• - الموافق2026/09/07م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ما بعد حل قسد

هل يمثل حل قسد نهاية لحالة التوترات الداخلية في سوريا، وهل يعيد هذا الحل رسم موازين القوى في المنقطة. ما الذي خسره الكيان الصهيوني، وما الذي كسبته دمشق وأنقرة، ويبقى السؤال الأخطر: هل انتهى خطر التمرد الكردي حقًا؟


"حلّ قسد صفعة استراتيجية لـ"إسرائيل" ومكسب كبير لسوريا وتركيا"

هكذا قيمت صحيفة معاريف الصهيونية، قرار حل نفسها الذي أصدرته ما يعرف بقوات سوريا الديموقراطية والتي اشتهرت اختصارا باسم قسد، والتي تمثل قطاعا من الكرد السوريين.

ولكن لماذا شعر الإعلام الصهيوني بأن ما جرى هو صفعة للكيان ومكسب لسوريا وتركيا؟

وهل الإعلان عن حل قسد واندماجها في الحكومة السورية الجديدة، معناه أن خطر تمرد فصيل من الكرد قد بات من الماضي؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون حلا شكليا؟ وأن الجزء الأكبر في قسد لا يزال موجودا؟

الصفعة الاستراتيجية

لماذا يبكي الصهاينة على حل قسد؟

لم يكن الانزعاج الصهيوني من قرار حل قسد واندماجها في الدولة السورية نابعاً من تعاطف عابر مع الأقليات، بل شكل انهياراً لمرتكزات استراتيجية طالما اعتمدت عليها العقلية الأمنية في الكيان.

لقد مثلت قسد في الرؤية الاستراتيجية الصهيونية عدة أمور:

أولا قسد كحاجز أمام تمدد تركيا في شمال سوريا:

لطالما نظرت مراكز التفكير والأبحاث الأمنية في الكيان الصهيوني إلى قسد (والوجود الكردي المسلح عموماً) كعائق جيوسياسي، يمنع تركيا من التمدد المريح في الجغرافيا السورية.

ففي ورقة تقدير الموقف الاستراتيجي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بجامعة تل أبيب عقب الغارات الصهيونية على مطار أبو الظهور، والتي صدرت في أغسطس 2026 بعنوان (خط إسرائيل الأحمر في سوريا وثمن المواجهة مع تركيا)، جرى التأصيل للسيطرة الكردية كمنطقة عازلة تقلص نفوذ تركيا وتعوق حركتها، وفقاً للباحثة غاليا ليندنشتراوس.

ثانيا وفق نظرية شد الأطراف وحلف الأقليات

فمنذ نشأته نظر الكيان الصهيوني تاريخياً إلى الكيانات الانفصالية أو غير العربية في المنطقة كحلفاء محتملين أو كأدوات لإضعاف الدول المركزية (سوريا والعراق).

ففي دراسة لمعهد ميتفيم الصهيوني بعنوان (العلاقات الإسرائيلية-الكردية في الشرق الأوسط)، دعت صراحة إلى ضرورة تبني استراتيجية إسرائيلية شاملة تجاه الأكراد كأمة موحدة يبلغ تعدادها 40 مليون نسمة.

واستخدمت الورقة مصطلحات تتطابق تماماً مع نظرية شد الأطراف، حيث نصت على أن استمرار وجود حكم ذاتي كردي فعال في الساحة السورية يخدم المصالح الصهيونية المتمثلة في اللامركزية.

ثالثا استنزاف سوريا

أيضًا دور قسد في الرؤية الصهيونية يمتد الى إشغال الجيش السوري، وتشتيت جهوده بعيداً عن الجبهة الجنوبية في الجولان، وحرمان الدولة السورية من مواردها الاقتصادية (النفط والقمح في الشرق).

ففي دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الصهيوني بعنوان (معضلات "إسرائيل" الكردية) صدرت في ديسمبر 2024. أشارت بوضوح إلى أن بقاء مساحات شاسعة خارج سيطرة دمشق يفرض عبئاً عسكرياً هيكلياً على الجيش السوري، ويمنعه من توجيه ثقله العسكري وبنيته الدفاعية نحو الجبهة الجنوبية المتاخمة للكيان الصهيوني في الجولان. 

بينما ركز معهد القدس للاستراتيجية والأمن في ورقة بحثية صدرت في يوليو 2025 على البعد الاقتصادي، مؤكدة أن سيطرة قسد على حقول النفط والغاز الكبرى وسلة الغذاء (القمح) في منطقة الجزيرة السورية، تحرم الدولة المركزية من الموارد المالية اللازمة لإعادة بناء قوتها العسكرية التقليدية، مما يبقي دمشق عاجزة عن تمويل مواجهة محتملة على جبهة الجولان.

مكاسب سوريا وتركيا

ما خسره الكيان الصهيوني ليس قسد وحدها، بل البيئة الاستراتيجية التي سمحت لقسد بأن تكون قوة مستقلة بين سوريا وتركيا.

بالنسبة لسوريا: فقد حققت عدة مكاسب لهذا الحل أهمها: استعادة احتكار الدولة للسلاح تدريجياً، وتوسيع السيطرة السيادية الجغرافية، وإنهاء أحد أهم مراكز القوة المسلحة خارج سلطة الحكومة، وبذلك تمكنت من تقليل احتمال تحول شمال شرق سوريا إلى كيان شبه مستقل.

بالنسبة لتركيا: ربما يكون المكسب التركي أكثر مباشرة، فقد تراجع التهديد القادم من تنظيم مسلح كردي على حدودها، كما تم انتقال التعامل مع الملف الكردي من مواجهة قوة عسكرية مستقلة، إلى التعامل مع أفراد ومؤسسات داخل الدولة السورية، وهذا يزيد من التعاون التركي السوري العسكري في تلك المنطقة، بدلاً من الحرب التركية الكردية.

هل حُلّت قسد فعلاً؟

يبدو السؤال الأخطر فعلا: ماذا حدث للقوة العسكرية لتلك المنظمة على الأرض؟ أين ذهب عشرات الآلاف من عناصرها وسلاحها وقياداتها وهياكلها؟

للإجابة على هذين السؤالين لابد من تفكيك اشكاليتين: آلية الاندماج: كيف تم دمج مقاتلي قسد في الحكومة والجيش السوري؟ هل تم كأفراد، أم كفصائل مسلحة شبه مستقلة.

ما هو مصير السلاح الثقيل، ومن يسيطر الآن على الترسانة العسكرية التي تراكمت لدى قسد عبر الدعم الأمريكي؟

مع العلم أن الخلاف بين الحكومة السورية وقيادات قسد أثناء مفاوضات الضم قد تمحور على آلية الاندماج العسكري: الأفراد أم الكتلة؟

ومنذ البداية تمسكت الحكومة السورية تحت قيادة أحمد الشرع بمسار دمج عناصر قسد كأفراد داخل تشكيلات الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي وفق معايير مركزية موحدة، رافضةً بقاءهم ككتلة عسكرية مستقلة ذات قيادة منفصلة لضمان سيادة الدولة ومنع تشكيل بنية مسلحة موازية.

بينما سعت قيادة قسد في المقابل إلى الحفاظ على هيكليتها التنظيمية ككتلة واحدة لضمان نفوذ سياسي ومؤسسي، غير أن توازن القوى والرفض الإقليمي القاطع لبقاء تشكيلات كردية مسلحة مستقلة أفضيا إلى تسوية قضت بتفكيك الهيكل العسكري القديم وتوزيع العناصر، مع استيعاب بعض القيادات في مناصب استشارية مدنية ضمن مؤسسات الدولة.

أما مصير ملف السلاح الثقيل والترسانة المدرعات والآليات التي تلقتها قسد عبر الدعم الأمريكي، فقد لقى تعقيدات واسعة أثناء ترتيبات الحل والانسحاب التدريجي للقوات الأجنبية من القواعد الشرقية.

لذلك ترافق الانسحاب الأمريكي، مع إعادة تموضع لبعض الترسانة الثقيلة وإخراج أجزاء منها خارج المنطقة، بينما خضعت الأسلحة المتوسطة والفردية لآليات جرد وترتيبات تسليم عينية، ضمن عهدة القطع العسكرية النظامية التابعة للجيش السوري.

وبقيت السيطرة على مخازن السلاح الاستراتيجي خاضعة لتجاذبات دقيقة بين شروط سوريا الرامية لحصر السلاح بيد الدولة المركزية، وبين الرغبة الأمريكية في تحقيق نوع من التوازنات بين الطرفين لمنع تفجر الفوضى.

لكن هناك أنباء متداولة عن وجود آليات ثقيلة لازالت في حوزة بعض رجال قسد يخبئونها في أنفاق بين الحسكة وقامشلي، لازالت خرائطها غير واضحة للجيش السوري.

مستقبل قسد وخطر التمرد

الظاهر والمعلن حتى الآن هو أن قسد اختارت إنهاء وجودها كقوة عسكرية وسياسية مستقلة، والاندماج في مؤسسات الدولة السورية الجديدة. وإذا نُفذ هذا الاتفاق كاملاً، فإن معناه لا يقتصر على تغيير الاسم أو إعادة توزيع المناصب، وإنما يعني عملياً إنهاء استقلالية قسد العسكرية، وإخضاع قواتها وسلاحها وقرارها العسكري للسلطة المركزية في دمشق.

وهذا هو المعنى الحقيقي للاندماج الكامل: أن تنتقل القوة المسلحة من كونها قوة تملك قرارها الخاص، إلى كونها جزءاً من مؤسسة الدولة، تتلقى أوامرها من القيادة المركزية وتعمل وفق هياكلها وقوانينها، بحيث لا يعود لقسد وجود عسكري مستقل يمكنه اتخاذ قرار الحرب أو الانتشار أو استخدام السلاح بعيداً عن الدولة.

لكن هنا تظهر المسألة التي تستحق المتابعة، وهي ليست بالضرورة في الاتفاق نفسه، وإنما في مدى شموله لكل القوة الموجودة على الأرض.

فهل شمل الاندماج جميع عناصر قسد وتشكيلاتها وسلاحها وشبكاتها الأمنية؟ أم أن هناك جزءاً من القوة، أو بعض عناصرها، لم يدخل فعلياً في عملية الدمج، سواء اختفى من المشهد أو احتفظ بسلاحه ومواقعه وشبكاته، وربما لجأ إلى التحصينات والأنفاق والمخابئ التي يصعب على الحكومة الوصول إليها؟

وهنا لا ينبغي القفز إلى استنتاج أن هذا الجزء موجود بالفعل ما لم تثبته المعلومات الميدانية. لكن مجرد احتمال وجود قوة غير مندمجة، يفتح سؤالاً مهماً حول مستقبل الملف الكردي.

فقد تكون عملية الحل قد أنهت قسد بوصفها تنظيماً معلناً ومؤسسة عسكرية قائمة بذاتها، بينما تبقى عناصر أو شبكات غير مندمجة تنتظر تغير الظروف التي دفعت إلى الحل: تراجع الضغوط التركية، أو تغير الموقف الأميركي، أو ضعف الحكومة المركزية، أو عودة التوتر بين سوريا وبعض القوى الكردية.

الخلاصة

لا شك أن حل قسد هو فعلاً زلزال جيوسياسي أزعج الكيان الصهيوني وأراح سوريا وتركيا.

والحل الذي جرى تنفيذه قد لا يكون جذرياً بنسبة 100%، والخلايا النائمة أو البنية التحتية الاجتماعية لقسد لن تتبخر بين ليلة وضحاها.

الاختبار الحقيقي ليس في وثيقة "الحل والاندماج"، بل في قدرة سوريا الجديدة على احتواء الحسكة وقامشلي وعين العرب سياسياً واجتماعيا واقتصادياً في السنوات القادمة لمنع تجدد أي تمرد.

أعلى