هل أصبح الذكاء الاصطناعي أداةً توسّع أفق الكاتب وتعينه على بناء تجربته الإبداعية، أم يتحول إلى بديلٍ عنه يهدد أصالة الأدب، ويطمس صوت المبدع، ويفتح الباب أمام السرقة والانتحال وانتهاك الأمانة؟
إنّ حركة الإنسان في الزمان والمكان تُفضي إلى تغيُّر في الحالة على مستوى الفكر
والسلوك، وليس شرطًا أن يكون هذا التغيُّر مرادفًا للتطور والنمو والعروج نحو
الأفضل المثالي؛ فقد يكون التغيُّر مرادفًا لحالة سلبية ولأزمة.
ونحن في هذا الزمن صرنا أمام وضع بالغ الدقة؛ من حيث تطوُّر وسائل الاتصال، وسهولة
الوصول إلى المعرفة؛ تلك المعرفة التي كانت في الماضي تعني عمرًا يقضيه الإنسان
سفرًا على أقدامه أو من خلال وسائل نقل كانت تستغرق حتى تصل به إلى غايته زمنًا
طويلًا؛ كالحصان والناقة والحمير وغيرها، ثم صارت في القرون الماضية حتى القرن
العشرين سفينةً وقطارًا وسيارةً ثم طائرة. ونحن الآن أمام معرفة تصلنا بضغطة زِرّ،
ولا يستغرق الحصول عليها وتجميعها ووضعها في فضاء نصّي يحتويها أكثر من ثوانٍ عدة؛
إنها غواية أو فتنة التكنولوجيا التي وصلت إلى الذروة ممثلةً في ذلك الكائن
الافتراضي المخيف المسمَّى بـ«الذكاء
الاصطناعي».
هنا علينا أن نسأل سؤالًا نستلهمه من مقولة الكاتب الفرنسي
«دي
بوفون»
الأثيرة: هل الأسلوب ونقصد بالأسلوب هاهنا المكتوب -والمُؤلَّف بفتح الفاء- عمومًا،
والأدب على وجه الخصوص هو الرجل؟ أي مرادفًا لصاحبه حاملًا سماته وقناعاته على
المستوى الذهني والوجداني؟ أم أن لهذا الكائن الافتراضي (الذكاء الاصطناعي) رأيًا
آخر؟
وفي التفاصيل الآتية محاولة لتلخيص المسألة في هذه البنية اللغوية: هل الذكاء
الاصطناعي مساعد مُعين قد حلّ محل المكتبة بوجهها التقليدي المتعارَف عليه منذ مئات
السنين؟ أم أنه صار بديلًا للإنسان الكاتب المبدع نفسه يتولّى مهمة التسطير بالقلم
نيابةً عنه، وتصير مهمة هذا الإنسان فقط أن يضع اسمه على المكتوب في انتهاك واضح
لقِيَم الأمانة والتقوى والصدق؟
إن الحديث عن الذكاء الاصطناعي لم يَعُد مقتصرًا على المختبرات العلمية أو شركات
التكنولوجيا، بل أصبح جزءًا من النقاشات الثقافية والفكرية التي تتناول مستقبل
الإنسان ذاته. وبينما انشغلت مجالات الاقتصاد والطب والتعليم باستكشاف إمكانات هذه
التقنية، وجد الأدب نفسه أمام سؤال غير مسبوق: ماذا يحدث عندما تصبح الآلة قادرة
على إنتاج نصوص تبدو في ظاهرها شبيهة بما يكتبه البشر؟
هذا السؤال لا يتعلق بالكتابة وحدها، بل يمتدّ إلى جوهر الإبداع ومعنى الأدب؛ فمنذ
نشأة الفنون، ارتبط العمل الأدبي بتجربة إنسانية تتشكّل من الذاكرة والعاطفة
والخيال والوعي بالوجود. لذلك فإن ظهور أنظمة قادرة على تأليف القصص وكتابة القصائد
وصياغة المقالات؛ يفرض إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان واللغة، وبين الكاتب
والأداة التي يستخدمها[1].
التاريخ الثقافي يُعلّمنا أن الأدب لم يكن يومًا معزولًا عن التطور التقني؛
فالطباعة أحدثت ثورة في انتشار المعرفة، ثم جاءت الصحافة لتُغيّر أساليب الكتابة[2]،
وبعدها فرضت شبكة الإنترنت واقعًا جديدًا جعل النشر أكثر سرعةً واتساعًا. ومع كل
تحوُّل ظهرت مخاوف من تراجع قيمة الأدب أو فقدان هويته، لكنّ الأدب ظل قادرًا على
إعادة اكتشاف نفسه. واليوم يبدو الذكاء الاصطناعي حلقة جديدة في هذه السلسلة
الطويلة من التحولات.
ما يُميّز الذكاء الاصطناعي عن التقنيات السابقة؛ أنه لا يكتفي بتسهيل وصول النص
إلى القارئ، بل يشارك في إنتاج النص ذاته. فهو يستطيع تحليل ملايين الصفحات،
واكتشاف الأنماط اللغوية، ثم بناء نص جديد يستند إلى ما تعلمه من تلك البيانات.
وللوهلة الأولى يبدو الأمر كما لو أن الآلة أصبحت كاتبًا جديدًا ينافس الإنسان، غير
أن التأمل العميق يكشف أن القضية أكثر تعقيدًا.
فاللغة ليست مجرد كلمات مُرتَّبة وفق قواعد نحوية، وإنما هي تعبير عن تجربة وجودية.
عندما يكتب روائي عن الفقد، أو يصوغ شاعر قصيدة عن الحنين، فإنه لا يُعيد ترتيب
مفردات اللغة فحسب، بل يمنحها جزءًا من ذاكرته ومشاعره ورؤيته للعالم. أما الذكاء
الاصطناعي، مهما بلغت قدرته على المحاكاة، فإنه لا يعيش التجربة ولا يشعر بها،
وإنما يُحلّل الأنماط ويُعيد تركيبها بصورة متماسكة.
هذا الفارق بين التجربة والمحاكاة يُمثّل جوهر التمييز بين الإنسان والآلة في
المجال الأدبي. فالذكاء الاصطناعي قادر على تقليد الأساليب، لكنّه لا يختبر الزمن
ولا الألم ولا الفرح كما يفعل الإنسان. لذلك فإن النص الذي ينتجه قد يكون سليمًا من
الناحية اللغوية، لكنّه يظل في حاجة إلى تلك الاستثارة الإنسانية التي تمنح الأدب
قيمته الجمالية والوجدانية.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه خصمًا للأدب. فالكاتب
المعاصر يستطيع أن يُوظّف هذه التقنية في البحث وجمع المعلومات، أو في تنظيم
الأفكار، أو في تجربة احتمالات متعددة لبناء الشخصيات والأحداث، دون أن يتخلّى عن
دَوْره الإبداعي. وكما استفاد الأدباء قديمًا من القواميس والموسوعات، يمكنهم اليوم
الاستفادة من أدوات أكثر تطورًا تساعدهم على توسيع آفاق الكتابة.
وقد بدأت بالفعل تظهر تجارب لروائيين وشعراء يستخدمون الذكاء الاصطناعي بوصفه
شريكًا في مرحلة العصف الذهني، لا بديلًا عن المؤلف. في مثل هذه التجارب يظل القرار
الأخير للكاتب؛ فهو الذي يختار ويحذف ويضيف ويُعيد الصياغة، بينما تؤدي التقنية دور
المساعد الذي يُوسّع مساحة الاحتمالات. وهنا يتحوّل الذكاء الاصطناعي من مُنافِس
إلى أداة، ومِن تهديد إلى فرصة.
لكنّ هذه الفرصة لا تخلو من تحديات أخلاقية وثقافية. فمن أبرز الأسئلة المطروحة:
مَن هو صاحب النص إذا شاركت الخوارزمية في إنتاجه؟ وهل يجوز نشر أعمال تعتمد بصورة
كبيرة على الذكاء الاصطناعي دون الإفصاح عن ذلك؟ وكيف يمكن حماية حقوق المؤلفين إذا
كانت النماذج تتعلم من ملايين الكتب والنصوص التي كتبها آخرون؟
تلك الأسئلة ليست قانونية فحسب، بل تمسّ مفهوم الأصالة في الأدب. فقد اعتاد القارئ
أن يرى في العمل الأدبي امتدادًا لشخصية كاتبه، وأن يقرأ الرواية أو القصيدة بوصفها
نافذة على رؤية فردية للعالم. فإذا أصبح إنتاج النص عملية مشتركة بين الإنسان
والآلة، فإن العلاقة التقليدية بين المؤلف والعمل الأدبي ستحتاج إلى تعريف جديد
يوازن بين الإبداع البشري والاستفادة من التقنيات الحديثة[3].
ومن القضايا المهمة أيضًا: خطر التشابُه؛ فإذا اعتمد عدد كبير من الكُتّاب على
الأدوات نفسها، فقد يؤدي ذلك إلى تقارب في الأساليب والتراكيب والصور، بما يُهدّد
التنوع الذي يُمثّل إحدى أهم سمات الأدب. فالاختلاف بين الأصوات الأدبية هو ما يمنح
الثقافة ثراءَها، بينما يؤدي الإفراط في الاعتماد على النماذج الجاهزة إلى إنتاج
نصوص متقاربة في النبرة والإيقاع والبناء.
في المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُسهم في توسيع دائرة القراءة والوصول إلى
الأدب. فقد أصبح من الممكن ترجمة النصوص بسرعة أكبر، وتوفير أدوات تساعد ذوي
الإعاقات البصرية أو السمعية على التفاعل مع الأعمال الأدبية بطرق لم تكن متاحة من
قبل. كما يمكن استخدامه في تحليل النصوص، واكتشاف الروابط بين الأعمال الأدبية
المختلفة، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة أمام الباحثين والنقاد.
ولعل الجانب الأكثر إثارةً يتمثّل في تغيُّر صورة الكاتب نفسه. ففي الماضي كان
الكاتب يعمل في عُزلة نسبية، أما اليوم فإنه يكتب في عالم متّصل على مدار الساعة،
تحيط به مصادر لا حَصْر لها من المعلومات والأدوات الرقمية. وهذا الواقع الجديد لا
يُقلّل من قيمة الكاتب، بل يزيد مسؤوليته؛ لأن الوفرة المعرفية تجعل التمييز بين
النص العادي والنص المبدع أكثر وضوحًا. فالقيمة لم تَعُد في القدرة على جمع
المعلومات، وإنما في القدرة على مَنْحها معنًى جديدًا ورؤية خاصة.
ومن هنا، فإن مستقبل الأدب لن تُحدّده الآلة وحدها، بل سيحدده الإنسان الذي
يستخدمها. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من التطور، يظل انعكاسًا لما يُقدّمه له
البشر من معرفة وخبرة. أما القدرة على طرح الأسئلة الوجودية الكبرى، واستكشاف
تناقضات النفس الإنسانية، وبناء شخصيات تنبض بالحياة، فهي مهام لا تزال مرتبطة بوعي
الإنسان وخبرته في العيش.
لقد أثبت الأدب عبر العصور أنه أكثر الفنون قدرةً على التكيُّف مع المتغيرات.
تغيّرت وسائط الكتابة، وتبدّلت أشكال النشر، وظهرت مدارس واتجاهات متعاقبة، لكنّ
الحاجة إلى الحكاية لم تختفِ؛ لأن الإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل بالمعاني
التي يصنعها من تلك الوقائع. ومن المرجّح أن يستمر الأمر على هذا النحو في عصر
الذكاء الاصطناعي؛ إذ ستتغير أدوات الكتابة، بينما يظل البحث عن المعنى جوهر
العملية الأدبية.
إن التحدّي الحقيقي لا يكمن في أن تكتب الآلة نصًّا مقنعًا، بل في أن يحافظ الإنسان
على صوته الخاص وسط الضجيج الرقمي المتزايد. فالقارئ لا يبحث في الأدب عن معلومات
مجردة، وإنما عن تجربة تشبهه، وعن أسئلة تُلامس قلقه، وعن لغة تمنحه فرصة لفهم ذاته
والعالم من حوله، وهذه المساحة الإنسانية هي التي تمنح الأدب قيمته، وهي التي تجعل
حضوره مستمرًّا مهما تغيّرت آليات الاتصال.
وفي النهاية، لا يبدو الذكاء الاصطناعي نهاية للأدب، كما لا يُمثّل خلاصًا سحريًّا
له. إنه أداة قوية تحمل إمكانات واسعة، لكنها تظل خاضعة لكيفية استخدامها. فإذا
تعامَل معها الكاتب باعتبارها وسيلة تُوسّع أُفق الإبداع، فإنها قد تفتح أمام الأدب
آفاقًا جديدة. أما إذا أصبحت بديلًا عن الخيال والتجربة الإنسانية، فإن النصوص قد
تفقد شيئًا من دفئها وفرادتها.
لذلك فإن مستقبل الأدب لن يُحسَم في معامل البرمجة وحدها، بل في ضمير الكاتب، ووعي
القارئ، وقدرة الثقافة على الحفاظ على التوازن بين الابتكار التقني والعمق
الإنساني. فالأدب، في جوهره، ليس مجرد صناعة للنصوص، وإنما صناعة للمعنى، والمعنى
لا يزال يُولَد أولًا في قلب الإنسان، ثم يجد طريقه إلى الكلمات[4].
إن الكتابة بصفة عامة، والأدب على وجه الخصوص، صارا على المحكّ؛ خصوصًا الأدب الذي
اعتدنا تلقّيه؛ بوصفه وثيقة جمالية شعرية تُحيل إلى تجربة شعورية هي بنت ذات فردية
عاشتها في ظل سياق زماني ومكاني محدّد له سماته وملابساته؛ ومِن ثَمَّ فإن العلاقة
مع هذا الكائن الافتراضي شديد الخطورة (الذكاء الاصطناعي)؛ لا بد أن تكون بمحدّدات
واضحة تحكم آلية التعامل معه، في ضوء عملية تقوم على التقديم والتأخير؛ مَن يكون
أولًا: هل الكاتب المُبدع يأخذ من هذا الوعاء المعرفي الضخم ما يستعين به على إقامة
عماد تجربته المكتوبة؛ بوصفها حاملة ملامحه هو؛ أي الكاتب الأديب؟ أم أن هذه الكائن
مع انزلاق الإنسان إلى مستنقع السرقة والانتحال وإسداء الفعل إلى غير صاحبه قد صار
له الغلبة والهيمنة؟
إن الأمر في ظني مردّه إلى أمرين: الأمانة والتقوى أولًا، ثم القدرة والتمكن
وامتلاك ناصية القلم المُبدِع ثانيًا.
[1] انظر: د. أحمد يحيى علي، الخطاب الأدبي وأنساق المعرفة، ص62، الطبعة الأولى،
دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2023م.
[2] د. طه وادي، دراسات في نقد الرواية، ص14-15، طبعة دار المعارف، القاهرة، دون
تاريخ.
[3] يُراجع: د. أحمد يحيى علي، أعمال ندوة الثقافة العربية في ظل وسائط الاتصال
الحديثة، ص222، 223، مجلة فصول، القاهرة، عدد 79، 2011م.
[4] د. أحمد يحيى علي، الواقع الراهن: قبض القراءة وبسط الكتابة، مجلة البيان
السعودية، عدد نوفمبر 2024م.