• - الموافق2026/08/17م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
زلزال في السياسة الأمريكية

كيف يكشف صعود عبد الرحمن السيد وزهران ممداني عن تحول دعم إسرائيل من ثابت سياسي أمريكي إلى قضية خلافية؟ وهل يعكس ذلك تراجع نفوذ اللوبي المؤيد لها، أم إعادة تشكيل أدواته وتأثيره في الانتخابات الأمريكية المقبلة؟


"لديك شخص في ميتشغان فاز قبل بضع ليالٍ، عبد الرحمن السيد، إنه كارثة على هذا البلد... لديه أسلوب جيد في الحديث، شاهدته، يتحدث بشكل جيد، تحدث بأسلوب لا بأس به، رأيت أفضل منه، لكن دعني أخبرك، إذا وصل أمثال هؤلاء فسيدمرون هذا البلد."

هذا كلام ترامب في مقابلة تليفزيونية عقب الإعلان عن فوز عبد الرحمن السيد، (الأمريكي من أصل مصري) في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي في ولاية ميتشغان، لاختيار الذي سيمثل الحزب في انتخابات التجديد النصفي لمقاعد الكونجرس والتي ستجري في نوفمبر القادم.

ودخل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في الحملة الموجهة ضد المرشح لمجلس الشيوخ صاحب الأصول العربية المسلمة، فذكر في لقاء بقناة فوكس نيوز الأمريكية: "أعتقد أن الرجل مجنون، وسيكون عضوًا فظيعًا في مجلس الشيوخ، وبالنسبة لسكان ميتشغان. سنوضح ذلك للناخبين".

كذلك حذر مايك جونسون رئيس مجلس النواب الأمريكي، من انتشار التطرف والاشتراكية الراديكالية داخل جناح الحزب الديمقراطي.

كما أصدرت اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري بيانات رسمية، ركّزت على كتابة اسمه الثلاثي الكامل (عبد الرحمن محمد السيد)، ووصفته بأنه متعاطف مع الإرهاب يريد تحطيم أمريكا، والسماح للإرهابيين بإدارة المشهد.

ثم عاد ترامب مجددا ليلقي بالمفاجأة، ففي مقابلة أجرتها معه شبكة ريل أمريكا فويس، قال إن "أكبر تغيير رأيته خلال ربع قرن هو ما حدث لـ"إسرائيل" واليهود، فقد كان لديهم أقوى لوبي في واشنطن".

"الآن، كما تعلمون، أصبح الجميع غير مؤيدين لـ"إسرائيل"..."إذا نظرتم إلى مجلس النواب وإلى أشخاص مثل زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، لقد أصبح تقريباً فلسطينياً... إنه لأمر مذهل حقاً، لم أرَ شيئاً كهذا من قبل".

وبذلك لا نندهش من مصطلح الزلزال الذي وصفت به الأوساط التحليلية والإعلامية في الولايات المتحدة، هذا التصاعد واستدعاء الدين والعنصرية العرقية، وهي تلك الحملة الموجهة ضد عبد الرحمن السيد، (خاصة أن الحرب الإعلامية لازالت يتردد صداها، والتي تم شنها مع انتخاب زهران ممداني كعمدة لنيويورك)، حيث دعم اللوبي الصهيوني منافسيهم بعشرات بل بمئات الدولارات، ونجح هذان الشابان بالوصول إلى امريكا بالرغم من ذلك.

فتأثير نجاح هذين الشابين ليس على استراتيجية الحزب الديموقراطي فقط.. ولكن على الحياة السياسية الأمريكية بصفة عامة، حين كان اللوبي الصهيوني يؤثر على المرشحين في أي انتخابات، بحيث تضمن دولة الكيان الصهيوني تأييد الساسة الأمريكان ودعمهم المطلق لها بالمال والسلاح.. فأصبح يوجد توجه لدى الناخب الأمريكي، بأن هناك أولويات لديه في حياته المعيشية وصحته بدلا من إنفاقها على دولة خارجية، وهذا ليس له تأثير على الحزب الديموقراطي فقط، بل أصبح هناك تيار داخل الحزب الجمهوري يستنكر الدعم المطلق للكيان.

ولكن كيف نفهم هذا التغيير الذي حدث؟ وكيف نُقيم أسبابه، ومن ثم نستطيع توقع تأثيراته على السياسة الأمريكية تجاه قضايا المسلمين، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

ولذلك فأي تحليل يريد فهم تداعيات ما حدث، والعوامل المسببة لهذا التغير، عليه أن يشرح أمرين:

الأول تحليل تأثير اللوبي الصهيوني على السياسة الأمريكية ما قبل فوز ممداني والسيد.

والثاني يقيس مقدار التغير في مرحلة ما بعد فوزهما.

تأثير اللوبي الصهيوني في مرحلة ما قبل السيد وممداني

يمكن تحليل تأثير اللوبي المؤيد للكيان الصهيوني في الولايات المتحدة، باعتباره شبكة متعددة الفاعلين وليست منظمة واحدة. فهو يضم جماعات ضغط مثل أيباك، ولجان العمل السياسي، والمانحين، ومنظمات يهودية ومسيحية مؤيدة للكيان، ومراكز أبحاث، وشبكات إعلامية، وسياسية.

والأهم أن تأثيره لا يعمل عادةً عبر إعطاء أوامر لصانع القرار، وإنما عبر التأثير في البيئة التي يتخذ فيها القرار.

واعتمد تأثير شبكات الضغط تلك (في مرحلة ما قبل صعود تيار الشباب)، على تحييد ملف السياسة الخارجية وبقائه بعيداً عن أروقة النقاش الانتخابي العام.

واتخذ ذلك اللوبي للتأثير على القرار السياسي عدة استراتيجيات:

١- إستراتيجية الردع الاستباقي

 مثل ضخ مبالغ مالية ضخمة في الانتخابات التمهيدية لإسقاط أي مرشح يحاول مناقشة المساعدات العسكرية أو ملف حقوق الإنسان في فلسطين، مما أرسل رسالة رادعة للسياسيين بأن التشكيك في التوافق السائد يعني إنهاء مسيرتهم الانتخابية مبكراً.

٢- فرض التوافق الحزبي المطلق

 وذلك ببناء حائط صد من قيادات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يضمن التوقيع الروتيني على حزم المساعدات ومبيعات السلاح، دون ربطها بشروط تشريعية أو معايير استخدام نهائي.

وهذا يمنح القضية الصهيونية درجة من الاستمرارية المؤسسية؛ بحيث لا تتغير السياسة الأمريكية جذرياً بمجرد انتقال السلطة بين الحزبين.

٣- عزل الملف عن الأولويات المحلية كتقديم المساعدات العسكرية الخارجية بوصفها أولوية أمن قومي عليا للولايات المتحدة، لا تتقاطع مع الميزانيات المحلية، ولا تخضع للمساومات المتعلقة بالتضخم أو الإنفاق على الصحة والسكن.

٤- رحلات التأثير الميداني

ومن هنا كان تنظيم وتمويل زيارات منسقة للمرشحين الجدد وأعضاء الكونغرس الجدد، لترسيخ الرؤية والتوافق السياسي قبل أن يتولوا أدواراً فاعلة في اللجان التشريعية.

٥- شبكة الاتصال والتمويل المباشر: بربط كل عضو في الكونغرس بنخبة من المتبرعين والفاعلين المحليين في دائرته الانتخابية، مما جعل توفر التمويل للحملات مرهوناً بالحفاظ على الموقف التقليدي للسياسة الخارجية المؤيد للكيان.

٦- استراتيجية التحالف مع المسيحية الإنجيلية

هذه نقطة مهمة جداً إذا أردنا تفسير حجم الدعم الأمريكي للكيان.

فالتأييد لدولة الاحتلال في الولايات المتحدة ليس ظاهرة يهودية فقط. هناك قاعدة واسعة من المسيحيين الإنجيليين المؤيدين للكيان، لأسباب دينية وسياسية وأمنية.

لذلك فإن شبكة التأثير تصبح أوسع بكثير من المنظمات اليهودية المؤيدة للكيان، وتمتد إلى قاعدة انتخابية مسيحية محافظة ذات وزن كبير، خصوصاً داخل الحزب الجمهوري.

٧- تشكيل أجندة النقاش السياسي

لا يقتصر الضغط على إقناع السياسي بأن يتخذ موقفاً معيناً، بل يبدأ أحياناً من تحديد: ما القضايا التي ينبغي أن تكون مطروحة أصلاً، وكيف ينبغي تعريفها؟

فمثلاً يمكن أن يُقدَّم موضوع معين باعتباره: قضية أمن قومي أمريكي، أو جزءاً من مواجهة الإرهاب، أو دفاعاً عن حليف ديمقراطي، أو حماية لأمن الكيان.

وبمجرد قبول هذا الإطار، تصبح الخيارات السياسية المتاحة لصانع القرار أكثر محدودية.

وهذه آلية أكثر عمقاً من مجرد الضغط المباشر، لأنها تتعلق بتشكيل إطار تفسير المشكلة.

حجم التغير في آليات عمل اللوبي الصهيوني

بعد تصاعد المد داخل الشعب الأمريكي المناهض للكيان، اضطرت لجان العمل السياسي الصهيوني في أمريكا مثل أيباك، إلى تغيير آليات عملها على الأرض بشكل جذري.

ومن خلال متابعة تصريحات زعمائهم وتحركاتهم المالية والإعلامية، تبرز الآليات والتكتيكات الجديدة التالية للمرحلة القادمة:

1. تكتيك تفتيت الأصوات ودعم مرشحين بدلاء

لم يعد اللوبي يعتمد فقط على دعم مرشح وسطي ضد مرشح يساري، بل بدأ في استخدام تكتيكات أكثر دهاءً لشق صف القاعدة التقدمية.

ففي الانتخابات التمهيدية بولاية إلينوي والتي أجريت في مارس هذا العام، قامت أيباك بضخ أموال وإعلانات في اللحظات الأخيرة لدعم مرشحة أقصى اليسار بشرى أميوالا بهدف تفتيت الأصوات بينها وبين مرشحة يسارية أخرى "كات أبو غزالة". أدى هذا التكتيك إلى فوز دانيال بيس، وهو مرشح يهودي تقدمي ولكنه لا يعارض الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني. 

2. التمويه وتجنب ذكر اسم أيباك في الحملات المضادة

وذلك بسبب تحول اسم أيباك إلى علامة تجارية سامة سياسياً، لدرجة أن شخصيات بارزة مثل حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم وزعيم الأقلية حكيم جيفريز أعلنوا رفضهم لتبرعاتها، يعتمد اللوبي الآن من خلال لجان العمل بأسماء أخرى على شن حملات هجومية شرسة ضد المعارضين للصهيونية دون ذكر اسم الكيان إطلاقاً.

3. الانسحاب التكتيكي وانتقاء المعارك وتجنب الهزائم العلنية

فللحفاظ على هالة القوة التي لا تُقهر، وتجنب إهدار ملايين الدولارات، قررت أيباك تجنب الدخول في معارك انتخابية ضد مرشحين معارضين للصهيونية يمتلكون قاعدة شعبية صلبة يصعب اختراقها. على سبيل المثال، امتنعت أيباك مؤخراً عن تمويل حملات مضادة قوية ضد ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، وإلهان عمر، ورشيدة طليب، مكتفية بتوجيه مواردها للدوائر التي ترى فيها فرصة حقيقية لإسقاط المرشح المناهض للصهيونية. وجاءت الخسارة الفادحة في ميتشغان أمام عبد الرحمن السيد لتعزيز استراتيجية الانسحاب التكتيكي هذه لتجنب المزيد من الإحراج.

4. احتواء تمرد اليمين القومي

فصعود تيار ميجا أو أمريكا أولاً، مثل تحدياً غير مسبوق للوبي. هؤلاء الناخبون المتأثرون بشخصيات يمينية متطرفة ومفكرين قوميين، باتوا يرون أن الدعم المالي والعسكري اللامحدود للكيان يتناقض مع مبدأ أمريكا أولاً، ويجر أمريكا لحروب لا تخدم مصالحها، تحديداً بعد التوترات والضربات العسكرية المشتركة ضد إيران في يونيو 2026.

ولمواجهة هذا التيار، يقوم اللوبي بتغيير لغة الخطاب الموجه للجمهوريين من القيم الديمقراطية المشتركة، إلى لغة المصالح والمنافع المباشرة للاقتصاد الأمريكي، متمثلة في صفقات الصناعات الدفاعية وتوفير الوظائف محلياً.

الخلاصة:

إن التطور الأخطر على المدى البعيد ليس فوز مرشح بعينه، وإنما تحول دعم الكيان الصهيوني من ثابت من ثوابت السياسة الأمريكية، إلى قضية سياسية قابلة للجدل والمنافسة الحزبية والانتخابية. فإذا ترسخ هذا التحول، فسيكون تأثيره على آليات اللوبي أعمق بكثير من مجرد خسارة عدد من المرشحين.

أعلى