيرةٌ من النخبة السياسية والعسكرية في الدولة الصهيونية، أنّ
تركيا هي إيران الجديدة؛ وأنها ليست منافِسًا إقليميًّا فحسب، بل دولة قد تُشكِّل
تهديدًا أمنيًّا.
ولم يقتصر الأمر على مجرد الأحاديث والتعليقات؛ ففي حين توقّف الكيان الصهيوني عن
قصف إيران، قام بقصف قاعدة أبو الظهور السورية العسكرية في شمال سوريا، والتي تبعد
عن الحدود التركية ما يقرب من ٦٠ كيلو مترًا؛ ليُجدّد المناقشات في الدوائر
الصهيونية عن سوريا الجديدة بعد انتصار الثورة ووصول «الشرع» إلى حكم سوريا،
والنفوذ التركي الآخِذ في التصاعد فيها، خاصةً العسكري والاستخباراتي منه،
وتهديداته بالنسبة لأمن الدولة الصهيونية؛ كما يُردّد الساسة والمُحلّلون في
الكيان.
وفي ٣٠ أغسطس، وقع احتكاك مباشر محدود -كما أفادت هيئة البثّ الصهيونية- بين سفن
حربية تركية وقِطَع تابعة للبحرية الصهيونية في مياه البحر الأبيض المتوسط. وأشار
مراسل الشؤون العسكرية «روي شارون» إلى أن السفن الحربية التركية اقتربت في مناسبات
عدة من السفن الإسرائيلية، وقامت بإرسال إشارات وتحديد مسارات بحرية لها في استعراض
واضح للقوة.
وفي هذا المقال سنحاول تحليل الصراع التركي الصهيوني الذي يجري بصفة أساسية على
الأراضي السورية، ومحاولة فهم أبعاده وأسبابه ومآلاته.
لماذا تركيا وسوريا؟
هناك مقاربتان لبناء إطار نظري متماسك يُفسِّر أبعاد الصدام التركي الصهيوني في
سوريا:
المقاربة الأولى: ما يُعرَف في عِلْم السياسة بالواقعية الهيكلية، وهي نظرية يجري
استخدامها لفهم تأثير شكل النظام الإقليمي على سلوك الدول.
وتحاول تلك النظرية فَهْم ما يدور في الصراعات الإقليمية من خلال تتبُّع مسارين:
١- المسار الأول: ملء الفراغ
فعند النظر في منطقة الشرق الأوسط، نجد أن هناك فراغًا جيوسياسيًّا في القوة بعد
انهيار نظام الأسد وانحسار الوجود الإيراني (وربما الروسي).
فالتدخل التركي هنا يُقرَأ وَفْق هذه النظرية، خاصةً من جانب الصهاينة على أنه
مُحاولة لملء هذا الفراغ الإقليمي لمنع تشكُّل بيئة معادية، ولوجود مشروع تركي
لإحياء ما بات يُعرَف في الأدبيات السياسية الصهيونية بـ«العثمانية الجديدة».
ففي دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الصهيوني بعنوان (مِن التهديد الإيراني إلى
العثمانية الجيوسياسية)، نُشِرت في يناير 2026، رأى تحليل المعهد، أن انسحاب النفوذ
الإيراني لم يُنتِج بيئة آمِنة للكيان، بل أوجَد فراغًا سارعت تركيا لملئه وَفْق
إستراتيجية إعادة رسم خطوط نفوذها التاريخية.
وتُصنّف
هذه الدراسة الوجود التركي كمشروع هيمنة سُنّية، يهدف إلى ربط الشمال والوسط السوري
بالعمق الأناضولي، مما يُحوّل سوريا إلى حديقة خلفية لتركيا، ويفرض واقعًا
جيو-عسكريًّا جديدًا على الحدود الشمالية للكيان الغاصب.
بينما تذكر دراسة بعنوان (حرية العمل الجوي) الصادرة في شهر مارس الماضي عن مركز
بيغن-سادات الصهيوني، أن الإصرار التركي على إعادة تأهيل القواعد الجوية ونشر شبكات
الدفاع الجوي، هي خطوة لإنهاء عصر الاستباحة الجوية الصهيونية لسوريا، وتثبيت
معادلة ردع جديدة تحمي المشروع التركي لبناء القوة السورية.
وعن ما أطلقوا عليها معضلة الاحتواء والردع المزدوج؛ يبرز معهد ميتفيم الصهيوني
التعقيد الإستراتيجي الذي تَفرضه تركيا؛ فبخلاف التعامل مع الميليشيات الإيرانية،
لا تستطيع دولة الكيان شنّ حرب مفتوحة ضد الوجود التركي دون إغضاب واشنطن وإفساد
التوازنات بشرق المتوسط.
كل هذه التقارير تبيّن الدوافع الصهيونية وسعيها إلى منع ما أطلقوا عليه «الهيمنة
الإقليمية الأحادية من جانب تركيا»، والتي باتت في الفترة الأخيرة، وبعد طوفان
الأقصى وتبعاته، المناوئ الأكبر لـ«بنيامين نتنياهو» رئيس وزراء الكيان ومشاريع
اليمين الديني الصهيوني في المنطقة.
٢- المسار الثاني: المعضلة الأمنية
والتي تنطلق من غياب سلطة عليا قادرة على ضمان أمن الدول، ومن عدم اليقين بشأن
نوايا الأطراف؛ فزيادة القدرات العسكرية التي يراها طرف ضرورية لأمنه؛ قد يُفسّرها
الطرف الآخر باعتبارها استعدادًا لعمل هجومي مستقبلي.
فشكل النظام الإقليمي الذي يفتقر للضمانات الأمنية المتبادَلة، هو الذي يُحوّل
التصرُّفات الدفاعية لطرفٍ إلى دواعي خوف من الطرف الآخر، مما يُوجد المعضلة
الأمنية تلقائيًّا، وبصرف النظر عن حُسْن أو سوء النوايا.
فعندما تقوم تركيا بإجراءاتٍ تراها هي دفاعية ومشروعة؛ كتأهيل قواعد جوية وتدريب
جيش سوري لحماية حدودها الجنوبية، هنا لا تستطيع حكومة نتنياهو -بسبب طبيعة النظام
الإقليمي القائم على الشك- التأكّد من النوايا المستقبلية للأتراك. ومِن ثَم قد
تُفسِّر دولة الكيان هذه القدرات الدفاعية باعتبارها تهديدًا هجوميًّا محتملًا، بما
يَدفعها إلى تطوير قدرات مضادَّة واستخدام الضربات الوقائية أو الاستباقية كإحدى
أدوات إدارة التهديد.
المقاربة الثانية: صناعة القرار والحسابات الداخلية
في إطار محاولة فَهْم الصراع التركي الصهيوني على الأرض السورية، تنقل هذه المقاربة
التحليل من خريطة التنافس الإقليمية إلى عدسة الداخل وحسابات النُّخْبة؛ فهي تفترض
أن ميزان القوى الإقليمي يفرض الظروف، لكنّ القادة والسياسيين هم مَن يقررون كيفية
التصرُّف بناءً على دوافعهم وأولوياتهم الداخلية.
وهذه المُقارَبة تعتمد على بُعْدين:
1-البُعْد الأول: إدراك النُّخبة للتهديد (كيف يُفسّر القادة ما يحدث؟)
فالدولة الصهيونية تتصرَّف ليس ككيان ميكانيكي، بل تُصاغ قراراتها عبر عقيدة
النُّخبة السياسية والأمنية. لذلك ترى القيادة الصهيونية أن خطر التمدُّد التركي
يختلف عن الخطر الإيراني السابق؛ فتركيا دولة إقليمية كبرى، عضو في حلف الناتو،
وتمتلك جيشًا نظاميًّا وتكنولوجيا متقدمة. لذا يُصنّف التدخل التركي في الدوائر
الصهيونية كتهديد أيديولوجي وإستراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد مناوشات مع ميليشيات
غير نظامية.
لذلك لا تختلف كثيرًا تصريحات قادة الكيان في الأسابيع الأولى لتحرير سوريا عن
تصريحاتهم بعد ضربة مطار أبو الظهور؛ فتنقل صحيفة جيروزاليم بوست عن وزير الدفاع
الصهيوني يسرائيل كاتس بتاريخ ٨ ديسمبر ٢٠٢٤، أي: بعد أسبوع واحد من وصول «الشرع»
إلى دمشق قوله بالحرف: «لن نسمح بنشوء تموضع عسكري جديد على حدودنا الشمالية
يُهدِّد أمن «إسرائيل» أو يمسّ بحُرّية حركة سلاح الجو «الإسرائيلي». إنّ أيّ
مَساعٍ لإعادة بناء بنية تحتية عسكرية إستراتيجية في سوريا تحت مظلة إقليمية جديدة
ستُواجَه بحزم لمنع تغيير ميزان القوى».
وبعد ضربة مطار أبو الظهور في شهر أغسطس تبارَى كلٌّ من كاتس ونتنياهو في تصريحاتهم
التي تؤكد على نواياهم الحقيقية؛ ففي مقابلة مع القناة الإسرائيلية التاسعة في ٣٠
أغسطس الماضي، قال نتنياهو: «تركيا موجودة في شمال سوريا، وإنه لا يريد أن يراها
تتقدم جنوبًا».
وبحسب نتنياهو، فإن حكومته أبلغت الإدارة السورية: «لا تسمحوا للأتراك بالتقدُّم
جنوبًا... وأبلغت تركيا أيضًا عبر قنوات أمريكية أن هناك وضعًا قائمًا داخل سوريا
لا يجوز تغييره... ثم تابع يقول: إن الرسالة لم تُفهم...». فماذا فعلت «إسرائيل»؟
بحسب تعبيره، اضطرت إلى توضيحها بوسائل حركية... أي بالقوة العسكرية.
ثم قال نتنياهو: «الواقع يتغير بسرعة... قوة تتراجع، وقوة أخرى تصعد».
وقبله صرح وزير الدفاع كاتس: أن جيش الدفاع أوصى عدة مرات بمهاجمة مطار أبو الظهور
العسكري في إدلب، بعد ما وصفه بمعلومات استخبارية واضحة تشير إلى نية أنقرة تنفيذ
نشاط يُهدّد الأمن القومي «الإسرائيلي».
وفي تصريح آخر، قال: «لن تسمح «إسرائيل» لأيّ جهة بتهديد أمنها».
وأضاف أيضًا: «من الأفضل لأردوغان أن يواصل إطلاق الخطب الفارغة والواهية ضد
«إسرائيل» في البرلمان التركي، بدلًا من اختبار عزم «إسرائيل» على الدفاع عن
نفسها».
وفي
تركيا: تُصاغ الحركة التركية بناءً على رؤية القيادة السياسية لتأمين المدى الحيوي.
فدعم الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، وتأهيل الجيش السوري، يُقرَأ في الداخل
التركي كضرورة قصوى لحماية الحدود الجنوبية، وإنهاء ملف اللاجئين، وفرض نفوذ إقليمي
يُعزّز الموقف السياسي للحكومة أمام الشارع التركي.
ففي 22 ديسمبر 2024، وبعد الضربات الصهيونية للمواقع العسكرية السورية عقب التحرير،
صرح هاكان فيدان وزير الخارجية التركي لوكالة الأناضول الرسمية
بأن «العدوان الصهيوني المتكرر واستهداف البنى التحتية في سوريا يهدفان بشكل واضح
إلى إدامة الفوضى وتقويض مساعي الشعب السوري في بناء دولته ومؤسساته العسكرية
الوطنية، وتركيا متمسكة بدعم السيادة السورية وتثبيت استقرار مؤسساتها الأمنية ضد
أيّ اعتداء خارجي».
وبعد ضربة مطار أبو الظهور، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع التركية زكي أق تورك:
«إن بلاده ستُواصل بحزم جهودها وإسهاماتها للحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها،
ومساعدتها على الوصول إلى هيكل مستقر، وأكّد أنه لم يكن هناك أيّ وَفْد عسكري تركي
في قاعدة أبو الظهور قبل الغارة أو خلالها، وأن تركيا ستواصل دعم جهود سوريا لتطوير
قدراتها العسكرية وبنيتها التحتية».
2-
أما البُعْد الثاني لهذه المقاربة فيتعلّق بالقيود والحسابات المحلية (ما الذي
يُوجّه وسيلة التحرّك؟)
وهنا
تحكم قيادات الكيان الصهيوني خشية داخلية عارمة من صحوة الجيش السوري بأسلحة وتنظيم
جديدين على حدود الكيان، مما يمنح شرعية داخلية واسعة للضربات الاستباقية. لكن في
المقابل، تُدرك النُّخبة الصهيونية داخل فلسطين المحتلة حدود قوّتها، فتتجنّب
الصدام المباشر مع تركيا، وتعتمد إستراتيجية الإنكار المزدوج، عبر ضرب الأصول
العسكرية داخل سوريا (مثل مطار أبو الظهور) دون تَبَنٍّ عَلنيّ واضح يفرض مواجهة
مفتوحة.
أما في
سوريا
الجديدة التي تقودها حكومة «الشرع»؛ فتخضع النخبة الحاكمة الجديدة لمعادلة توازن
دقيقة؛ فهي تحتاج للغطاء والخبرة التركية لبناء مؤسسات الدولة وإثبات قدرتها على
إدارة البلاد، لكنّها في الوقت نفسه تحاول تجنُّب الانجرار لصدام عسكري مبكّر مع
الكيان يُدمِّر ما تم بناؤه.
ولكن
كيف نستطيع توقع مآلات الصراع على سوريا؟
مستقبل الصراع
هل سترتدع تركيا بالقصف الصهيوني، وتتوقّف عن خططها لدعم الجيش السوري وإعادة
بنائه؟ أم ستُصِرّ على إعادة البناء، كما يبدو من تصريحات المسؤولين الأتراك؟
وإذا كان القرار التركي هو الاستمرار في إعادة بناء المنظومة العسكرية السورية، فما
هي خياراتها وخططها في هذا المضمار، مع وضوح الإصرار الصهيوني على منع هذا البناء؟
هل يمكن أن تتغيَّر الإستراتيجية الصهيونية، والقائمة على الضربات الاستباقية لبقاء
سوريا بعيدة عن بناء جيش قوي ومُجهَّز، وذلك في حال تغيَّرت الإدارة اليمينية
المتحالفة مع المتطرفين الصهاينة الدينيين في الانتخابات القادمة؟
ولكي يكون مسار توقعاتنا سليمًا، دعنا نبدأ الإجابة بتحليل واستنباط أهم المُحدّدات
التي يتوقّف عليها اتجاه الصراع الحالي بين تركيا والكيان الصهيوني على الأرض
السورية.
إذا تأملنا في العوامل التي يمكن أن تؤثر على مسار هذا الصراع؛ سنجد أنها لن تخرج
عن أربعة مُحدّدات، تنبع من أطراف الصراع الرئيسية الأربعة؛ وهم: تركيا وإسرائيل
وأمريكا وسوريا.. وتحت كل طرف هناك عدة متغيرات قد تُؤثّر في سلوكه تجاه الأطراف
الأخرى.
وفي الوقت نفسه، لا يتم النظر إلى الأطراف الأربعة باعتبارهم متساوين في طبيعة
أدوارهم، بل نُحدّد لكل طرف السؤال الإستراتيجي الذي يحكم سلوكه، ثم نستوعب تحته
بقية المتغيرات.
المحدد الأول: الدور السوري في تحديد مستقبل الصراع التركي-الإسرائيلي على الأراضي
السورية
عند تقييمنا للنظام السوري في تأثيره على الصراع الإقليمي والدولي على أراضيه،
ينبغي أخذ اعتبارين؛
الاعتبار الأول:
أن الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع لا تريد أن تكون مجرد ساحة
للصراع بين تركيا ودولة الكيان، بل تشير ممارساتها حتى الآن إلى سعيها إلى امتلاك
هامش أكبر من الاستقلال في القرار العسكري والأمني.
الاعتبار الثاني:
منذ وصول القيادة الجديدة إلى الحكم، بدا سلوكها عمليًّا ومرنًا في التعامل مع هذه
القيود، مع احتفاظها بأيديولوجيتها الإسلامية، والتي تؤثر في طريقة تقديرها
للخيارات. ويمكن فَهْم ذلك من خلال حرصها على اتباع قواعد السياسة الشرعية سواء في
تقدير المآلات، وموازنة المفاسد، وفقه التمكين والاستضعاف وتدرّج مراحل التمكين؛ أي
أن تحقيق الأهداف لا يُنظَر إليه بالضرورة باعتباره مواجهة مباشرة وفورية، وإنما
باعتباره مسارًا تراكميًّا تتقدَّم فيه القيادة وَفْق ما تسمح به درجة قدرتها
وموازين القوى.
لذلك تحرّك النظام السوري بإستراتيجية عنوانها السيطرة على القرار والسيادة
تدريجيًّا على المستويين الداخلي والخارجي.
تلك الإستراتيجية تتكون من شقين؛ الشق الأول: يتناول السيطرة على المكوّنات
المحلية، والتي تستقوي بالدول الثلاث المؤثرة في المشهد (تركيا وأمريكا والكيان في
المقام الأول، وروسيا وإيران بعدهما)، فحَسم النظام السوري الجديد أمره مع العلويين
والشيعة المدعومين من روسيا وإيران، كما أبرَم اتفاقًا لدَمْج «قسد» المدعومة
أمريكيًّا ومن الدولة الصهيونية، والتي أعلنت عن حلّ نفسها. وفي نفس الوقت سيطر على
المجموعات المسلحة في شمال سوريا بإزاحة القيادات غير الخاضعة له واستبدالها بأخرى
مُوالية، كما عمل على شقّ صفّ الجيب الدرزي الصغير في السويداء المدعوم من الكيان
الصهيوني.
أما الشق الثاني من إستراتيجية الحكم السوري، فتتلخص في إدارة العلاقات مع القوى
الخارجية، خاصةً المؤثرة في مشهد الصراع؛ بحيث لا تتحوّل أيّ منها إلى وَصِيّ على
القرار السوري.
فسعى إلى تعزيز علاقاته بتركيا وأخذ الدعم العسكري والاستخباراتي منها.
ثم تحرَّك ناحية أمريكا لكي يستفيد منها في إنهاء دَعْمها للتمرُّد في صفوف
الأكراد، وفي نفس الوقت رفع العقوبات، ومِن ثَمَّ فتح طريق التنمية، أو الضغط على
الكيان الصهيوني للانسحاب من أراضيه.
ولم يتوانَ عن الجلوس مع الكيان الصهيوني مباشرةً، وكاد أن يُبرم اتفاقًا معه لولا
تراجُع الكيان الصهيوني في اللحظة الأخيرة، ولا يزال يحاول تقديم ضمانات أمنية
لدولة الكيان لتحقيق انسحابها من المناطق التي احتلتها مؤخرًا، ووقف الغارات
والاجتياحات، ورفع الحماية عن دروز السويداء.
فكلما زادت قدرات ونجاحات نظام الحكم السوري الجديد في هذه الاتجاهات؛ تراجَع
الصراع الإقليمي بين القوى المختلفة على أرض سوريا.
فإذا نجح الحكم السوري في السيطرة داخليًّا، وتنويع علاقاته الخارجية، والحصول على
الدعم التركي دون الارتهان له، والاستفادة من الولايات المتحدة دون الخضوع لها،
والتوصل إلى ترتيبات مؤقتة مع الكيان الصهيوني دون التخلّي عن حقوقه؛ فإنه سيتحوَّل
تدريجيًّا إلى فاعل مستقلّ يستطيع التأثير في قواعد الصراع على أرضه.
ولكن يجب ألَّا ننسى أن قيادات سوريا لا تَعتبر تركيا طرفًا مثل الكيان أو غيره، بل
تَعتبر نفسها شريكًا لتركيا في مشروع سُنّي يرغب في الصعود وملْء الفراغ في منطقة
يتصارع فيها مشروعان: صهيوني وإيراني.
المحدد الثاني: الدور الأمريكي في إعادة تشكيل التوازن الإقليمي وإدارة أطراف
الصراع
لا يتحدّد الدور الأمريكي في سوريا من خلال موقف الولايات المتحدة من الصراع
التركي-الصهيوني وحده، وإنما من خلال مشروعها الأوسع لإعادة ترتيب المنطقة سعيًا
إلى تحجيم النفوذ الإيراني، وذلك بعد المأزق الذي وجد ترمب نفسه فيه؛ بعدم قدرته
على حسم الحرب. فسوريا في هذا التصور الأمريكي ليست مجرد دولة خرجت من الهيمنة
الإيرانية، وإنما يمكن أن تصبح مركزًا لإعادة بناء توازن إقليمي جديد بالتعاون مع
تركيا، وبما يسمح بإضعاف الشبكة الإيرانية في العراق ولبنان وإعادة تعزيز دور الدول
والقوى العربية السُّنية.
ومن هنا يمتد الدور الأمريكي إلى تركيا والكيان الصهيوني معًا.
ففي الحالة التركية، تستطيع أمريكا استخدام أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية، مثل
قضية طائرات
F35،
لدفع تركيا إلى أداء أدوار تتوافق مع التصور الأمريكي للمنطقة، ولا سيما في الملف
الكردي المُوجَّه إلى تحجيم إيران، وإعادة تشكيل سوريا.
وفي حالة تعاملها مع الكيان الصهيوني؛ تستطيع أمريكا استخدام وزنها السياسي
والعسكري للضغط على حكومة دولة الكيان عندما ترى أن سياساتها، سواء في سوريا أو في
ملفات إقليمية أخرى، أصبحت تعوق المشروع الأمريكي الأوسع.
وهنا تظهر أهمية التباين المتصاعد بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، خاصةً إذا أصبحت
ضربات الجيش الصهيوني المتكررة ومنع إعادة بناء الجيش السوري، يُهدّدان حاجة
الولايات المتحدة إلى سوريا مستقرة وقادرة وإلى تركيا شريكة في إعادة ترتيب
المنطقة، فقد تتحوَّل دولة الاحتلال من جزء من أدوات المشروع الأمريكي إلى أحد
مُعوّقاته. وعندها يمكن أن تَستخدم الولايات المتحدة نفوذها لدفع إسرائيل إلى تغيير
سياستها، وربما إلى تغيير قيادتها إذا أصبح ذلك ضروريًّا.
وبالتالي، فإن السؤال المركزي للمُحدّد الأمريكي يصبح: هل ستواصل إدارة ترامب الصمت
تجاه حرية الكيان الصهيوني في العمل داخل سوريا، أم ستُعيد ترتيب أولوياتها بحيث
تصبح تركيا وسوريا القويتان والمستقلتان نسبيًّا أدواتٍ أكثر أهمية في مشروعها
لتحجيم إيران وإعادة تشكيل المنطقة؟
فالصراع التركي-الصهيوني في سوريا قد لا يُحسَم أساسًا بقرار تركي أو صهيوني، بل
بمدى استعداد أمريكا لتغيير قواعد اللعبة بينهما.
المحدد الثالث: الدور الصهيوني في تحديد مستقبل الصراع التركي الصهيوني على الأراضي
السورية
يتوقّف مستقبل الصراع إلى حد كبير على المسار الذي ستختاره الدولة الصهيونية تجاه
سوريا الجديدة والدور التركي فيها، ويمكن تصوُّر ثلاثة مسارات رئيسية:
الأول:
استمرار الوضع القائم من خلال الإبقاء على المناطق التي احتلتها دولة الاحتلال بعد
8 ديسمبر 2024، مع استمرار التوغلات الدورية والضربات الجوية ضد أهداف عسكرية
سورية، يرى الكيان أنها تُمثّل تهديدًا محتملًا، أو يُشتبه في ارتباطها بخبراء
أتراك أو جماعات تصفها بالإرهابية.
الثاني:
الانتقال إلى التصعيد عبر توسيع نطاق الضربات، وربما تنفيذ عمليات برية أو توسيع
المنطقة التي تسيطر عليها، إذا رأت الدولة الصهيونية أن التطورات السورية أو الدور
التركي تجاوَزا خطوطها الحمراء.
الثالث: الانتقال إلى التسوية والانسحاب؛ من خلال العودة إلى خطوط اتفاق فضّ
الاشتباك لعام 1974، وإبرام اتفاق أمني مع دمشق يضمن للكيان ترتيبات أمنية مقبولة.
ولا يتوقف اختيار الكيان بين هذه المسارات على التطورات الميدانية وحدها، وإنما
تحكمه ثلاثة عوامل رئيسية مترابطة:
أولًا:
نتائج الانتخابات وتغيُّر القيادة السياسية. فاستمرار نتنياهو والائتلاف اليميني
الحالي يُرجّح استمرار النَّهج المتشدّد، بينما قد يفتح رحيله ووصول قيادة أقل
تطرفًا المجال أمام خيارات أكثر براغماتية.
ثانيًا:
طبيعة التيار السياسي الحاكم؛ فهناك اختلاف مُحتمَل بين اليمين الصهيوني الديني
والقومي، الذي يُضْفِي على الصراع أبعادًا أيديولوجية وأمنية أكثر تشدُّدًا، وبين
اليمين العلماني واليسار في نظرتهما إلى سوريا وتركيا وإلى جدوى التسوية.
ثالثًا:
مدى استجابة الحكومة الصهيونية للضغط الأمريكي؛ فكلما رأت واشنطن أن السياسة
الصهيونية تعوق مشروعها الإقليمي، ازدادت أهمية قدرتها على دَفْع الكيان نحو
الانسحاب والتسوية؛ بينما يتيح الدعم الأمريكي المستمر للدولة الصهيونية مساحة أكبر
للاستمرار في الضربات والتوغلات.
لكن هذه العوامل الثلاثة تعمل فوق قاعدة أمنية أكثر ثباتًا: الخوف الصهيوني من
تكرار تجربة 7 أكتوبر، وما أفرزته من ميل إلى منع تشكُّل التهديد بدلًا من انتظار
ظهوره. ولذلك فإن تغيُّر نتنياهو أو الحكومة لا يعني بالضرورة تغيُّر السياسة، ما
لم يتغيَّر أيضًا التقدير الصهيوني لطبيعة التهديد الذي تمثله سوريا الجديدة
وتركيا.
وهنا يصبح المُحدّد الصهيوني مرتبطًا مباشرةً بمسار الصراع؛ فإذا غلب منطق المنع
الاستباقي استمر الصراع أو تصاعَد، وإذا غلب منطق الاحتواء أمكن الوصول إلى تسوية،
بينما يُمثّل مستوى تحمُّل القيادة الصهيونية -سواء كانت نتنياهو أو أيّ قيادة
أخرى- للضغط الأمريكي مُتغيّرًا حاسمًا في الانتقال من أحد المسارين إلى الآخر.
المحدد الرابع: الدور التركي في تحديد مستقبل الصراع التركي-الصهيوني على الأراضي
السورية
يتوقّف تأثير تركيا في مستقبل الصراع بدرجة كبيرة على طبيعة العقل الإستراتيجي
التركي، الذي استطاع خلال العقود الأخيرة نقل تركيا من موقع الدولة المرتبطة بصورة
وثيقة بالمنظومة الغربية، إلى قوة إقليمية ذات طموح يتجاوز محيطها المباشر.
ويتميز هذا العقل بقدرته على قراءة موازين القوى، وإدراك حدود القوة التركية،
واختيار توقيتات التصعيد والتراجع، والجمع بين الضغط والتفاوض، مع السعي المستمر
إلى توسيع تلك الحدود، ولا سيما من خلال تطوير التصنيع العسكري بما يُعزّز استقلال
القرار التركي.
ولا يعمل هذا العقل بمعزل عن الدافع الأيديولوجي والهوياتي؛ فالعلاقة مع سوريا
الجديدة لا تقوم على المصالح الأمنية والجيوسياسية وَحْدها، وإنما تتداخل معها رؤية
ذات مُكوّن إسلامي ترى في التحوُّل السوري فرصة لصعود دور إقليمي تركي-سوري، في
بيئة تشهد تراجُع النفوذ الإيراني وصعود المشروع الصهيوني. ويكتسب هذا البُعْد
أهميةً أكبر في ظلّ توصيف الكيان الصهيوني للدور التركي في سوريا باعتباره امتدادًا
لمشروع سُنّي، بما يكشف أن أنقرة لا تُقرَأ داخل الكيان باعتبارها منافسًا
جيوسياسيًّا فقط.
ومِن ثَمَّ، فإن دعم تركيا لإعادة بناء الجيش السوري يُنظَر إليه باعتباره جزءًا من
تصوُّر أوسع لسوريا قوية ومستقرة وقادرة على امتلاك قرارها العسكري.
غير أن نجاح هذا المشروع قد يصطدم بالإستراتيجية الصهيونية التي تسعى إلى منع
استعادة سوريا لقدرات عسكرية نوعية.
وعليه، فإن العامل الحاسم سيكون كيفية توظيف العقل الإستراتيجي التركي لهذا الدعم
في مواجهة الضغوط الصهيونية، ومحاولة توظيف الضغوط الأمريكية بحيث تَصُبّ في مصلحة
المشروع التركي-السوري، بدلًا من أن تُستخدَم لتقييده لصالح الموقف الصهيوني.
وهنا يبرز السؤال: هل تكتفي تركيا بحماية مصالحها عبر التفاوض والردع غير المباشر،
أم تنتقل تدريجيًّا إلى توفير مظلة عسكرية فعلية للمشروع السوري؟
ومن هنا، فإن مستقبل الصراع سيتأثر بمدى قدرة تركيا على توسيع نفوذها في سوريا دون
تجاوز حدود القوة التي تجعل المواجهة المباشرة مع الكيان حتمية، وفي الوقت نفسه منع
الصهاينة من فرض سقف دائم على الدولة والجيش السوريين.
وقد لا يكون النجاح التركي في الدخول في مواجهة مباشرة مع الكيان، وإنما في إجباره
على قبول حدود جديدة للحركة التركية والسورية داخل سوريا.
فالإنجاز التركي سيكون قابلًا للقياس، ليس بالحرب، وإنما بقدرته على تغيير قواعد
اللعبة التي يحاول الكيان فرضها.
المحصلة
يبدو الصراع التركي-الصهيوني في سوريا مُرشَّحًا للاستمرار مع تقلُّبات في حدّته،
يتوقّف مسارها على مدى نجاح الإدارة السورية في بناء استقلالها، واستعداد أمريكا
لإعادة تعريف دَوْر حلفائها، وقدرة تركيا على الموازنة بين الدعم السوري وتجنُّب
المُواجَهة المباشرة. أما الكيان الصهيوني، فسيظلّ أسير مُعضلته الأمنية التي تدفعه
إلى الاستباق؛ ما لم تَفرض عليه متغيرات أمريكية أو سورية جديدة قواعد اللعبة.