• - الموافق2026/09/09م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
هل بدأت معركة تحرير اليمن؟

هل ما تشهده اليمن من تطورات عسكرية بين الحكومة اليمنية الشرعية ومليشيا الحوثي هو معركة الحسم، أم أن الحرب بين الطرفين ما زالت سجالا، وما هي ظلال تلك التطورات إقليميا ودوليا؟


"تم اتخاذ القرار لتحرير صنعاء وحُسم الأمر"

هذا تصريح لمساعد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن سمير الصبري، تناقلته وسائل الإعلام، وتم بثه عبر التلفزيون الحكومي اليمني يوم الاثنين السابع من سبتمبر، ونُقل حرفياً في تقارير وكالات ومواقع إخبارية بصيغ متقاربة.

فمنذ عدة أيام تتوارد الأنباء عن هجوم على عدة محاور، يقوم فيها الجيش اليمني بتحرير المحافظات التي يسيطر عليها الحوثي وميليشياته العسكرية.

والغريب في الأمر أن الهجوم الذي قام به الجيش اليمني، كان قد سبقه هجوم شنه الحوثي على مدينة المخا ومحاولة الوصول إلى باب المندب والسيطرة عليه.

فهل جاءت هجمات الشرعية في اليمن كرد فعل على هجوم الحوثي؟ أم أن الأمر كان مخططًا له منذ عدة أسابيع، ومحاولة بسط الشرعية سيادتها على كامل أرجاء اليمن وتحريرها من سيطرة الحوثي، وقطع الذراع الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية، وعندما أدرك الحوثي بخطة التحرير تلك، أراد استباق الهجوم الذي كان يعد له، ويحدث خلخلة في حسابات المهاجمين؟

أم أن الأمر لا يعدو إلا أن ما جرى هو جولة قتال بين الطرفين، اعتاد اليمنيون عليها كل فترة وأخرى؟

هجوم المخا.. بداية المعركة أم محاولة لإجهاضها؟

لكي نعرف الأهداف التي كان يبتغيها الحوثي من الهجوم على المخا، لابد من استعراض تفاصيل ما حدث:

بدأ الهجوم الحوثي البري والصاروخي على محور المخا والتي تقع إداريا داخل محافظة تعز يوم الخميس 3 سبتمبر، وتطور خلال اليومين التاليين إلى أشرس اشتباكات في الساحل الغربي منذ سنوات، مع محاولة قطع طريق تعزالمخا والاقتراب من الميناء ومضيق باب المندب.

ونشر الإعلام العسكري الحكومي، بأن الحوثيين أطلقوا 14 صاروخاً بالستياً استهدفت مدينة المخا ومديرية الخوخة (الحديدة)، مع تركيز على المخا.

وحاول الحوثيون التقدم عبر جبال مقبنة وغربي تعز نحو طريق المخا، في محاولة لقطع شريان الإمداد الاستراتيجي بين تعز والميناء.

ولا توجد أرقام رسمية موثقة لعدد المقاتلين الحوثيين المشاركين في الهجوم؛ التقارير المتوفرة تذكر فقط أن الهجوم واسع النطاق، وأنه الأول من نوعه منذ سنوات، مع استخدام مدفعية ثقيلة وصواريخ بالستية ومسيرات.  بعض التقارير تشير إلى أن الحوثيين هاجموا من ثلاثة اتجاهات في منطقة البرح (قرب الحديدة/المخا)، ما يوحي بهجوم متعدد المحاور، لكن دون تفصيل عددي.

المكاسب التي حققها الحوثيون (وفق التقارير المتاحة)، أنه خلال 4872 ساعة من بدء الهجوم، تمكّن الحوثيون من الاشتباك على محاور غربي تعز ومحاولة قطع الطريق إلى المخا، لكن معظم المصادر تؤكد أن القوات الحكومية صدت محاولات الاختراق الرئيسية واستعادت تلالاً ومواقع استراتيجية.

وخلال نحو 48 ساعة، انتقلت المعارك من تعز والساحل إلى تحريك نحو سبعة محاور بدرجات مختلفة في تحركات متزامنة تمتد من الجوف وحرض إلى مأرب وتعز والحديدة والبيضاء ولحج.

ولكن كان أخطرها محوران:

أولا: الجوف، وهي أخطر تطور جديد. تقع شمال شرق صنعاء وملاصقة للسعودية، لكن الجزء الغربي منها يدخل مباشرة في عمق مناطق الحوثيين. وبعض الأنباء تتحدث عن سيطرة القوات الحكومية على معسكر اللبنات وتتقدم باتجاه الحزم، مركز المحافظة. إذا سقطت الحزم واستمر التقدم بعدها، فلن يعود الأمر مجرد استعادة أرض في الجوف، بل فتح ضغط حقيقي على الحوثيين من الشرق.

ثانيا: البيضاء، في وسط الخريطة تقريبا. وأهميتها أنها تقع بين صنعاء ومأرب وشبوة والجنوب؛ ولذلك هي عقدة جغرافية تربط عدة مناطق. لكننا ما زلنا أمام تقدم أولي وليس اختراقا عميقا للمحافظة.

بهذه التفاصيل نستطيع أن نستنتج أن الحوثيين عبر هجومهم الأخير باتجاه مدينة المخا سعوا إلى تحقيق هدف جيوسياسي مزدوج: إعادة فرض التهديد المباشر على مضيق باب المندب الممر المائي الأكثر أهمية إقليمياً ودولياً، وتشتيت كتل القوات التابعة للشرعية المتركزة في الساحل الغربي.

لقد راهن الحوثي على أن ضربة خاطفة في هذه المنطقة الاستراتيجية ستعيد ترتيب أوراق اللعبة وتفرض واقعاً تفاوضياً جديداً يمنحه اليد العليا.

غير أن التحول الدراماتيكي لم يكن في الهجوم الحوثي ذاته، بل في طبيعة الرد الذي قدمته قوات الشرعية. فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع الموضعي أو امتصاص الضربة في حدود جغرافية ضيقة، انطلقت عمليات معاكسة ومكثفة شملت محاور قتالية متعددة في مأرب، والجوف، والبيضاء، وتعز، ولحج. هذا الاتساع السريع في جبهات المواجهة ينفي فرضية العشوائية ويؤكد أننا أمام تحرك يتجاوز مجرد الاشتباك المحلي المحدود.

هل هي خطة جرى العمل عليها من شهور؟

قراءة التحركات الميدانية والعسكرية التي سبقت المعارك الأخيرة، تكشف عن إجراءات ووقائع مثبتة بقرارات رسمية وتغيرات على الأرض، تُظهر أن الحكومة الشرعية اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي كانا يعيدان بناء أدوات الحسم الشامل، والانتقال من وضعية إدارة الصراع إلى وضعية فرضه فرضاً.

تتلخص أبرز الوقائع والحقائق الموثقة التي سبقت المعركة في المحاور التالية:

أولاً: الوقائع العسكرية وتوحيد غرفة القيادة والسيطرة

١- تفعيل هيئة العمليات المشتركة:

فقد صدر قرار رئاسي بإنشاء وتفعيل هيئة العمليات المشتركة ومقرها العاصمة المؤقتة عدن تحت إشراف وزارة الدفاع. هدف هذا القرار دمج كافة التشكيلات العسكرية (الجيش الوطني، ألوية العمالقة، قوات المقاومة الوطنية، حراس الجمهورية، ألوية درع الوطن، والمقاومة التهامية) تحت هيكل قيادي وعملياتي موحد لإلغاء حالة التشتت الجغرافي والفصائلي.

 ٢-التوسع الميداني لقوات درع الوطن:

 شهدت الأشهر السابقة انتشارات عسكرية متتالية لقوات درع الوطن (المشكّلة بقرار رئاسي وتتبع القائد الأعلى للقوات المسلحة مباشرة). تضمنت العملية تسليم هذه القوات مقرات استراتيجية وتأمين الخطوط الواصلة بين عدن، لحج، والضالع، بالإضافة إلى فتح خطوط تماس جديدة مع الحوثيين ومساندة جبهات تعز والحديدة.

٣- المناورات وتكثيف التدريب وتخرج الدفعات النوعية:

شهدت المناطق العسكرية (الثالثة والرابعة والرئيسية في مأرب والساحل الغربي) تخرج عشرات الدفعات العسكرية المتخصصة في حرب العصابات، تكتيكات الاقتحام، وسلاح المدفعية والتأمين الخاطف، مع إجراء مناورات بالذخيرة الحية أُعلن فيها صراحة عن محاكاة اقتحام الجبال والسيطرة على المدن الكبرى (في إشارة إلى صنعاء).

٤- ربط مسار الساحل الغربي بمأرب والجوف:

تم فتح قنوات إمداد وتنسيق لوجستي مباشر وميداني بين قيادة القوات المشتركة في الساحل الغربي (بقيادة طارق صالح)، وبين قيادة الجيش الوطني في مأرب والجوف، مما سمح بربط محور الغرب بمركز الشمال عسكرياً لأول مرة منذ سنوات.

ثانياً: المعركة الاقتصادية (خنق شبكات الحوثي المالية)

١- قرارات البنك المركزي في عدن لنقل القطاع المصرفي:

أصدر البنك المركزي اليمني في عدن قرارات صارمة تلزم كافة البنوك التجارية والإسلامية بنقل مقراتها الرئيسية وعملياتها من صنعاء الخاضعة للحوثيين إلى العاصمة المؤقتة عدن. وتبع ذلك حظر التعامل مع البنوك غير الملتزمة وإيقاف تحويلاتها عبر نظام سويفت الدولي.

٢- سحب البساط النقدي وإلغاء العملات القادمة:

استكمل البنك المركزي نقل المنظومة المصرفية وإلغاء التعامل بالعملات الورقية الصادرة عن سلطات الانقلاب، مما أدى إلى تجفيف شريان المعاملات المالية الضخمة التي كانت تستغلها الجماعة لتمويل مجهودها العسكري، وتسبب في أزمة شلل مالي للمؤسسات التابعة لها في صنعاء.

٣- سحب إيرادات المؤسسات السيادية:

اتخذت الحكومة الشرعية قرارات بوقف تحويل إيرادات شركة الطيران الوطنية اليمنية ومؤسسات الاتصالات والقطاعات الخدمية إلى الحسابات الخاضعة لسلطة الحوثي في صنعاء، وإلزام الشركات الأجنبية والمؤسسات الدولية بالتعامل المباشر مع الوزارات والجهات التابعة للشرعية في عدن.

الحسابات الإقليمية

السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا يريد الحوثي؟ وماذا تريد الشرعية؟ بل: ماذا تغير في البيئة الإقليمية حتى أصبح تحريك الجبهة اليمنية ممكنًا الآن بعد سنوات من الجمود؟

لفهم ما يجري في اليمن الآن، لا يكفي النظر إلى خطوط القتال الداخلية أو إلى تحركات الحوثيين والجيش التابع للشرعية بمعزل عن محيطهما الإقليمي. فقد ظل الصراع اليمني لسنوات قائمًا على توازن عسكري وسياسي بالغ التعقيد؛ الحوثيون يسيطرون على الجزء الأكبر من المناطق ذات الكثافة السكانية، والقوى المناوئة لهم تملك من القوة ما يكفي لمنعهم من حسم الحرب، لكنها لم تكن تملك الظروف اللازمة لقلب المعادلة بالكامل. وهكذا استقر الصراع عند حالة من الجمود، تتخللها جولات من القتال، دون أن يمتلك أي طرف القدرة أو الإرادة على الذهاب إلى معركة حاسمة.

لكن الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة غيّرت البيئة التي نشأت فيها هذه المعادلة. فقد دخلت إيران المواجهة وهي مطالبة بإدارة عدد من الجبهات والأذرع التي بنت عليها نفوذها الإقليمي، في وقت تعرضت فيه قدرتها على الحركة والرد لضغوط عسكرية مباشرة. ولم يعد اليمن بالنسبة إلى إيران جبهة منفصلة يمكن دعمها بالوتيرة نفسها التي كانت عليها قبل الحرب؛ بل أصبح جزءًا من حسابات أكبر تتعلق بحجم الموارد المتاحة، وأولويات الرد، والحفاظ على ما تبقى من أدوات القوة الإيرانية في المنطقة.

وانعكس ذلك بصورة مباشرة على الحوثيين. فالقوة التي سمحت لهم بالحفاظ على مواقعهم طوال السنوات الماضية لم تكن ناتجة عن قدراتهم الذاتية وحدها، وإنما ارتبطت أيضًا بوجود بيئة إقليمية وفرت لهم قدرًا من الحماية والدعم والقدرة على المناورة. ومع تغير هذه البيئة، أصبح استمرار الوضع السابق أقل ضمانًا، وظهرت أمام خصوم الحوثيين فرصة لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل.

وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة والدول الإقليمية أصبحوا أكثر اهتمامًا بإعادة ضبط الوضع في البحر الأحمر، خصوصًا بعد أن تحول الحوثيون إلى عنصر مؤثر في أمن الملاحة وفي الصراع الإقليمي الأوسع. ومن هنا اكتسب الساحل الغربي اليمني وباب المندب قيمة تتجاوز الحسابات اليمنية الداخلية؛ فإضعاف الحوثيين في هذه المنطقة لا يعني فقط استعادة أراضٍ يمنية، وإنما يعني أيضًا تقليص إحدى الأدوات التي يمكن لإيران استخدامها للتأثير في البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية.

وبذلك تكون الحرب الأمريكية الإيرانية قد وفرت عاملًا خارجيًا جديدًا أخلّ بالتوازن الذي أبقى الحرب اليمنية في حالة جمود. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة، أو أي قوة إقليمية قررت بالضرورة خوض معركة تحرير اليمن نيابة عن الشرعية، وإنما يعني أن الظروف التي كانت تجعل تغيير خريطة السيطرة صعبًا أصبحت أقل صلابة.

وقد تكون القوى الإقليمية المناوئة للحوثيين قد أدركت أن نافذة الفرصة التي فتحتها التطورات الإقليمية لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، فبدأت في استثمارها عسكريًا.

ويعزز هذا الطرح، الإعلان عن تحالف مكة الدفاعي، والذي أصبح عاملا محفزا للقوى الإقليمية المؤثرة للتدثر برداء قانوني، والدخول في صراع إنهاء ملف الحوثي في اليمن.

ومن هذه الزوايا، يصبح توقيت هجوم الحوثيين على المخا أكثر دلالة؛ إذ يمكن النظر إليه باعتباره محاولة للحفاظ على المبادرة العسكرية في لحظة بدأت فيها موازين القوى المحيطة باليمن في التحول.

كما يصبح الرد الواسع للشرعية مفهومًا بصورة مختلفة: ليس مجرد رد على هجوم حوثي، وإنما ربما استثمار للحظة إقليمية جديدة تسمح للمرة الأولى منذ سنوات بمحاولة تغيير قواعد اللعبة نفسها.

أعلى