بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، يقف السودان أمام لحظة مفصلية. الجيش يستعيد زمام المبادرة، والدعم السريع يواجه ضغوطاً متزايدة، بينما تتحرك واشنطن لفرض هدنة قبل أن يتحول التفوق الميداني للجيش إلى حسم سياسي يعيد توحيد السودان.
يدخل السودان في النصف
الثاني من عام 2026 مرحلة تختلف نوعياً عن المراحل السابقة للحرب. فاستعادة الجيش
السوداني للخرطوم في مارس 2025 كانت نقطة التحول الكبرى التي أخرجت قوات الدعم
السريع من مركز الدولة، لكن التطورات الأخيرة في كردفان تشير إلى أن الحرب انتقلت
من مرحلة الدفاع عن بقاء الجيش والدولة إلى مرحلة محاولة تفكيك العمق الجغرافي
والعسكري للدعم السريع.
وبذلك تتشكل أمام السودان
معادلة جديدة: الجيش يتقدم ميدانياً، والدعم السريع يفقد جزءاً من تماسكه، لكن
الولايات المتحدة تتحرك لمنع تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي كامل؛ بينما
تعمل مصر وتركيا والسعودية على تثبيت الدولة والجيش بدرجات مختلفة، في حين تتعرض
الإمارات لضغط دولي متزايد بسبب دورها المزعوم في إسناد الدعم السريع.
وعليه، فإن السؤال الحاسم
لم يعد: هل يستطيع الجيش هزيمة الدعم السريع؟
بل أصبح: هل يستطيع
الجيش تحويل تفوقه العسكري إلى تسوية سياسية تعيد بناء الدولة، قبل أن تتمكن الضغوط
الأمريكية والدولية من فرض تسوية تتجاوز نتائج الميدان؟
اندلعت الحرب في 15 أبريل
2023 وكانت المعادلة في بدايتها مختلفة جذرياً عن الوضع الحالي.
ففي الأشهر الأولى من
الحرب تمكن الدعم السريع من الانتشار داخل الخرطوم وأجزاء واسعة من دارفور وكردفان،
بينما اضطر الجيش إلى القتال من قواعده ومواقعه المحصنة، مستفيداً بصورة أساسية من
التفوق الجوي والمدفعية.
لكن الجيش بدأ منذ أواخر
2024 وأوائل 2025 باستعادة المبادرة، واستعاد ود مدني في يناير 2025، ثم تمكن في
مارس 2025 من استعادة الخرطوم ومواقع استراتيجية فيها. وبذلك فقد الدعم السريع أهم
ورقة كان يمتلكها: القدرة على الادعاء بأنه قوة عسكرية تسيطر على العاصمة ويمكنها
أن تكون بديلاً للدولة المركزية. ومنذ ذلك الوقت تحولت المعركة تدريجياً إلى معركة
على الغرب السوداني، ولا سيما دارفور وكردفان. وهنا تحديداً تأتي أهمية التطورات
الحالية.
أولا: لماذا
أصبحت كردفان مركز الحرب؟
كردفان ليست مجرد جبهة
عسكرية أخرى. إنها المنطقة التي تفصل عملياً بين مركز الدولة السودانية وبين الكتلة
الجغرافية التي يمثلها دارفور. فالسيطرة على شمال كردفان تمنح صاحبها القدرة على
التحكم في أحد أهم الممرات بين الخرطوم والأبيض، ومن ثم باتجاه غرب البلاد. ولهذا
اكتسبت معارك بارا وجبرة الشيخ وأم سيالا أهمية استثنائية. فقد أعلن الجيش أواخر
يوليو عن استعادة هذه المواقع ومواقع أخرى في شمال كردفان، كما عزز سيطرته على طريق
الصادرات، وهو الطريق الذي يربط الخرطوم وأم درمان بالأبيض.
لكن أهمية كردفان لا تتوقف
عند الجغرافيا. فإذا تمكن الجيش من قطع طرق الإمداد بين دارفور والمناطق الوسطى،
فإنه يستطيع الانتقال من استراتيجية الدفاع عن المدن إلى استراتيجية خنق القدرة
العملياتية للدعم السريع. وهذا فرق جوهري.
فالدعم السريع يعتمد على
الحركة السريعة، والانتشار الواسع، والإمداد الخارجي، والقدرة على نقل المقاتلين
والسلاح بين جبهات متعددة. وإذا تقلصت طرق الحركة، تحولت قوته من قوة هجومية مرنة
إلى قوة محلية محاصرة داخل مناطق نفوذها. ولهذا فإن كردفان قد تكون المعركة التي
تحدد ما إذا كانت الحرب ستبقى حرباً مفتوحة بين قوتين متقاربتين، أم ستتحول إلى حرب
استنزاف لمصلحة الجيش.
ثانيا:
الانشقاقات داخل الدعم السريع..
العامل الذي قد يكون أهم من خسارة المدن
من أهم التطورات التي لا
تحظى دائماً بالقدر الكافي من الاهتمام تزايد حالات الانشقاق والاستسلام من عناصر
الدعم السريع. وقد أشارت تقارير في أغسطس 2026 إلى موجة جديدة من الانشقاقات،
بالتزامن مع مكاسب الجيش في شمال كردفان. كما ظهرت في 19 أغسطس مجموعات من المنشقين
عن الدعم السريع وهي تنضم إلى الجيش في غرب أم درمان. وهنا يجب التمييز بين خسارة
الأرض وخسارة التماسك.
خسارة مدينة يمكن تعويضها
عسكرياً. أما انهيار الثقة داخل القوة المسلحة فهو أخطر بكثير. فالدعم السريع لم
يكن جيشاً تقليدياً يقوم على هيكل مؤسسي مماثل للقوات المسلحة، وإنما نشأ تاريخياً
كقوة شبه عسكرية تعتمد بصورة كبيرة على الولاءات الشخصية والقبلية وشبكات التمويل
والتجنيد. ولهذا فإن تراجع الثقة في القيادة، أو الاعتقاد بأن الجيش يتجه إلى تحقيق
انتصار طويل الأمد، يمكن أن يفتح الباب أمام موجة من الانشقاقات. وإذا حدث ذلك على
نطاق واسع، فقد تصبح مهمة الجيش أسهل من الناحية العسكرية والسياسية في آن واحد.
ثالثا:
البرهان يحاول نقل الحرب من الميدان إلى السياسة
التطور الأهم في سلوك
البرهان خلال أغسطس 2026 هو أنه بدأ يتحرك على مسارين متوازيين: المسار العسكري:
استمرار الحرب حتى استعادة المناطق التي يسيطر عليها الدعم السريع. المسار السياسي:
محاولة إطلاق حوار داخلي من موقع القوة.
وقد دعا البرهان إلى حوار
داخلي، وظهرت تقارير عن استعداد لمنح المشاركين فيه حصانة مؤقتة، في خطوة تعكس
محاولة لإعادة تشكيل المجال السياسي من داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. وهذه
النقطة بالغة الأهمية. فالبرهان لا يريد أن تكون المفاوضات الخارجية هي التي تحدد
شكل السودان بعد الحرب. يريد أن تكون نتائج الميدان هي نقطة الانطلاق للعملية
السياسية. بمعنى آخر: الجيش يريد أن يدخل السياسة من بوابة الانتصار العسكري،
بينما تريد واشنطن أن يدخل الطرفان السياسة قبل أن يحسم أحدهما الحرب. وهذا هو
جوهر التباين القادم.
الجيش يريد على الأرجح
تحقيق ثلاثة أهداف مرحلية مترابطة:
الأول: تثبيت الوسط
والشمال والشرق.
الثاني: قطع خطوط الإمداد
القادمة إلى الدعم السريع.
الثالث: دفع الدعم السريع
إلى الانكفاء على دارفور.
إذا تحقق ذلك، فإن الوضع
التفاوضي سيتغير جذرياً. لأن الدعم السريع سيكون أمام خيارين: إما القتال من أجل
الخروج من دارفور. أو الدخول في مفاوضات من موقع قوة أقل بكثير. وهنا يصبح الوقت
نفسه سلاحاً.
كل شهر يمر مع تحسن وضع
الجيش وتراجع خطوط الدعم السريع قد يقلل من قيمة الورقة العسكرية لحميدتي. ولهذا
فإن واشنطن تريد وقف الحرب قبل أن يصل الجيش إلى هذه النقطة.
رابعا:
الموقف المصري.
مصر هي الدولة الإقليمية
الأكثر ارتباطاً بمسألة بقاء الدولة السودانية موحدة.
القاهرة تنظر إلى السودان
من خلال أربعة ملفات:
1.
أمن الحدود الجنوبية.
2.
مياه النيل وسد النهضة.
3.
أمن البحر الأحمر.
4.
منع تحول السودان إلى دولة فاشلة أو مقسمة.
ولهذا فإن القاهرة ترى في
الجيش مؤسسة الدولة الأساسية التي يمكن أن تمنع تحول السودان إلى مجموعة كيانات
مسلحة. وقد وصفت تقارير أمريكية حديثة مصر بأنها داعم واضح للجيش السوداني.
فالسودان المنهار يمثل عبئاً أمنياً واقتصادياً وإنسانياً على مصر. ولهذا فإن
المصلحة المصرية يمكن اختصارها في المعادلة التالية: انتصار الدولة على المليشيا،
ثم تسوية سياسية؛ لا تسوية تُبقي المليشيا دولة داخل الدولة.
خامسا:
الموقف التركي
تركيا أصبحت خلال 2026
جزءاً مهماً من البيئة الإقليمية الداعمة للجيش السوداني. وتشير تحليلات استراتيجية
حديثة إلى تصاعد الدعم العسكري للجيش من جانب تركيا ومصر والسعودية، خصوصاً بعد
تصاعد الدور الإماراتي في دعم الدعم السريع. وقد زار البرهان أنقرة في 2 يونيو 2026
والتقى بأردوغان وبحضور رئيس المخابرات التركي إبراهيم قالن.
وتكتسب تركيا أهمية خاصة
بسبب خبرتها في الطائرات المسيرة والصناعات الدفاعية. وفي حرب أصبحت فيها المسيّرات
أحد أهم أدوات القتال، فإن العلاقة التركية–السودانية
تحمل قيمة عسكرية تتجاوز العلاقات السياسية التقليدية. لكن تركيا تنظر إلى السودان
أيضاً من زاوية أوسع:
البحر الأحمر، الموانئ،
إفريقيا، التجارة، وإعادة الإعمار. ولهذا يمكن أن يتحول الدعم التركي للجيش من
علاقة مرتبطة بالحرب إلى شراكة طويلة الأمد في مرحلة ما بعد الحرب.
سادسا:
السعودية.. من الوساطة إلى بناء علاقة مؤسسية مع الدولة السودانية
تطور الدور السعودي بصورة
لافتة في أغسطس 2026. ففي 17 أغسطس 2026 وقع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن
فرحان ووزير الخارجية السوداني وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي–السوداني.
ووفق وكالة الأنباء السعودية، يهدف المجلس إلى رفع مستوى التعاون والتنسيق بين
البلدين وإنشاء منصة مؤسسية لتطوير العلاقات الثنائية.
هذه الخطوة أهم من مجرد
إنشاء لجنة مشتركة. فالسعودية كانت خلال الحرب جزءاً من جهود الوساطة، وارتبط اسمها
بـمنبر جدة الذي استضافته مع الولايات المتحدة. لكن إنشاء مجلس تنسيق في هذا
التوقيت يعني أن العلاقة تنتقل من الوساطة في الأزمة إلى بناء علاقة استراتيجية مع
الدولة السودانية. وهنا يظهر البعد الجيوسياسي بوضوح. فالسودان يملك ساحلاً طويلاً
على البحر الأحمر، والسعودية تقع في الجهة المقابلة منه. وأمن البحر الأحمر بالنسبة
إلى الرياض ليس قضية بحرية فقط، بل قضية تتعلق بالتجارة والطاقة والأمن القومي. هذه
واحدة فقط من ضمن ملفات عديدة دفعت السعودية لشراكة أكبر مع الجيش منها تطورات
العلاقة مع الإمارات التي باتت تتصادم مع المصالح السعودية بشكل واضح، ومن ثم فإن
استقرار السودان ووجود سلطة مركزية قوية في الخرطوم يمثلان مصلحة سعودية مباشرة.
سابعا:
الإمارات.. من الاتهام السوداني إلى الضغط الدولي
هذه هي أكثر حلقات الملف
حساسية. فقد تراكمت خلال 2026 تقارير وتحقيقات دولية تضع شبكات مرتبطة بالإمارات في
قلب منظومة الإمداد التي تصل إلى الدعم السريع.
وفي 29 يوليو 2026 نشرت
رويترز تحقيقاً استند إلى مسودة تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة.
وقال التقرير إن طائرات
Boeing 727
مرتبطة بشبكة تجارية نقلت مقاتلين ومرتزقة وأسلحة وطائرات مسيرة إلى مناطق الدعم
السريع. والأكثر أهمية أن التحقيق الأممي تحدث عن تقديرات موثوقة بوجود 1500 إلى
2000 مقاتل كولومبي جرى تجنيدهم بواسطة شركة
Global Security Services Group (GSSG) التي
تتخذ من الإمارات مقراً لها، وشارك هؤلاء في القتال إلى جانب الدعم السريع وفي
معارك الفاشر. وفي الوقت نفسه قالت الشركة إنها لا علاقة لها بالمرتزقة في السودان،
كما نفت الإمارات هذه الصلة. لكن الأدلة الدولية أصبحت أكبر من إمكانية نفيها.
في 9 يوليو 2026 صوت
البرلمان الأوروبي بأغلبية كبيرة على قرار يدعو إلى تصنيف الدعم السريع منظمة
إرهابية، وفرض عقوبات على المسؤولين عن الهجمات ضد المدنيين وعلى جهات خارجية متهمة
بتسهيلها.
وصوت 476 نائباً لمصلحة
القرار، مقابل 28 ضده و96 امتناعاً. كما دعا القرار إلى فرض عقوبات على شركة
Global Security Services Group
التي تتخذ من الإمارات مقراً لها.
لكن التطور الأهم لم يكن
البرلمان الأوروبي وحده. ففي 13 يوليو 2026 شدد الاتحاد الأوروبي نظام عقوباته على
السودان، مستهدفاً تجارة الذهب وتعدينه، باعتبار الذهب أحد مصادر تمويل الحرب. وفي
16 يوليو 2026 فرضت بريطانيا عقوبات على 11 فرداً وكياناً مرتبطين بشبكات التمويل
والتسليح والذهب. ومن بين المستهدفين أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، الذي وصفته
بريطانيا بأنه ممول ووسيط مشتريات مرتبط بالدعم السريع، إلى جانب شركات سودانية
مقرها الإمارات، لكن للآن ورغم كل أدلة الإدانة لم تتعرض الإمارات إلى عقوبات
مباشرة.
ثامنا:
واشنطن الاحتواء المزدوج
.. ربما
لا يحظى طرفي الحرب كلاهما برضا واشنطن الكامل لكنها لا تتعامل معهما بالضرورة
بالطريقة نفسها فواشنطن أعلنت في أغسطس 2026 أنها تريد توسيع حظر السلاح ليشمل كل
السودان.
وفي جلسة مجلس الأمن، قال
مسعد بولس إن الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي لكلا الطرفين أصبح أحد أسباب
استمرار الحرب، وطالب بتوسيع الحظر ليشمل الطائرات المسيرة والتكنولوجيا المرتبطة
بها.
وهذا يعني أن واشنطن تريد
ضرب البيئة الخارجية للحرب. لكن في الوقت نفسه، فإن تصنيف الحركة الإسلامية
السودانية يجعل الضغط الأمريكي غير متوازن سياسياً.
فواشنطن تقول للدعم السريع
لن يكون هناك انتصار عسكري على الدولة. وتقول للجيش: لن يكون هناك انتصار عسكري
يعيد الإسلاميين إلى الدولة. وبذلك تسعى الولايات المتحدة إلى إبعاد الإسلاميين
المرتبطين بالنظام السابق عن مركز القرار، وعدم السماح كذلك للدعم السريع بابتلاع
الدولة.
وهذا ما دفع واشنطن إلى
تصنيف الحركة الإسلامية السودانية كحركة إرهابية ففي 9 مارس 2026 فقد أعلنت وزارة
الخارجية الأمريكية تصنيف الحركة الإسلامية السودانية/الإخوان المسلمين في السودان
كـ"حركة إرهابية". وفي 16 مارس 2026 دخل تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية حيز
التنفيذ. وتشمل التسميات الأمريكية أسماء أخرى للحركة، ومنها "الحركة الإسلامية
السودانية" و"لواء البراء بن مالك".
وهذا ليس قراراً هامشياً.
فالولايات المتحدة ترى أن هناك طرفا ثالثا من الصراع غير البرهان وحميدتي يتمثل في
القوى الإسلامية المرتبطة بالنظام السابق والتي أعادت تنظيم نفسها داخل البيئة
المؤيدة للجيش. وقد ركزت واشنطن تحديداً على لواء البراء بن مالك.
وهنا يواجه البرهان معضلة
حقيقية. فالإسلاميون والقوى المسلحة ذات الخلفية الإسلامية شاركوا في القتال إلى
جانب الجيش، وكان لهم دور في بعض المعارك المهمة، لكن التخلص منهم سياسياً وعسكرياً
في الوقت نفسه قد يكون مكلفاً للجيش. أما إبقاؤهم فسيعطي واشنطن ذريعة للقول إن
الانتصار العسكري للجيش قد يقود إلى إعادة إنتاج نظام ما قبل 2019. وهذه إحدى أهم
أوراق الضغط الأمريكية على البرهان.
في الوقت نفسه
يقود مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس المسار الأمريكي
المتعلق بالسودان. وفي 19 فبراير 2026 طرح بولس ما وصف بأنه استراتيجية ذات خمسة
محاور لإنهاء الحرب، تبدأ بهدنة إنسانية فورية، ثم الانتقال إلى وقف إطلاق النار،
وصولاً إلى مسار سياسي يقود إلى حكومة مدنية. وفي يوليو 2026 كشفت وثائق اطلعت
عليها رويترز تفاصيل أكثر عن الموقف الأمريكي.
لكن الجيش السوداني اشترط
انسحاب الدعم السريع بصورة كاملة من المدن والمناطق التي يسيطر عليها قبل قبول
التسوية. وهنا تظهر المشكلة الأساسية. فالجيش يرى أن: أي هدنة لا تغير ميزان القوة
على الأرض ستمنح الدعم السريع فرصة لإعادة تنظيم صفوفه. أما واشنطن فتخشى أن:
استمرار الحرب سيحول انتصارات الجيش إلى واقع سياسي جديد يجعل التسوية بعد أشهر
أصعب بكثير. ولهذا فإن الولايات المتحدة تحاول وقف الحرب قبل اكتمال انتصار الجيش.
السيناريوهات المحتلمة
السيناريو الأول: انتصار
عسكري تدريجي للجيش
يقوم هذا السيناريو على
استمرار تقدم الجيش في كردفان، وتزايد الانشقاقات داخل الدعم السريع، وقطع خطوط
الإمداد باتجاه دارفور إذا استمر هذا المسار، فقد يتحول الدعم السريع من قوة تنازع
الجيش على الدولة إلى قوة إقليمية محلية داخل دارفور. الاحتمال: مرتفع نسبياً.
لكن هذا لا يعني سقوط
دارفور سريعاً؛ فطبيعة المنطقة، واتساعها، وشبكاتها المحلية، وخطوط الإمداد العابرة
للحدود تجعل الحسم هناك أكثر تعقيداً.
السيناريو الثاني: تجميد
الحرب وتقسيم فعلي للنفوذ
قد يصل الجيش إلى وضع
يسيطر فيه على الخرطوم والشرق والشمال والوسط، بينما يحتفظ الدعم السريع بكتلة نفوذ
في دارفور وبعض مناطق كردفان. وهنا تتحول الحرب من حرب على العاصمة إلى صراع على
الاعتراف بالكيانات السياسية ومؤسسات الدولة. وهذا السيناريو هو الأخطر؛ لأنه قد
ينتج سوداناً موحداً على الخريطة ومنقسماً في الواقع.
السيناريو الثالث: تسوية
أمريكية قبل اكتمال الحسم
قد تستخدم واشنطن
العقوبات، وحظر السلاح، والضغط على الأطراف الخارجية، والوساطة السعودية والمصرية،
لدفع الطرفين إلى قبول هدنة. لكن نجاح هذا السيناريو يتوقف على نقطة واحدة: هل يمكن
ضمان خروج الدعم السريع من المدن ومناطق المدنيين، ثم دمجه أو تفكيكه ضمن جيش وطني
واحد؟ إذا لم تكن الإجابة واضحة، فستكون الهدنة مجرد استراحة عسكرية.