هل نحن أمام تحركات متفرقة، أم حلقات مترابطة في صراع دولي جديد ومتسارع، تتداخل فيه الحرب على إيران، والضغط الروسي على اليابان، ومسارات التجارة البديلة، لإعادة تشكيل النظام الدولي وموازين القوى الموروثة عن الحرب العالمية الثانية؟
• ترمب يحشد ويضرب عسكريًّا، ويطلق خطة
«المنبوذ الاقتصادي»، ويراهن على اندلاع تحركات شعبية في إيران
• وإيران ترسم معادلة
«ضربة بضربة».. وتُراهن على هزيمة ترمب في انتخابات الكونجرس
• إيران تحرق آخر أوراقها مع الخليج.. لا نفط للتصدير بحرًا ولا عبر الأنابيب!
• بوتين يضغط باتجاه اليابان.. وأمريكا تردّ بتغيير موقفها: جزر الكوريل يابانية
وليست روسية!
• الصين وكوريا الجنوبية وروسيا: تدشين خط تجاري بعيدًا عن مضيق ملقا والبحر
الأحمر
• لماذا تحرك بوتين للضغط على اليابان الآن؟ هل يثبت تحالفه مع الصين أم يرد على
تنامي علاقات اليابان وأوكرانيا؟ وهل تشعر روسيا باحتمالات فتح جبهة الشرق؟
شهد العالم في الأسابيع الأخيرة ثلاثة تحرُّكات كاشفة لطبيعة التغييرات الجارية في
الوضع الدولي.
كان التحرك الدولي الأول أن زادت الولايات المتحدة من فعاليات حربها وضغطها على
إيران
لتطويع إرادة قيادتها. وبات واضحًا أكثر طبيعة معادلاتها التكتيكية في إدارة هذا
الصراع وتحقيق أهدافها الإستراتيجية.
فبعد أن فاق الحشد العسكري الأمريكي حول إيران نحو 50 ألف جندي وضابط، وعقب حرب
الأربعين يومًا، وما تلاها من ضربات استمرّت عدة أسابيع مع استمرار الحصار البحري؛
أطلق الرئيس الأمريكي ترمب شرارة حرب اقتصادية شاملة ضد إيران -تحت عنوان «المنبوذ
الاقتصادي»-، وصفها أو قارنها بإنزال الحلفاء في نورماندي خلال الحرب العالمية
الثانية. كما واصلت القوات الأمريكية الضربات الواحدة تلو الأخرى -دون وقف
المفاوضات الجارية عبر الوسطاء-؛ لمنع الحرس الثوري الإيراني من استعادة الجاهزية
والقدرة على زرع الألغام في مضيق هرمز.
وهكذا باتت المعادلات التكتيكية واضحة، بتفعيل آليات الحصار البحري، واستمرار
الضربات العسكرية، وعزل إيران خارجيًّا، والتأثير على الوضع الاقتصادي والسياسي
للنظام، مع التهديد بحرب كبرى تصل حدّ التهديد باستخدام السلاح النووي التكتيكي.
وهي تطوُّرات باتت تشرح طبيعة الإستراتيجية الأمريكية على الصعيد الدولي؛ إذ جاءت
تلك الحرب الشاملة على إيران بعد أن أنهت الولايات المتحدة مَهمّة السيطرة على
السلطة والثروة الفنزويلية، وفرض الحصار على كوبا في النصف الغربي من الكرة
الأرضية، ضمن إطار إستراتيجياتها لإضعاف الصين وروسيا، فضلًا عن دَفْعها أوروبا
لتحدّي روسيا، بما يجعل أوروبا في حالة عوز دائم للدعم الأمريكي.
وهو ما يدفع للتقدير بأن الحرب العسكرية والاقتصادية ضد إيران جزء من إستراتيجية
صراع كبرى تجري وقائعها في مناطق متعددة بالعالم.
وجاء التحرك الدولي الثاني من جهة روسيا، التي جاء تحرُّكها مفاجئًا باتجاه
اليابان!
روسيا المعنية باستمرار صمود إيران، والمنغمسة في حرب أوكرانيا، أطلقت حركة
إستراتيجية في الطرف الشرقي من العالم، حين قام الرئيس الروسي فجأة -ولأول مرة-
بزيارة جزر الكوريل المتنازَع عليها مع اليابان، كما جرى الإعلان عن تجارب صاروخية
في تلك الجزر؛ فردّت الولايات المتحدة بإعلان تبعية الجزر لليابان، وحرَّكت بطاريات
صاروخية، بما اعتبرته روسيا تهديدًا. وهي حالة أعادت -هي الأخرى- حسابات ومعارك
ونتائج الحرب العالمية الثانية، ومثَّلت تناميًا لتحرُّك روسيا في آسيا أو باتجاه
نصف الكرة الشرقي من الأرض، كما كشفت عن دَفْع أمريكي لليابان لتعميق حركتها ضد
روسيا والصين.
وهو ما دفَع للتقدير -أيضًا- بتشابك الصراعات وتحوُّلها إلى أوراق دولية قيد
التداول الحامي، وأن نتائج الحرب العالمية الثانية باتت موضوعة على خارطة الصراع
الدولي.
وقد شهد العالم تحركًا إستراتيجيًّا ثالثًا، جاء هذه المرة من كلٍّ من الصين وروسيا
وكوريا الجنوبية؛
إذ جرى تدشين خط بحري تجاري من الشرق إلى الغرب -أوروبا- عبر المحيط المتجمد
الشمالي (طريق الحرير الجليدي)، بما مثَّل بداية لتجسيد الحَرَاك المستجدّ على صعيد
تغيير طرق التجارة والعلاقات الدولية ضمن فعاليات تعدُّد الأقطاب.
لقد تحرَّكت الصين أولًا، وبعدها بأسبوع تحركت كوريا الجنوبية باتجاه أوروبا، عبر
الممر الجديد لحركة التجارة العالمية من كلا البلدين -ومن شرق آسيا- إلى أوروبا،
وهو ممرّ للشحن التجاري بمسار بحري مُوازٍ للخطوط البحرية القائمة -منذ زمن طويل-
عبر المحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر الأبيض ومضيق جبل
طارق.
وفي ذلك التقت مصالح الصين وكوريا الجنوبية؛ إذ يختصر هذا المسار وقت انتقال السلع
من شرق آسيا لأوروبا للنصف مقارنةً بالمرور عبر مضيق ملقا والبحر الأحمر وقناة
السويس. كما التقت مصالح البلدين مع مصالح روسيا التي أصبح لها ممر بحري باتجاه
آسيا بديل للطرق البحرية التي تتحرَّك عبر أوروبا. وهو تحرُّك جاء متناغمًا -في
اتجاه آخر- مع حراك دول الخليج العربي، التي تعمل لتدشين واعتماد مسارات بديلة
لتصدير النفط عبر خطوط الأنابيب لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
فَلِمَ غيَّر ترمب حركته الضاغطة على إيران؟ أو لِمَ عاد إلى الضغط الاقتصادي
المُطعَّم بين حينٍ وآخر بأعمال القصف للمناطق المُشْرِفة على مضيق هرمز؟ وهل
يستهدف دَفْع الشارع الإيراني للتحرك ضد النظام الإيراني وتطوير الخسائر -التي نتجت
عن الضربات العسكرية- باتجاه حراك الرأي العام؟ وهل نحن أمام متوالية متواترة تنتقل
بين العسكري والاقتصادي والسياسي -ارتباطًا بالوضع الداخلي في أمريكا وإيران-؟ أم
أن ترمب عاد إلى سيرة الضغط الاقتصادي بعد فشل الضغط العسكري؟ وهل يُغيِّر هذا
المسار ردّ فِعل إيران تجاه دول الخليج؟
ولِمَ ذهب بوتين الآن للضغط على اليابان؟ هل يَردّ على تنامي العلاقة بين أوكرانيا
واليابان؟ أم يُعمِّق علاقاته مع الصين، ويؤكد على انزعاج بلاده -مثل الصين- من
تنامي النزعة العسكرية في اليابان؟ وهل يردّ باتجاه حليف أمريكي، كما فعلت أمريكا
ضد حليف لروسيا والصين، هو إيران؟ أم أن لدى روسيا تخوفًا من تحريك الولايات
المتحدة والأطلسي لجبهة الشرق لإحاطة روسيا بسور ناري من الشرق والغرب؟
وكذا، ماذا يعني افتتاح الخط التجاري بين شرق آسيا وأوروبا عبر المحيط المتجمد
الشمالي؟ وما مدى تأثير تلك الخطوة على حركة التجارة الدولية، وعلى الحركة تحديدًا
عبر مضيق ملقا وباب المندب مرورًا بالبحر الأحمر وقناة السويس؟ هل تُخطّط الصين
وروسيا وكوريا الجنوبية لتقليل نتائج قطع أمريكا لمضيق ملقا، بما يعرقل مرور تجارة
دول جنوب شرق آسيا إلى العالم؟
وقبل هذا وبعده، ما المغزى في عودة التذكير بالحرب العالمية الثانية، سواء على لسان
ترمب أو عبر تحرّك بوتين؟ هل يستعد العالم ويتهيّأ لتغيير نتائج تلك الحرب بما
يُغيّر العلاقات والأدوار والتوازنات الدولية؟
ترمب: تراجع أم تقدّم في حركته الإستراتيجية؟
عاد الرئيس الأمريكي لتفعيل سلاح الاقتصاد بعد شهور متعددة من التركيز على استخدام
القوة العسكرية. لقد أعلن عن خطة حصار اقتصادي شامل تحدّث عنها بلغة الحرب؛ إذ قال:
«أُعلن اليوم عن أشد عملية اقتصادية ساحقة لإيران لم تُتَّخذ على الإطلاق من قبل ضد
أيّ دولة.. ستكون هذه حربًا اقتصادية وعزلة بمستوى غير مسبوق على إيران». وأضاف:
«أيّ دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو هيئاتها الحكومية
بتقديم أيّ نوع من الدعم لإيران ستُواجه عواقب اقتصادية وخيمة». ووصف الحملة بأنها
إنزال نورماندي جديد.
وبعد أيام من هذا الإعلان، جاء لافتًا أن فعَّلت الولايات المتحدة آلتها العسكرية
أيضًا؛ إذ جرى قصف جزيرة لارك الإيرانية، فردّت إيران بقصف ما وصفته بقواعد أمريكية
في الأردن، وعادت أمريكا للقصف مجددًا.
واختلفت الرؤى حول ما يجري.
نظر البعض لهذا الإعلان الأمريكي باعتباره تراجعًا واعترافًا مبطنًا بفشل الحرب
العسكرية؛ إذ كانت سياسة أقصى العقوبات هي المعتمدة أمريكيًّا ضد إيران قبل شنّ حرب
الأربعين يومًا وما تلاها.
وذهب آخرون إلى الربط بين استمرار الحرب والتأثير على نتائج انتخابات الكونجرس التي
يخشى ترمب نتائجها؛ إذ يتحدّث ترمب علنًا عن أن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس
ستؤدي إلى عزله ومحاكمته.
وهناك مَن رأى أن ترمب -ومَن خططوا للحرب- يُغيِّرون المسار مؤقتًا لتفعيل نتائج
الحرب العسكرية بالحصار، لزعزعة النظام داخليًّا، وأن الحرب عائدة إذا لم يُحقّق
ترمب ما يريد من تطويع إرادة الطرف الإيراني. ومن أشار إلى تأثير الموقف الإقليمي،
وبشكل خاص دول الخليج وتركيا وباكستان، على الموقف الأمريكي؛ إذ ترفض تلك الدول
استمرار الحرب حتى إسقاط النظام الإيراني وتفكيك إيران لتأثيراته على استقرار دول
المحيط الجغرافي... إلخ.
وكل تلك العوامل مجتمعة واردة بدرجة أو بأخرى، غير أن الجوهري فيما يجري هو أن
الحرب على إيران مستمرة، وأن الحرب الاقتصادية توسَّعت الآن لتشمل فرض عقوبات على
الدول والمؤسسات التي تتعاون مع إيران بطرق غير نظامية -وفق الرؤية الأمريكية-، وأن
خطة المنبوذ اقتصاديًّا لا تعني وقف الضربات الأمريكية، بل هي معطًى إضافيّ ضمن
إستراتيجية حرب شاملة. وأن ما يجري حقّق إبعادًا أمريكيًّا وإيرانيًّا للكيان
الصهيوني عن دخول الحرب، بما منَح هذا الكيان الفرصة لإكمال حربه على غزة ولبنان
وسوريا -والتصعيد ضد دول أخرى في الإقليم-، وأن إيران لا تزال تعتمد إستراتيجية
تركيز القصف على دول الخليج والأردن.
وقد بدا واضحًا أن الولايات المتحدة تعمل وفق إستراتيجية حصار بحري واقتصادي وشنّ
ضربات لتقليص قدرة إيران على إطلاق الصواريخ على السفن المارة عبر مضيق هرمز، وأن
إيران تعتمد سياسة «ضربة بضربة» دون الانزلاق نحو حرب كبرى، وأنها إذ باتت تدرك أن
دول الخليج قطعت شوطًا في تغيير مسار جانب كبير من حركة نفطها والغاز -إلى الأنابيب
بعيدًا عن هرمز- قد صعدت عدوانها على دول الخليج، وبالدقة أحرقت أوراقها؛ إذ أعلن
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، أن طهران لن تسمح بعبور
النفط من الخليج أو استخدام الطرق البديلة إذا تعرَّضت صادراتها للخنق!
كما اعتبر نائب رئيس البرلمان الإيراني، حاجي بابايي، أن لجوء دول الخليج لإنشاء
خطوط أنابيب جديدة يهدف إلى إفقاد مضيق هرمز أهميته الإستراتيجية، محذرًا من
تداعيات ذلك. وكان واضحًا أن تحريك إيران للحوثيين جاء ضمن هذا المسار.
وفي كل ذلك يبقى السؤال المعلّق إيرانيًّا: هل يؤدي التصعيد العسكري والاقتصادي
الأمريكي إلى إطلاق موجة احتجاجات شعبية في إيران ضد النظام الحاكم؟ وفي ذلك تختلف
الرؤى. والجوهري في الخلاف يدور حول التوقيت؛ إذ ثمة ما يُشبه الإجماع على أن
الحَراك الشعبي سيعود للشارع الإيراني بعد تدهور قيمة العُملة الإيرانية على نحو
حادّ وغير مسبوق، وبسبب أعمال القمع التي تمارسها أجهزة الدولة ضد المواطنين على
أساس عرقي وديني... إلخ.
ويبقى السؤال المعلق أمريكيًّا حول تأثير نتائج انتخابات الكونجرس على فرص استمرار
ترمب في الحرب على إيران.
وهكذا باتت الولايات المتحدة وإيران في موضع المراهنة على تأثير التطورات الداخلية
في كلا البلدين على مسار الحرب. وحتى ظهور النتائج، يظل الطرفان في حالة تبادل
الضربات؛ إذ تردّ إيران على القصف الأمريكي بقصف لدول الخليج، مع ضبط الطرفين إيقاع
الضربات لعدم الانزلاق إلى حرب شاملة مجددًا.
بوتين: لِمَ التحرك الآن باتجاه اليابان؟
جاءت زيارة الرئيس الروسي بوتين إلى إحدى جزر الكوريل اليابانية ذات الأهمية
الإستراتيجية -لوجودها في أقصى شمال شرق آسيا، ولفصلها بين بحر أوخوتسك وشمال
المحيط الهادئ، والتي احتلها الجيش السوفييتي في نهاية الحرب العالمية الثانية-،
أمرًا مفاجئًا على الصعيد الإستراتيجي، لا التكتيكي فقط.
لقد جرت الزيارة، فيما روسيا واقعة تحت ضغوط متعددة، وتواجه تحديات خطيرة في
الاتجاه الغربي. جرت الزيارة فيما روسيا واقعة تحت الضغط العسكري الجاري في الحرب
الأوكرانية، الذي تحوَّل في الآونة الأخيرة إلى أعمال قصف للمُقدَّرات الإستراتيجية
الروسية، وتحت ضغط اقتصادي أوروبي وأمريكي ومن الدول السبع الصناعية، وتحت تهديد
عسكري من الناتو؛ إذ يرى كثيرون أن الناتو يُجري استعدادات عملية لاحتمال وقوع حرب
مباشرة مع روسيا.
وجرت الزيارة في اتجاه شرق الكرة الأرضية، فيما الحرب الاقتصادية والعسكرية متصاعدة
ضد الحليف الإيراني، وهي حرب متطاولة تجري بعدما سيطرت الولايات المتحدة على الحليف
الفنزويلي، وباتت تحاصر الحليف الكوبي.
ويبدو ظاهرًا أن بوتين يرد على تنسيق المواقف بين اليابان وأوكرانيا، وأنه يساند
الصين التي تندّد بموقف اليابان من تايوان، غير أن البُعْد الأهم هو أن بوتين نكأ
جراح الحرب العالمية الثانية. وتلك الحرب لم يعقبها اتفاقية سلام بين روسيا -وريثة
الاتحاد السوفييتي- واليابان؛ بسبب جزر الكوريل اليابانية المحتلة التي زارها
بوتين.
لقد استسلمت اليابان في الحرب، لكن لأمريكا وليس لغيرها. ويبدو جليًّا الآن أن
الولايات المتحدة كانت وراء استمرار المشكلات بين اليابان والصين حول تايوان،
واليابان وروسيا حول جزر الكوريل.
لم تشمل وثيقة الاستسلام التي وقَّعتها اليابان مع الولايات المتحدة -بعد قصفها
بالسلاح النووي- نصوصًا تتعلق بجزر الكوريل أو تايوان، وجرى الاكتفاء بإحالة الأمر
لاتفاقيتي بوتسدام والقاهرة، وهو ما يجعل اليابان تتحدث الآن عن استمرار تبعية
تايوان وجزر الكوريل لها؛ حيث لم تتنازل عنها بعد الحرب، ضمن نصوص في الوثيقة
الأساسية للاستسلام.
وتستند روسيا في موقفها من استمرار السيطرة على الجزر إلى ما تصفه بحسم مصيرها في
وثائق ومعاهدات أخرى أحاطت بتلك الفترة، وأهمها اتفاقية يالطا المُوقَّعة بين
الاتحاد السوفييتي وكل من أمريكا وبريطانيا في عام 1945، والتي جرى النص فيها على
نقل «جزر الكوريل» وجنوب سخالين إلى الاتحاد السوفييتي، كشرط لدخوله الحرب ضد
اليابان.
كما تستند روسيا في موقفها إلى الأمر والتوجيه العسكري الأول الصادر عن القيادة
العليا للحلفاء، عقب الاستسلام مباشرة؛ إذ نص على استسلام القوات اليابانية
الموجودة في الجزر للجيش السوفييتي، وكذا للنص الوارد في معاهدة سان فرانسيسكو
للسلام (1951) بتنازل اليابان عن كل حق ومطالبة بجزر الكوريل.
وبين رفض اليابان واستمرار روسيا على موقفها، جاء الموقف الأمريكي من زيارة بوتين
كاشفًا. فإذا كان مفهومًا أن ترفض اليابان زيارة بوتين، جاء موقف الولايات المتحدة
داعمًا لموقف اليابان، ومناقضًا للوثائق التي وقَّعت عليها الولايات المتحدة
وبريطانيا قبل وعقب استسلام اليابان.
استدعت اليابان سفير روسيا لديها، وأعربت عن «احتجاجها الشديد» على الزيارة، مؤكدةً
على لسان وزير خارجيتها أن «الأراضي الشمالية (...) جزء لا يتجزأ من اليابان،
تاريخيًّا وبموجب القانون الدولي».
أما الولايات المتحدة، فقد أكَّدت تمسكها بالاعتراف بـ«السيادة اليابانية» على جزر
الكوريل المتنازَع عليها مع روسيا.
وقد صعّدت روسيا موقفها، وأعلنت عزمها إجراء تجارب صاروخية قرب تلك الجزر عقب زيارة
بوتين، فردَّت الولايات المتحدة بتصعيد عسكري؛ إذ حرَّكت منظومات صواريخ أمريكية
موجودة على الأرض اليابانية.
ويبدو الأمر مُرشَّحًا للتصعيد أكثر؛ إذ نبَّهت الخارجية الروسية اليابان إلى ضرورة
الالتزام بشروط استسلامها بعد الحرب العالمية الثانية، والامتناع عن سلوك مسار يؤدي
إلى تسلح هجومي أو نووي.
الصين وكوريا الجنوبية: حسابات ممتدة من الشرق الأوسط إلى مضيق ملقا
لقد أثارت الصراعات في الصومال، وما أنتجته من ظواهر وأعمال القرصنة، والصراع
الخطير حول مضيق هرمز، ومن بعد صراعات باب المندب، مسألة المضايق والممرات الدولية.
وبمعنى أدق دور المضايق والممرات في حركة التجارة الدولية، وعلاقة ذلك بالصراعات
الدولية، في مرحلة انتشار الصراعات، وتعاظم المحاولات الأمريكية لخنق اقتصادات
الدول المنافسة لها.
وكان التساؤل الأهم بالنسبة لدول آسيا الصاعدة، هو ماذا عن مضيق ملقا -إضافة إلى
بحر الصين الجنوبي، وممر تايوان- باعتباره المضيق الحاكم لمرور الحركة التجارية من
وإلى تلك الدول. وهو ما دفعها للبحث عن حلول لمواجهة احتمال تعرُّض تجارتها الدولية
لأعمال خنق، جراء الصراعات السياسية وحالات الحروب.
لقد كان الأمر محل بحث في أهم الدول الصاعدة في آسيا -الصين- قبل أحداث الشرق
الأوسط، بما جعلها تتحرك نحو مسارات برية وبحرية ضمن إطار مشروع طريق الحرير -كما
حدث في تنمية ميناء جوادر في باكستان لنقل الحركة البرية من الصين دون المرور بمضيق
ملقا-؛ لمواجهة احتمال تعرُّض صادراتها ووارداتها للخنق والحصار، خاصةً بعد ظهور
مؤشرات على تحالف غربي هندي في مواجهة الصين.
ومع تصاعُد الضغط الأمريكي على إيران اقتصاديًّا وتهديد الدول والمؤسسات المتعاونة
مع إيران اقتصاديًّا -والمقصود الصين وروسيا بالدرجة الأولى-، وبسبب المشروع
الأمريكي لإنشاء ممر التنمية بين الهند وأوروبا الذي يستهدف قطع طرق التجارة
الصينية؛ حدَث تطور لافت؛ لقد دشَّنت الصين خطًّا تجاريًّا للوصول إلى أوروبا دون
المرور بمضيق ملقا أو الشرق الأوسط. وهو ما أطلق عليه خط الحرير الجليدي.
لم يكن مستغربًا -إذن- أن تتحرك الصين لتدشين هذا الخط، لكن ما جاء لافتًا هو
تحرُّك كوريا الجنوبية في طريق تُشرف عليه كليًّا روسيا، التي تُعمِّق تحالفها خلال
السنوات الأخيرة مع كوريا الشمالية.
لقد أبحرت سفينة حاويات كورية جنوبية في 22 أغسطس 2026، من ميناء بوسان في أول رحلة
تجريبية عبر طريق القطب الشمالي نحو أوروبا.
وإذ يمكن القول بأن خطوط التجارة عبر ملقا والشرق الأوسط تظل هي الأساس في حركة
التجارة، وأن خط الحرير الجليدي سيعمل عدة أشهر في السنة فقط، وأنه يحتاج إلى عمل
مُضاعَف من كاسحات الجليد؛ إلا أن افتتاح هذا الخط مؤشر على جدية التهديدات
والصراعات حول طرق التجارة الدولية، وعلى احتمالات تبدُّل التحالفات، وإلى تعميق ما
هو قائم من تحالف بين روسيا والصين، وإلى أن روسيا تفكّ عُزلتها بطريقة أو بأخرى.
ماذا يجري؟
ما يجري أننا أمام تشكيل النظام الدولي الجديد. فإن كان هناك مَن يرى أننا أمام
تحضيرات أو حتى مجريات حرب عالمية ثالثة؛ فالأغلب أن هذا الحديث يدور عن وسيلة لا
عن هدف إستراتيجي؛ إذ الحرب ليست الهدف، هي وغيرها من وسائل الصراع السياسي
والدبلوماسي والسيبراني والاقتصادي... إلخ.
تتحرك الولايات المتحدة لتحقيق هدفها في السيطرة على النفط، وإزالة أيّ عوامل تهديد
لسطوتها، من فنزويلا إلى إيران، وصولًا للصراع والاحتواء للصين، فتجمع بين وسائل
تحقيق الهدف من استخدام القوة إلى الحصار إلى غيرها.
وتتحرك روسيا باتجاه الشرق، لتأمين وتوسيع تحالفها مع الصين، وللضغط على حلفاء
الولايات المتحدة في جبهتها الشرقية، وصولًا لتحقيق هدف بناء نظام تعدُّد الأقطاب.
لقد نجحت الولايات المتحدة في وقف حركة روسيا تجاه الغرب الأوروبي عبر صراع وحرب
أوكرانيا؛ لذا تتوجّه روسيا نحو الشرق، وما جرى من زيارة بوتين لجزر الكوريل،
وتدشين خط الحرير الجليدي هو أحد مؤشرات هذا التحرُّك.
واللافت أن العالم يعيش الآن مرحلة مراجعة وتغيير نتائج الحرب العالمية الثانية.
وكان لافتًا أن تلفّظ ترمب بإنزال نورماندي؛ لتحديد طبيعة العقوبات الجديدة والحصار
الاقتصادي الشامل على إيران، فإن روسيا والصين يشدّدان على ضرورة الالتزام بتلك
النتائج، خاصةً تجاه اليابان وألمانيا.
القضية المحورية الآن في النظام الدولي، أن الولايات المتحدة تسعى لرفع شروط الحرب
العالمية الثانية عن اليابان وألمانيا، لتغيير التوازنات الدولية الحالية، فيما
تسعى الصين وروسيا لتثبيت تلك الشروط لمواجهة الولايات المتحدة بلا حلفاء كبار.