هل تشهد تركيا نهاية قرن من الإرث الكمالي؟، حيث يجري في الداخل التركي معركة عنيفة صامتة لإعادة تشكيل هوية الدولة والمجتمع، عبر تفكيك البنية العلمانية بخطوات متدرجة لكنها في الوقت نفسه قومية وحاسمة.
منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا في ديسمبر ٢٠٠٢، وهو يخطو
الخطى نحو إعادة تموضع تركيا في العالم، واستعادة دورها القديم وماضيها العثماني،
والذي ظل ما يقرب عدة قرون يتبوأ المكانة العالمية الكبرى.
صحيح أن الخطى بطيئة ولكنها على أية حال تتقدم، وكما يقول المثل الانجليزي بطيء
ولكنه أكيد.
وسلك زعماء الحزب وعلى رأسهم رجب طيب اردوغان، طريقين للوصول إلى تلك الغاية: مسار
خارجي وآخر داخلي.
في المسار الداخلي، والذي نحن بصدده، فقد تنوعت الاستراتيجيات التي رسمها الحزب في
سبيل استعادة الدور العثماني لتركيا، وكان أبرزها: استراتيجية تفكيك العلمانية في
المجتمع التركي على مختلف الأصعدة.
ولكي نفهم تلك الاستراتيجية ونقيم مساراتها، وامكانيات نجاحها، لابد لنا من معرفة
تاريخ وجذور تغلغل العلمانية داخل تركيا، وكيف تمكنت من السيطرة على مفاصل الدولة
التركية، ثم نعرج على محاولات تفكيكها ومواجهتها من قبل الأتراك الرافضين لذلك
التوجه.
علمانية على النموذج الفرنسي!
من الناحية العلمية والسياسية، نجد أن العلمانية التركية لم تتبنَّ النموذج
الأنجلوسكسوني، والذي يكتفي بوقوف الدولة على مسافة واحدة من الأديان، بل تبنت
النموذج اليعقوبي الفرنسي والذي يطلق عليه مصطلح اللائكية، والذي يقوم على هندسة
اجتماعية تهدف إلى إخضاع الدين لسيطرة الدولة وتهميشه في الفضاء العام.
وبتتبع جذور تلك العلمانية، نجد أنها قد نمت في تركيا مع مرحلة تاريخية عرفت باسم
حقبة التنظيمات العثمانية، والتي بدأت من عام 1839 وامتدت إلى عام 1876، وجاءت كرد
فعل على تراجع الإمبراطورية العثمانية أمام أوروبا، حين ظن سلاطين آل عثمان أنهم
بحاجة للتحديث لتجنب الانهيار.
ومثلهم مثل بعض العرب في ذلك التوقيت، ظنوا أن التحديث لا يتطلب استيراد النظم
العسكرية والمجالات المدنية المادية فقط، ولكن صاحبه استيراد أفكار الغرب.
فتم استيراد قوانين تجارية وجنائية أوروبية، وإنشاء المحاكم النظامية المدنية إلى
جانب المحاكم الشرعية. كما تم تأسيس مدارس عسكرية وطبية وهندسية بخبرات ومناهج
غربية، مما اوجد جيلاً جديداً من النخب العسكرية والمدنية التي لا تخضع لسلطة
المؤسسة الدينية (العلماء).
وفي مرحلة ثانية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تشبعت النخب
العثمانية الشابة المبتعثة إلى أوروبا بالفلسفات الغربية، فقام المفكر التركي
البارز ضياء كوك ألب بنقل أفكار إميل دوركايم مؤسس علم الاجتماع الغربي، وأسس
لنظرية تفصل بين الثقافة التي يجب أن تكون قومية تركية، والحضارة التي يجب أن تكون
أوروبية غربية، مقترحاً حصر الإسلام في المجال الروحي والشخصي فقط.
وبعدها انتقلت تركيا إلى المرحلة الثالثة وهي الأخطر، فيما عرف بالثورة الكمالية،
والتي امتدت من عام 1923 إلى عام 1938.
فبعد تأسيس الجمهورية، استخدم مصطفى كمال أتاتورك سلطته والشرعية التي اكتسبها من
حرب الاستقلال، لتنفيذ جراحة جذرية في بنية الدولة والمجتمع. وتوالت الإجراءات
والتي أرست دعائم العلمانية.
فكان إلغاء السلطنة عام 1922، ثم الخلافة في عام 1924.
ثم أتبعه بقانون توحيد التعليم عام 1924، حيث جرى بموجبه إغلاق المدارس الدينية
وتم احتكار التعليم تحت مظلة وزارة التربية العلمانية.
وعلى نفس المنوال، تم إلغاء المحاكم الشرعية ومجلة الأحكام العدلية، واستبدالها
بالقانون المدني السويسري في عام 1926.
وفي عام ١٩٣٧، جرى النص رسمياً على العلمانية كأحد المبادئ الأساسية للدولة في
الدستور.
وكانت الخطوة التنفيذية الأهم، هي وضع آليات للسيطرة على مفاصل الدولة، لكي تضمن
النخبة الكمالية بقاء وتجذر هذه المفاهيم في مجتمع محب للإسلام بطبعه.
فقام النظام التركي الجديد ببناء شبكة معقدة من الآليات للسيطرة على مفاصل الدولة
أهمها:
السيطرة على المجال الديني، وعلى رأسها رئاسة الشؤون الدينية.
فبدلاً من ترك الدين حراً، ألغت الجمهورية وزارة الأوقاف وأسست رئاسة الشؤون
الدينية عام 1924، وأُلحقت هذه المؤسسة برئاسة الوزراء مباشرة، وبعدها أصبحت
الحكومة هي التي توظف الأئمة، وتدفع رواتبهم، وتوحد خطب الجمعة. هذه الآلية تمنع
ظهور أي مرجعية دينية مستقلة أو شبكات تمويل إسلامية خارج سيطرة وعين الدولة
العلمانية.
وأعقب ذلك خطوة مهمة تمثلت في إغلاق الزوايا والتكايا الصوفية عام 1925، لتفكيك أي
تجمعات دينية أهلية ذات نفوذ سياسي أو اجتماعي.
ثم استدارت الدولة إلى المؤسسة العسكرية، فجعلتها كضامن وحارس لتلك العلمانية
المتوحشة.
وجرى صياغة العقيدة القتالية للجيش التركي بحيث لا يكون مهمته فقط حماية الحدود
الجغرافية، بل حماية هوية الجمهورية العلمانية من التهديدات الداخلية، والتي أطلق
عليها الرجعية الدينية.
وتُرجم هذا عملياً عبر سلسلة من الانقلابات العسكرية العنيفة أو الناعمة، في أعوام
(1960، 1971، 1980، 1997)، قامت بها المؤسسة العسكرية، كلما شعرت أن السياسيين
المنتخبين يميلون نحو تقديم تنازلات للمد الديني أو يحيدون عن المبادئ الكمالية.
ثم انتقل فرض العلمانية إلى المؤسسة القضائية.
فتم إنشاء المحكمة الدستورية ومحكمة النقض، كجناح مدني موازٍ للجيش في حراسة
العلمانية.
وتحولت المحكمة الدستورية إلى مقصلة للأحزاب السياسية. حيث تم إغلاق وحظر العديد من
الأحزاب ذات التوجه الإسلامي مثل: حزب النظام الوطني، حزب السلامة الوطني، حزب
الرفاه، وحزب الفضيلة، بمجرد استخدامها لخطاب يتعارض مع العلمانية المتطرفة للدولة.
وعلى مسار آخر تم التحكم الصارم في الوظائف الحكومية والترقيات في الجيش والجامعات
والقضاء؛ حيث كان إبداء أي تعاطف ديني علني بمثابة عائق للترقي أو سبباً للفصل.
وفي هذا الاتجاه جرى فرض حظر صارم على ارتداء الرموز الدينية مثل الحجاب في
الجامعات والمؤسسات الحكومية والبرلمان لعقود طويلة، تكريساً لمبدأ أن الفضاء العام
يجب أن يكون علمانياً صرفاً.
بهذه الشبكة المتشابكة (قضاء حازم، جيش متحفز، بيروقراطية وتعليم موجه، وسيطرة تامة
على تعيين ورواتب الأئمة والمساجد)، تمكنت العلمانية من السيطرة التامة على هيكل
الدولة التركية لعقود طويلة.
تأجج الصراع بين العلمانية والإسلام
منذ محاولة فرض العلمانية في تركيا مع عشرينات القرن الماضي، سعت النخب المتدينة
إلى مقاومة تلك الحملة العلمانية.
ولكن جهودها ذهبت أدراج الرياح مع القبضة العسكرية الأمنية للأتاتوركيين، وغياب
المؤسسية للمتدينين في مواجهة العلمانية الحكومية.
ولكن مع منتصف التسعينات،
أدرك
الجناح الشاب في حركة أربكان (بقيادة رجب طيب أردوغان وعبد الله غول) أن الصدام مع
البنية العلمانية للدولة ينتهي دائماً بخسارة السياسي أمام العسكري والقاضي.
لذلك عند تأسيس حزب العدالة والتنمية عام 2001، تم تغيير الاستراتيجية جذرياً، فتم
تبني أسس ثلاثة:
1.
إعادة تعريف العلمانية (اللعب بقواعد الخصم):
لم يهاجم الحزب العلمانية، بل تبنى التفسير الأنجلوسكسوني لها (وقوف الدولة على
حياد تجاه كل المعتقدات) رافضاً التفسير الفرنسي (تدخل الدولة لمنع التدين في
الفضاء العام). هذا التكتيك جرد المحكمة الدستورية من مبررات حظر الحزب.
2.
توظيف المعايير الأوروبية لتقليم أظافر الجيش:
استخدم الحزب بذكاء بالغ ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي.
وبموجب معايير كوبنهاغن الديمقراطية، تمكنت الحكومة المدنية من تمرير إصلاحات
هيكلية قلصت دور العسكر، مثل: إخراج ممثلي الجيش من المؤسسات المدنية (كالمجلس
الأعلى للتعليم والإذاعة والتلفزيون)، وتقليص صلاحيات محاكم أمن الدولة. في حين لم
يستطع الجيش الاعتراض بشدة لأن الانضمام لأوروبا كان حلماً أتاتوركياً بالأساس.
3.
الهندسة المؤسسية المضادة (السيطرة على القضاء):
للقضاء على فيتو المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة، لجأ الحزب إلى أداة
الاستفتاءات الشعبية، فعبر استفتاء عام 2010، تم تغيير طريقة تعيين القضاة وزيادة
عددهم، مما سمح للحكومة بتعيين قضاة محافظين، لتنتهي بذلك هيمنة النخبة العلمانية
المتصلبة على أعلى هرم قضائي.
وبذلك التدرج، نجح أردوغان وحزبه في تحييد أدوات العلمانية الخشنة.
تسريع التفكيك الكلي للعلمانية
لم تعد استراتيجية السلطة في تركيا تقتصر على المطالبة بحرية التدين كما كان الحال
قبل عقدين، بل تحولت في الشهور الأخيرة إلى مسار هيكلي يهدف لتجريد الدولة من
طابعها العلماني المرجعي، ولضمان استمرار الفكر المحافظ حتى لو تغيرت القيادة
السياسية لاحقاً.
فأصبح الهدف لما يجري الآن هو جعل التحول الفكري من العلمانية الكمالية الصارمة إلى
العثمانية الجديدة عملية غير قابلة للعكس.
تتجلى هذه التسارعات في عدة مسارات إجرائية ومؤسسية حدثت مؤخراً:
أولا الهندسة الاجتماعية في مجال التعليم
ويعد تطبيق المنهج التعليمي الجديد المعروف بنموذج (معارف قرن تركيا) هو أخطر وأهم
الإجراءات مؤخراً، والذي بدأ تطبيقه التدريجي في المدارس اعتباراً من العام الدراسي
2024 - 2025.
فالمنهج الجديد يقلص بشكل واضح المساحة المخصصة لتدريس المبادئ العلمانية لمؤسس
الجمهورية أتاتورك. في المقابل، تم تضخيم السردية التي تمجد الماضي العثماني
والتاريخ السلجوقي على حساب تاريخ الجمهورية الحديثة.
كما تم تهميش تدريس بعض النظريات العلمية الجدلية (كنظرية التطور) لصالح تعزيز
الحصص الدينية، وإدراج مفاهيم مثل الجهاد كقيم مركزية في بعض المقررات التعليمية.
وهذا يمثل انتقالاً صريحاً من فكرة حياد الدولة إلى استخدام آليات الدولة لإنتاج
جيل متدين.
ثانيًا الاندفاع نحو دستور جديد خالٍ من الإرث العلماني
ففي أواخر 2025 وبدايات 2026، كثف التحالف الحاكم ضغوطه السياسية لصياغة دستور جديد
بالكامل، حيث صرح رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، أن الهدف هو إقرار هذا الدستور
خلال الفترة بين عامي 2026 و 2027).
ورغم
أن التبرير الرسمي هو التخلص من دستور انقلاب ١٩٨٠ العسكري، إلا أن الأوساط
السياسية والقانونية المعارضة ترى فيه محاولة لتفكيك المواد الأربعة الأولى المحصنة
في الدستور الحالي، والتي تنص صراحة على علمانية الدولة غير القابلة للتعديل.
ثالثا، محاولات تفكيك المعارضة
فلحماية وتسريع هذا التحول، استمرت وتيرة استخدام أجهزة الدولة لتحجيم المعارضة
العلمانية التي قد تعيق هذا المشروع. وفي أواخر 2025، ومارس 2026، تم تكثيف الضغوط
القانونية والقضائية بشكل استثنائي على شخصيات المعارضة البارزة، وعلى رأسهم عمدة
إسطنبول أكرم إمام أوغلو، عبر لوائح اتهام موسعة تصل عقوباتها لمدد طويلة. والهدف
الوظيفي من ذلك هو تفريغ الساحة السياسية من أي تحدٍ جدي قد يعيق مشروع الهندسة
الدستورية والاجتماعية القادم.
كذلك كان هناك دور خفي للحكومة في تحريك الخلافات والانقسامات داخل أكبر حزب علماني
ويحمل إرث أتاتورك وهو حزب الشعب.
الخلاصة
يبدو أن حزب العدالة التركي يتجه بالبلاد في خطوات سريعة لتمتين وضعه الداخلي
بالتوازي مع التطورات المتصاعدة في المنطقة، والتي يطمح فيها الحزب إلى الدفع
بتركيا لتكون اللاعب الأقليمي الأكبر.