• - الموافق2026/09/08م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
هل تحقق كابوس أيزنهاور؟

هل يتحكم مجمع التصنيع العسكري الأمريكي في قرارات السلم والحرب، وهل كانت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق أيزنهاور رؤية استشرافية لما تمر به الولايات المتحدة اليوم من مغامرات حربية، وما علاقة ذلك باستقالة القادة العسكريين في البنتاجون؟


في خضم استقالة مفاجئة لوزير الجيش الأمريكي، وحرب مستمرة مع إيران دخلت شهرها السابع دون أفق واضح لنهايتها، تعود إلى الواجهة واحدة من أشهر التحذيرات في تاريخ السياسة الأمريكية الحديثة: تحذير الرئيس دوايت أيزنهاور من "المجمع الصناعي العسكري". وربما تحققت نبوءة الجنرال الذي أصبح رئيساً قبل أكثر من ستين عاماً، وباتت شبكة المصالح العسكرية والصناعية والسياسية تمسك فعلياً بزمام القرار الأمريكي، بعيداً عن الرقابة الديمقراطية التي يفترض أن تحكمه.

تحذير أيزنهاور:

في خطابه الوداعي للأمة، في 17 يناير 1961 قبل ثلاثة أيام فقط من مغادرته البيت الأبيض، حذّر الجنرال دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى السابق لقوات الحلفاء في أوروبا، من نمو نفوذ ما أسماه "المجمع الصناعي العسكري".

ورغم أنه أحد أبناء المؤسسة العسكرية الشرعيين، رأى بعين الخبير أن اقتران جيش دائم الضخامة بصناعة أسلحة ضخمة ظاهرة جديدة كلياً على التجربة الأمريكية، وأن التأثير غير المبرر لهذا التحالف قد ينتشر في كل مفصل من مفاصل الحكومة والاقتصاد والمجتمع.

لم يكن أيزنهاور يدين الصناعة الدفاعية بحد ذاتها، بل حذّر تحديداً من أن تتحول ضرورة الاستعداد العسكري إلى معادلة دائمة تُبقي الميزانيات الضخمة متدفقة نحو شركات السلاح بصرف النظر عن الحاجة الفعلية، وتجعل صناع القرار رهائن لهذه المصالح بدل أن يكونوا هم من يوجهها.

ومع مرور العقود، تحول التحذير من فرضية نظرية إلى واقع مؤسسي: شركات مثل لوكهيد مارتن وريثيون (RTX) ونورثروب غرومان وجنرال ديناميكس أصبحت لاعبين أساسيين في التأثير على القرارات الاستراتيجية نفسها، عبر "الباب الدوار" الذي ينقل الجنرالات والمسؤولين إلى مجالس إدارات شركات السلاح ثم يعيدهم أحياناً إلى مواقع صنع القرار.

الأرقام تكشف حجم هذا التشابك اليوم: أقر الكونغرس ميزانية دفاعية بنحو تريليون دولار للسنة المالية 2026، واقترحت الإدارة ميزانية قياسية تتجاوز 1.5 تريليون دولار لعام 2027.

وفور بدء الضربات على إيران، قفزت أسهم كبرى شركات السلاح: نورثروب غرومان بنسبة 6%، وريثيون بـ4.7%، ولوكهيد مارتن بأكثر من 10% لاحقاً مع الإعلان عن أرباح قياسية متوقعة، بعدما وقّعت الأخيرة عقداً بـ35 مليار دولار لمضاعفة إنتاج صواريخ الاعتراض "ثاد"، ليبلغ رصيد طلبياتها غير المنفذة رقماً قياسياً هو 194 مليار دولار.

والأكثر دلالة على تحذير أيزنهاور أن عدداً من أعضاء الكونغرس، ممن يصوتون على هذه الميزانيات ذاتها، يمتلكون أسهماً شخصية في هذه الشركات بحسب تقارير الإفصاح المالي، في تجسيد مباشر لتضارب المصالح.

هذه الشبكة تطورت إلى "دولة مصالح" تتقاطع فيها شركات السلاح مع اللوبيات ومراكز الأبحاث الممولة منها ونواب تعتمد دوائرهم الانتخابية على مصانع التسليح، لتشكل في مجموعها قوة ضغط يصعب على أي إدارة، مهما كان توجهها السياسي، الإفلات من قبضتها الكاملة.

اضطراب في البنتاجون 

استقالة وزير الجيش دان دريسكول، التي قُبلت مطلع سبتمبر 2026، كشفت حجم الاضطراب داخل البنتاجون.

دريسكول، أصغر وزير جيش في التاريخ الأمريكي عند توليه المنصب في فبراير 2025 بسن الثامنة والثلاثين، غادر بعد أشهر من التوتر مع وزير الحرب بيت هيغسيث.

وبحسب مصادر مطلعة، أثار دريسكول في استقالته مخاوف من أن هيغسيث يعرقل تحديث الجيش عبر إقصاء جنرالات قادوا عملية التحول، وعلى رأسهم قائد أركان الجيش السابق راندي جورج الذي أُقيل دون تفسير في أبريل.

الخلاف امتد أيضاً إلى قرار حل وحدة مسيّرات تابعة للجيش في أوروبا كانت تدرس نجاحات المسيّرات الأوكرانية، وإلى ملفات ترقيات ضباط من ذوي البشرة السوداء ونساء دعمها دريسكول ورفضها هيغسيث.

كما غذّت العلاقة الوثيقة بين دريسكول ونائب الرئيس جي دي فانس - صديقا دراسة قديمين في جامعة ييل - شكوك هيغسيث بأن دريسكول يلتف عليه عبر البيت الأبيض، خصوصاً بعد تكليف دريسكول العام الماضي بالمساعدة في التفاوض لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وهو دور غير معتاد لوزير جيش.

وتفيد تقارير بأن هيغسيث نفسه، بعد تورطه في فضيحة تسريب محادثات عبر تطبيق "سيغنال"، ساوره القلق من أن يستبدله ترامب بدريسكول، وهو ما زاد الشرخ اتساعاً بينهما.

هذه الاستقالة لم تأتِ في سياق هادئ، بل في خضم حرب مفتوحة مع إيران اندلعت في 28 فبراير 2026 عقب انهيار المفاوضات، حين أمر الرئيس ترامب بتنفيذ ضربات جوية أمريكية-إسرائيلية مشتركة استهدفت القيادة الإيرانية العليا ومنشآت استراتيجية، أدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين.

تلت ذلك هدنات هشة وانتكاسات متكررة: أغلقت إيران مضيق هرمز، وفرضت واشنطن حصاراً بحرياً كلّف طهران مليارات الدولارات من عائدات النفط، فيما انهارت الهدنة مجدداً في يوليو إثر استهداف إيران لناقلات نفط، أعقبتها موجة ضربات أمريكية جديدة استمرت لعشرات الليالي طالت عشرات الأهداف.

ومع دخول الحرب شهرها السابع، تكشف استقالة دريسكول - وقبلها وزير البحرية جون فيلان وعدد من كبار الضباط - عن تصدع قيادي داخل مؤسسة يُفترض أن تكون في أعلى درجات التماسك وهي تخوض مواجهة مفتوحة.

فحين يستقيل من يفترض أنه المسؤول عن جاهزية الجيش في قلب الحرب، يُطرح تساؤل جدي: من يدير فعلياً دفة القرار العسكري، القيادة المدنية المنتخبة، أم دائرة ضيقة من المصالح والولاءات المتصارعة داخل البنتاجون نفسه؟

الصراع مع إيران:

لا يمكن قراءة المشهد الأمريكي تجاه إيران بمعزل عن دور كيان الاحتلال الإسرائيلي والجماعات المؤيدة له في واشنطن.

فالحرب التي اندلعت نهاية فبراير 2026 بدأت بضربات أمريكية-صهيونية مشتركة، وسط تنسيق عسكري واستخباراتي وثيق بين الجيشين، يعكس عقوداً من عمل جماعات ضغط مؤيدة للكيان الصهيوني، وفي مقدمتها "أيباك"، راكمت نفوذاً واسعاً في الكونغرس عبر التمويل الانتخابي وبناء تحالفات عابرة للحزبين.

يذهب باحثون مثل جون ميرشايمر وستيفن والت، في أطروحتهما المثيرة للجدل حول "اللوبي الإسرائيلي"، إلى أن هذا النفوذ يدفع السياسة الأمريكية في المنطقة باتجاهات تتقاطع مع أولويات الأمن الإسرائيلي أحياناً أكثر من المصلحة الأمريكية البحتة.

لكن هذه الأطروحة تظل محل خلاف حاد، إذ يرى منتقدوها أن التقارب مع كيان الاحتلال الإسرائيلي ضد إيران يعكس أيضاً حسابات استراتيجية أمريكية مستقلة: منع طهران من امتلاك قدرات نووية، وضمان استقرار الممرات البحرية كمضيق هرمز، وحماية حلفاء إقليميين آخرين - وليس استجابة للوبي وحده.

كما يشير هؤلاء إلى أن التقاء المصالح بين واشنطن وتل أبيب في هذا الملف تحديداً قد يكون نتاج تقييم استراتيجي مشترك لتهديد فعلي، لا مجرد إملاء من طرف على آخر.

وما يصعب إغفاله هو التقاطع الموضوعي بين استمرار الحرب ومصالح صناعة السلاح: فشركة ريثيون التي تزود إسرائيل بـ"القنابل الخارقة للتحصينات"، ولوكهيد مارتن المنتجة لمقاتلات "إف-35" التي يعتمد عليها سلاح الجو الإسرائيلي، شهدتا قفزات متتالية في قيمتهما السوقية مع كل جولة تصعيد.

فكل شهر إضافي من القتال يعني عقوداً جديدة للذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، سواء للقوات الأمريكية أو لكيان الإحتلال التي تواجه ضربات صاروخية إيرانية متكررة أسفرت عن عشرات القتلى وآلاف الجرحى.

هذا التقاطع بين الحسابات الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية ونفوذ جماعات الضغط يعيد بالضبط ما حذر منه أيزنهاور: منظومة يصعب فيها الفصل بين من يصنع القرار بدافع المصلحة الوطنية، ومن يصنعه استجابة لشبكة مصالح متشابكة تتجاوز الرقابة الديمقراطية المعتادة

بين استقالة وزير جيش يشتكي من عرقلة تحديث القوات في قلب حرب مفتوحة، وحرب مستمرة تغذي عقود التسليح بمليارات الدولارات، وشبكة نفوذ سياسي ومالي تتقاطع فيها مصالح شركات السلاح - وحتى محافظ بعض المشرّعين - مع حسابات الحلفاء الإقليميين، يبدو المشهد الأمريكي الراهن أقرب ما يكون إلى تجسيد حي لتحذير أيزنهاور قبل أكثر من ستة عقود.

الفارق أن التحذير كان يومها نظرة استشرافية لرئيس يودع منصبه، بينما هو اليوم واقع مُعاش تتصارع فيه القيادات على أطراف قرار لم يعد بيد أحد بمفرده، بقدر ما بات محصلة توازنات معقدة بين البنتاجون والكونغرس وشركات السلاح وحلفاء واشنطن الإقليميين.

ويبقى تحذير أيزنهاور حاضرا حتى اليوم، وربما أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ فزمام القرار الأمريكي لم يعد يبدو في يد الشعب عبر مؤسساته المنتخبة وحدها، بقدر ما تتنازعه شبكة المصالح التي حذر منها الجنرال قبل أن يغادر البيت الأبيض.

أعلى