• - الموافق2026/09/11م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
عبقرية اللغة العربية  وسرّ صمودها

كيف حافظت اللغة العربية على بقائها وحيويتها رغم ما مرت به من محن وتحديات، وما دور القرآن الكريم وثراء بنيتها في ذلك، وكيف يمكن للأمة أن تعزز حضورها لغةً للعلم والفكر والتقنية في عصرنا العلمي الراهن؟


اللغة العربية التي نتحدَّث بها الآن، ويُبدع الأدباء والكُتّاب والمفكرون بواسطتها الشعر والمقالات والدراسات في جميع فروع الأدب والفكر والعلم؛ هذه اللغة هي التي نشأت في جزيرة العرب قبل مجيء الإسلام بقرنين، وقد استوت قواعدها النحوية والصرفية، وضبطت دلالات مفرداتها وعباراتها للتعبير عن المشاعر والأحاسيس وكلّ القضايا الفكرية التي كانت تشغل الإنسان الجاهليّ، وهي اللغة التي ما زالت تقوم بنفس الدور في عصرنا الحاضر وكأنّها وُلِدَت واكتملت بالأمس القريب، بينما لغات ولهجات أخرى كانت بجانبها في العصور القديمة، أو جاءت بعدها قد اندثرت ولم يبقَ لها أثر يُذْكَر.

إنّ الاستواء والكمال الذي اتَّصفت به هذه اللغة في الأداء والتعبير والتواصل والإبداع هو الذي أهَّلها لأن تكون لغة آخر الرسالات السماوية؛ لغة القرآن الكريم الذي حمل الدين القيّم والنهج المستقيم للبشرية كلها في كل زمان ومكان.

إنّ ما نَظم شعراء الجاهلية والإسلام من أشعار في الأغراض الذاتية والموضوعية، وما حبَّروا من خطب، وما أبدعوا من أمثال وحِكَم، وما جاء في كتاب الله وأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ، من مواعظ وتوجيهات وتشريعات وأحكام؛ كلّ ذلك ما زلنا نقرأه ونفهم دلالته وأغراضه دون أن نشعر بأنه غريب عنّا أو عسير الفهم، أو نطلب من أحد أن يترجمه لنا؛ فتلك القضايا كلّها قريبة منّا وكأنّها قيلت الآن لتخاطب مشاعرنا ووجداننا وتفتح لنا الطريق لحلّ معضلات العصر الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأخلاقية، ولذلك تجد الكُتّاب والأدباء والفلاسفة في عصرنا الحاضر يُوردون في كتاباتهم نماذج من ذاك الأدب والفكر لإثبات صحّة رأي ما بالدليل والحجّة والبرهان.

ومن هنا يحقّ لكل باحث في اللغات والحضارات أن يسأل عن السبب الذي جعل هذه اللغة تصمد طيلة هذه القرون، ولا تعجز عن أداء دورها في عصر التقدم العلمي والتقني في كل المجالات.

إنّ من يدرس بدقّة تراكيب اللغة العربية في قواعد نحوها وصرفها وطريقة اشتقاقها والدلالة التي تؤديها مفرداتها وتعابيرها في كلّ غرض؛ يدرك السرّ الذي جعلها تصمد وتظلّ حيّة تنافس كلّ لغة أخرى بجانبها؛ مهما بذل أصحابها من جهود لتطويرها والحفاظ عليها. والسرّ في كلّ ذلك ينبع من ذات اللغة العربية، ومن الظروف التي تهيّأت لها.

أولًا: الأسرار التركيبية والدلالية التي تختزنها اللغة العربية

إنّ كلّ مَن يدرس بدقّة ورويَّة اللغة العربية في عصرنا الحاضر، ويقارنها ببعض اللغات الأخرى يُدرك السّرّ الذي جعلها تصمد وتظلّ حيّة نشيطة، ولا تعجز عن القيام بدورها في جميع المجالات في عصر التقدم العلمي والتقني؛ لقد اكتملت لها كلّ الخصائص التي تُعينها على الصمود، فهي غنيّة بالمفردات التي تتعدّد معانيها، وبسهولة الاشتقاق، وبقواعد النحو والصرف المضبوطين؛ كلّ هذا يجعلها تفسح المجال واسعًا للمُبدع ليُعبِّر عمّا يجول في خاطره تارةً بأسلوب الحقيقة، وتارةً أخرى بأسلوب المجاز، وهذا ما ينعدم وجوده في كثير من اللغات. يدرك ذلك المتمرّسون بها من خلال إبداعات كبار الشعراء والأدباء، ومن كتاب الله خاصة وأقوال الرسول -عليه الصلاة والسلام- الذي أُوتي جوامع الكلم.

إنّ اللغة التي اجتمعت فيها هذه العناصر والمكوّنات الأساسية في التواصل والتعبير عن الخواطر والمشاعر، وفي القدرة على توضيح الأفكار العقلية والعلمية والفلسفية لجديرة بالبقاء والصيانة والحفاظ عليها، فقد مرَّت بنكسات حينما ضعف أهلها سياسيًّا وعسكريًّا، ولكنها برغم كلّ ذلك ظلّت متوهّجة وراسخة.

ثانيًا: دور القرآن الكريم وأحاديث الرسول -عليه السلام- في الحفاظ عليها

كان مجيء الإسلام حدثًا عظيمًا في تاريخ عرب الجاهلية، فبالإضافة إلى أنّه حوّلهم من أُمّة متفرّقة تمزّقها الحروب والنزاعات لتصبح أُمّة مُوحّدة تُواجه كل الأخطار الداخلية والخارجية، فإنّ الباحث لا يمكنه أن يتجاهل الإشارة إلى التأثير القوي الذي أحدثه البيان القرآني في المجتمع العربي برغم أنهم كانوا أصحاب بيان وشعر وخطب وأمثال وحِكَم؛ فالقرآن الكريم نزل بهذه اللغة المكتملة في تراكيبها ودلالتها تحمل لأفراد المجتمع الجاهلي الهداية والرشد والفلاح والصلاح في العقيدة والعمل بأساليب لم يعهدوا مثلها في الدقّة والسلامة، فازدادت اللغة العربية إشراقًا وثباتًا بأسلوب القرآن الكريم وتمكينًا لها بالاستمرار؛ لأنّ كل مَن يدخل الإسلام يصبح لزامًا عليه أن يتعلّم هذه اللغة ليعرف أحكام دينه في العبادات والتشريعات والقوانين؛ واختيار الله -عزّ وجلّ-، لهذه اللغة كان يُمثِّل هدفًا أسمى وأمثل في عصر الدعوة؛ ألا وهو تحدِّي العرب الذين لم يكونوا يفتخرون بشيء أكثر من افتخارهم بالبيان والفصاحة والبلاغة التي بلغوا فيها مبلغًا عظيمًا قبل مجيء الإسلام، فكان بيان القرآن وفصاحته وبلاغته أسمى من كل ما أبدعوا من شعر وأمثال وحِكَم، والله -عزّ وجلّ- وصف آيات كتابه العزيز بالسموّ والعلوّ في البيان وصحّة التراكيب وسلامة المعاني؛ قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١]، وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 1- ٢]؛ فلغة القرآن هي العربية الفصيحة الخالية من كلّ عوج واضطراب في تراكيبها ومعانيها ومضامينها، فمن أراد استقامة اللسان وعلوّ الكعب في البلاغة والفصاحة فهي المورد أولًا وأخيرًا.

وهنا يكمن السّر الكبير في بقاء هذه اللغة طيلة هذه القرون دون أن يطرأ عليها تغيير بنقص أو زيادة أو تشويه وغموض ولبس، فالمسلمون يحافظون على اللغة العربية لأنها لغة كتابهم العزيز، ولأنها بلغت سموًّا عاليًا في البيان، فمنها يلتمسون التعبير البليغ الفصيح وأحكام دينهم. ثم كانت أقوال الرسول -عليه السلام-، بجانب كتاب الله تُمثّل هذا السموّ في البيان؛ لأنّها جزء من بيان كتاب الله وتوجيهاته؛ فأصبحت المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله في الأحكام وفي التماس سلامة البيان والفصاحة؛ والمسلمون لم يتوقّفوا طيلة هذه القرون عن حفظ كتاب الله وأحاديث الرسول، وتفسير وتوضيح ودراسة ما فيهما من أحكام وأسرار البيان[1].

والعرب حينما خرجوا من جزيرتهم لنشر أنوار الإسلام حملوا معهم قرآنهم وأحاديث رسولهم -عليه السلام- ليكونا حجتهم في الدعوة، ولذا كان أول عملهم حينما يستقرون في الأمصار هو بناء المساجد للعبادة ولتعليم الناس ما في القرآن وأحاديث الرسول الكريم من أصول العبادة والتوجيهات القيِّمة، فكان الأهالي يُقبلون بشوق على حفظ القرآن الكريم وأحاديث الرسول لمعرفة ما فيهما من أحكام وتشريعات وقوانين، فأصبحت العربية لغة لسانهم، بها يتحدثون ويكتبون ويؤلفون في كلّ العلوم التي برعوا فيها.

إن اللغة العربية التي أحكمت قواعدها على يد الأعراب، ثم زادها كتاب الله علوًّا وثباتًا ستظل لغة المجتمعات العربية والإسلامية في التواصل والتدريس والبحث العلمي والإدارة؛ لأنها مكتملة في كل ما يُطلَب في اللغات من تمام القواعد النحوية والصرفية والدلالية. وإذا كنّا نرى في عصرنا الحاضر لغات أخرى تنافسها، ولا سيما لغات الأمم التي قطعت شوطًا كبيرًا في التقدم العلمي والتقني، فهذا شيء طبيعي في كل المجتمعات؛ إذ الإعجاب يكون دومًا بما حقّقته الأمم في مظاهرها الاجتماعية والفكرية والعلمية، ومنها لغتها. والشيء الذي ينبغي أن يكون حاضرًا في هذه الظاهرة هو ألَّا تكون اللغة الأخرى مهيمنة، فتجعلنا نهمل لغتنا، إنّ التشبث بلغتنا وتراثنا والعمل على إحيائهما هو السبيل للحفاظ على وجود الأمة.

 وإذا قلنا: إن اللغة العربية قامت على بناء متين في قواعدها النحوية والصرفية والدلالية؛ فإن كل الدلائل تبرهن على ذلك، فقد أصبحت لغة الأدب والعلم والإدارة والتواصل حينما تأسست الأمصار وقامت الدولة الإسلامية في المناطق التي فتحها المسلمون في المشرق والغرب الإسلامي، وهيمنت على لغات ولهجات كلّ تلك المجتمعات والأفراد، وكانوا أصحاب علم وتنظيم إداري وعسكري، بل أصبح لسانهم عربيًّا فصيحًا بليغًا، وألَّفوا بها في كل العلوم التي ظهرت في المجتمعات الإسلامية، ولمع فيهم شعراء كبار جددوا مسيرة الشعر العربي، وكُتّاب مشهورون كانت لهم مكانتهم المتميزة في الدواوين والمجالس العلمية وفي التآليف العديدة التي تركوها لنا في علوم متنوعة.

وحينما تعرَّضت هذه اللغة لمِحَن قد ابتُلِيَت بها من غير أبنائها، ولم تَعُد لغة التواصل والإدارة والخطاب اليومي ولا لغة الأدب والإبداع والعلم، فأصابها الكثير من الوهن والضعف، وذهب رونقها وجمال أسلوبها وحضورها في الدرس العلمي وفي الندوات والمجالس العلمية؛ لقد حدث ذلك حينما تسلَّط الغرباء على العالم العربي والإسلامي، ففرضوا لغتهم في التدريس والإدارة والتواصل، ولولا حفظة القرآن الكريم في الكتاتيب والمساجد والزوايا لذهب ريحها وازداد ضعفها ووهنها. وهنا يتجلّى لنا فضل كتاب الله في الحفاظ على هذه اللغة في المرحلة التي يُصاب فيها العالم الإسلامي بالضعف، فيظلّ كتاب الله نورًا وهاديًا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].

هذه المحنة التي مرت بها اللغة العربية لم تجعلها لغة ميتة -وإن كانت قد غيّبتها عن دورها في فترة من الزمن-؛ فسرعان ما عادت لدورها، وأخذت مكانتها في التعليم والإبداع والتواصل والإدارة والبحث العلمي بعدما تخلَّص العالم العربي والإسلامي من الذين أدخلوها في ذاك النفق المظلم، وعاد الدارسون والباحثون لإحياء تراثهم في كل العلوم بإخراج مخطوطات الدواوين الشعرية وكُتب الأدب والعلم لتحقيقها ودراستها، واستخلاص ما احتوت عليه من أدب وفن وعِلم.

وبهذا الإحياء والدراسة والبحث والتحليل عادت اللغة العربية لمجالها قوية ناصعة ثابتة، كأنها لم تُصَب بأذًى؛ لأن جذورها تتسم بالسمات القوية في الثبات والصمود، وها نحن نراها الآن لغة التدريس في الجامعات والمعاهد العليا، ولغة البحث العلمي في معاهد البحوث العلمية الدقيقة، ولغة الإدارات ووسائل التواصل السمعي والبصري، بل أصبحت لغة عالمية يتمّ الحديث بواسطتها في المنظمات الدولية؛ وكل ذلك يثبت أن قوتها وصلابتها وثباتها نابعة من ذاتها ومن حفاظ هذه الأمة عليها.

إن اللغة التي مرت عليها قرون عديدة، وتعرَّضت لنكبات ومِحَن كثيرة، واستطاعت أن تصمد وتظلّ حيّة لجديرة بأن يَعتزّ بها أصحابها، ويعملوا على صيانتها وحفظها لتكون لغة العلم والأدب والفكر، بل ينبغي أن يجتهدوا لنشرها في كل جهة في الأرض بفتح المراكز اللغوية لتعليمها لغير الناطقين بها، مثل ما تفعل أُمَم أخرى، فهذا هو السبيل لجعل اللغة العربية تزيد في فَرْض وجودها وترسيخ عالميتها، وأجمل من كلّ هذا أن تتعرف تلك الأمم على آداب العرب وفكرهم وتاريخهم وحضارتهم وعبقرية لغتهم.

إن الأمة العربية والإسلامية تجتاز في هذا العصر مرحلة لا تُحسَد عليها على جميع الأصعدة والمستويات، فهي تحارب الجهل والأمية والفقر، وتعمل بكل جهد لتنتج طعامها ودواءها وتستغل خيراتها في باطن أرضها وأعماق بحارها، وتكوّن الأُطر في المجالات الضرورية وبخاصة العلمية والتقنية. وشباب هذه الأمة ينبغي أن يكون واعيًا بهذا الوضع ليقوم بدوره في كلّ ما تحتاجه الأمة، ولعل التشبث بلغته التي هي رمز وجوده والسبيل الذي به تتوحَّد الأمة ويجعلها تسير في طريق آمِن هو ما ينبغي أن يكون واضحًا في الأذهان، وثابتًا في الوجدان بإيمان صادق وعزيمة قوية.

نقول هذا لأن فئة كبيرة من شبابنا أُعجبت إعجابًا كبيرًا ببريق حضارة الغرب، فأخذت تتسابق لجعل لغته نموذجًا في الخطاب والتواصل والدرس والبحث، وادَّعى بعضهم أن اللغة العربية غير مُؤهَّلة للقيام بدورها اجتماعيًّا وعلميًّا وفكريًّا وحضاريًّا. وهذا جهل كبير منهم بلغتهم وحضارتهم وتاريخهم المجيد.

وإذا دعونا للتشبّث باللغة العربية، فإننا لا ندعو إلى إهمال اللغات الأخرى التي حقّق أصحابها تقدمًا في العلوم والتقنيات الحديثة. إنّ تعلم تلك اللغات وإتقانها والبحث بواسطتها في علوم كثيرة تقدّم فيها الغرب هو واجب وآكد في المرحلة الراهنة، لكن ينبغي أن يكون ذلك متوازيًا مع الاهتمام بلُغتهم الأصلية والعمل على تطويرها لتصبح لغة العلم والتقنيات الحديثة في المستقبل، وليس ذلك بعزيز على هِمَم شباب هذه الأمّة، وعلى لغتنا العربية التي قامت بهذا الدور في العصور الوسطى حينما كان المسلمون يؤمنون بقدرتها على أداء رسالتها والقيام بدَوْرها في كلّ مجال معرفي.


 


[1] ما كُتِبَ عن كتاب الله وأحاديث رسوله -عليه السلام-، لا يمكن حَصْره في الزمان والمكان، وهذا أمر طبيعي. وقد أسهمنا في هذا الجانب بدراسات ومقالات عديدة نشرناها في مجلات مشرقية ومغربية، وكذلك فيما نشرنا من مؤلفات، منها أولًا: كتاب «في رحاب القرآن الكريم: دراسة في البيان والتراكيب»، وكتاب «في رحاب القرآن الكريم: دراسة في قضايا الاجتماع والأخلاق والاقتصاد»، والكتابان من مطبوعات منظمة الإيسيسكو، وفي السيرة كتاب «السيرة النبوية في شعر المدح، نموذج القصيدة الميمونية لابن خبازة».

 

 

أعلى