• - الموافق2026/07/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مضيق هرمز... صراع السيطرة والنفوذ

لقد أصبح مضيق هرمز حلبة الصراع الكبرى بين الولايات المتحدة وإيران، فالأخيرة تسعى للهيمنة على المضيق وهو ما يعد نقلة استراتيجية لها بعيدة ويعد عنوان نصرها، في حين تسعى الولايات المتحدة إن سحب تلك الورقة من يد الجمهورية الطامحة


"الجمهورية الإيرانية الثانية ستولد من مضيق هرمز"

هكذا نقل أحد المواقع الإيرانية هذه التصريحات عن قيادي في الحرس الثوري الإيراني، وأضاف سوف يكون المضيق مقبرة لترامب.

ولكن على الجانب الآخر، نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مسؤولين أمريكيين: نتوقع أن تصدر إيران بيانا بفتح مضيق هرمز بعد اجتماع السبت في سلطنة عمان، وستكون هناك عواقب قاسية إن رفضت طهران إصدار البيان.

وهنا الحيرة، هل توقعات القيادي في الحرس الثوري الإيراني صحيحة؟

أم أنها جزء من البروباجندا الإيرانية المعتادة، والدعاية المعروفة في زمن الحرب؟

ولماذا الإصرار الأمريكي على فتح المضيق بدون قيد أو شرط؟

قبل الإجابة على هذه الأسئلة يجب معرفة أهمية ذلك المضيق، ولماذا تحول إلى بؤرة صراعات وحروب، ظهرت إلى السطح خاصة في أعقاب الضربات الأمريكية الصهيونية على إيران في نهاية فبراير الماضي.

هرمز بين الجغرافيا والسياسة

المضائق البحرية بصفة عامة هي ممرات مائية طبيعية ضيقة، تصل بين مسطحين مائيين كبيرين، وتفصل بين كتلتين يابستين.

تُعد المضائق من أهم نقاط الاختناق الجيوبوليتيكية في العالم؛ حيث تتحكم في خطوط الملاحة التجارية وحركة الأساطيل العسكرية، مما يجعلها مصدرا للنزاعات الدولية، وأوراق ضغط استراتيجية بيد الدول الساحلية المطلة عليها.

وفي حالة مضيق هرمز، تنبع أهميته المطلقة من كونه المنفذ البحري الوحيد لمنتجي النفط الكبار مثل العراق، والكويت، والبحرين، وقطر، والممر الرئيسي لمعظم صادرات السعودية والإمارات.

يعبر هذا المضيق يومياً أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام (ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي)، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. هذا الأمر يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه كفيلاً برفع أسعار الطاقة العالمية فوراً، وتكبيد الاقتصاد العالمي خسائر فادحة.

أما عن تسميته، فتتعدد الروايات التاريخية: أبرزها ارتباطه بمملكة هرمز التاريخية التي كانت مركزاً تجارياً مزدهراً، أو نسبةً إلى جزيرة هرمز. ويرجح البعض أن الاسم يعود لجذور فارسية محرفة عن اسم أهورامزدا أو لأسماء ملوك فرس.

وقد بدأ الاهتمام الاستراتيجي بهذا الممر منذ آلاف السنين؛ حيث استخدمته الحضارات القديمة كمعبر تجاري لسلع الشرق. وفي العصر الحديث، تصارع عليه البرتغاليون ثم البريطانيون للتحكم في طرق التجارة نحو الهند. ولكن الأهمية الاستراتيجية المعاصرة التي نراها اليوم تشكلت في النصف الأول من القرن العشرين، مع اكتشاف النفط بكميات هائلة في منطقة الخليج العربي، ليتحول المضيق من مجرد ممر تجاري إلى صمام أمان لاستقرار الاقتصاد الصناعي العالمي.

ولكن بالتوغل في تفاصيل جغرافية المضيق، سنكتشف أن تلك الجغرافية عامل مهم في تأجيج الصراع حوله.

يبلغ العرض الإجمالي لمضيق هرمز في أضيق نقطة له بين الساحل الإيراني وشبه جزيرة مسندم العُمانية نحو 33 كيلومتراً (حوالي 21 ميلاً بحرياً). وبموجب القانون الدولي للبحار، تمتد المياه الإقليمية لأي دولة إلى 12 ميلاً بحرياً (نحو 22 كيلومتراً) من ساحلها. ونظراً لأن عرض المضيق أقل من 44 كيلومتراً، فإن المياه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان تتداخل، مما يعني أن السفن تعبر المضيق بموجب ما يعرف بحق المرور العابر الذي يكفل حرية الملاحة.

يبلغ العرض الإجمالي للممر الملاحي النشط 9 كيلومترات فقط، ويتم تقسيمه إلى ممر للدخول (باتجاه الخليج) بعرض 3 كيلومترات، وممر للخروج (باتجاه المحيط) بعرض 3 كيلومترات، وتفصل بينهما منطقة عازلة بعرض 3 كيلومترات لمنع تصادم الناقلات.

ونظرا لضحالة المياه نسبياً بالقرب من الساحل الإيراني والتضاريس القاعية غير المنتظمة، تم تخطيط الممرات الملاحية العميقة القادرة على استيعاب ناقلات النفط العملاقة، لتكون أقرب بكثير إلى الساحل العُماني.

ولذلك فإنه من الناحية العملية، فإن ممرات الدخول والخروج تقع في مجملها داخل المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، بمحاذاة الرأس الصخري لشبه جزيرة مسندم.

ورغم أن الممرات في مجملها تقع في المياه العُمانية، إلا أن الجغرافيا، والطمع السياسي منحت إيران تفوقاً نوعيا، يجعلها قادرة على تهديد هذه الممرات وإحداث اشتباكات، وذلك لعدة أسباب:

أهمها، الجزر التي تتحكم فيها إيران، وهي سلسلة من الجزر الصخرية التي تمثل نقاط ارتكاز عسكرية متقدمة تطل مباشرة على الممرات العمانية، ومن أهمها جزيرة قشم (أكبر جزر الخليج)، وجزيرة لاراك، وجزيرة هرمز في قلب مدخل المضيق.

وقد قام الحرس الثوري الإيراني بتحويل هذه الجزر إلى قواعد عسكرية محصنة تضم شبكات رادار متطورة، ومنصات إطلاق صواريخ مضادة للسفن مخبأة في الكهوف الجبلية، والأهم من ذلك، العديد من الزوارق الهجومية السريعة. هذه الزوارق تستغل قصر المسافة للقيام بعمليات اعتراض، أو مضايقة، أو احتجاز للسفن التجارية خلال دقائق، ثم العودة سريعاً إلى قواعدها المموّهة.

كذلك تحتل إيران الجزر الثلاث المتنازع عليها مع الإمارات (أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى)، هذه الجزر والتي تقع على مدخل المضيق الغربي، تعمل كخط إنذار مبكر ونقاط تحكم إضافية تخنق مسار الناقلات حتى قبل وصولها إلى نقطة هرمز الضيقة.

إيران والمضيق

أحدثت التطورات الاستراتيجية التي أعقبت الضربة الأمريكية-الصهيونية المزدوجة في 28 فبراير شرخاً عميقا في مبادئ الاستراتيجية الإيرانية، مما دفعت إيران إلى إعادة تقييم أدواتها الرادعة. ولذلك فإن التصريحات المتعلقة بأن الجمهورية الإيرانية الثانية ستولد من مضيق هرمز، وأن المضيق سيكون مقبرة لترامب، لا يُعد مجرد تصعيد كلامي معتاد، بل يمثل تحولاً جذرياً يعبر عن تحول كبير في الإدراك الإيراني، وتقييم المخاطر، وتغيير في حسابات التكلفة والعائد.

فقبل الحرب الأخيرة، لم تكن إيران تفكر فعلياً في الإغلاق التام للمضيق، بل استخدمته كأداة للردع الكلامي، وكساحة تحارب لعمليات منع مرور (مثل احتجاز الناقلات أو مضايقتها بالزوارق السريعة).

فإيران كانت تعتقد أن إغلاق المضيق يعني خنق الاقتصاد الإيراني ذاته، باعتباره شريان تصدير النفط الإيراني، ويعني في الوقت نفسه استدعاء حرب شاملة ومباشرة مع الولايات المتحدة.

ولكن ضربة 28 فبراير غيرت المعادلة. إذ استشعرت القيادة الإيرانية أن تلك الحرب كما هو كان معلنا، تستهدف تغيير النظام، ومنعها التام من تصدير النفط، وليس مجرد عقاب محدود، لذلك فإنه يجب عليها تفعيل ما يطلق عليه الخيار شمشون، والذي يعني إغلاق المضيق باعتباره الورقة الأخيرة المتبقية لفرض شلل كامل في سلاسل الإمداد العالمية، وإجبار القوى الكبرى على التدخل لوقف التصعيد لمنع انهيار الاقتصاد الكلي العالمي.

كذلك فإن هدف التصعيد الإيراني في هرمز كما ظهر في تصريحات قيادات الحرس الثوري يحمل اعترافا ضمنيا، بأن معادلات وتوازنات الجمهورية الأولى والتي تأسست عام 1979، واعتمدت على تصدير الثورة والميليشيات الوكيلة، قد استُنزفت أو تعرضت لضربة قاصمة.

ولذلك لضمان بقاء النظام، تحتاج القيادة إلى صدمة تأسيسية جديدة تعيد توحيد الجبهة الداخلية، وتعيد صياغة شرعية النظام على أسس عسكرية جديدة في مواجهة تهديد وجودي مباشر.

وفي هذا الخطاب، يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر مائي أو نقطة اختناق جغرافية، إلى قدر ساخن بتوليفة سياسية وعسكرية، يُعاد فيه صياغة شكل الدولة الإيرانية ومكانتها الإقليمية. فالمعركة هناك وفق التصور الإيراني أصبحت حرب استقلال ثانية، وليست مجرد اشتباك حدودي. وهناك أمر ثالث في تصريحات قيادة الحرس الثوري وهو وصف تلك الحرب بأنها باتت مقبرة ترامب.

فتلك الإشارة المباشرة إلى ترامب تعكس فهماً إيرانيا دقيقاً لنقاط الضعف في السياسة الأمريكية.

فإيران فهمت أن الإدارات الأمريكية، وخاصة تلك التي تركز على الاقتصاد الداخلي وحركة الأسواق، شديدة الحساسية تجاه أي صدمات تتعلق بارتفاعات في أسعار الطاقة.

فإيران باتت تخطط نظرياً لرفع التكلفة الاقتصادية والسياسية للضربة المزدوجة إلى مستوى لا يمكن للإدارة الأمريكية تحمله داخلياً، من خلال نشر الألغام البحرية، واستخدام أسراب الطائرات المسيرة، وبطاريات الصواريخ الساحلية المضادة للسفن انطلاقاً من جبال قشم ولاراك، لتحويل الممر الذي يبلغ عرضه 3 كيلومترات إلى فخ مميت للقطع البحرية والناقلات.

فالهدف هنا ليس تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل إحداث هزيمة اقتصادية استراتيجية للولايات المتحدة تطيح بأي مكاسب استراتيجية تحققت من ضربة 28 فبراير.

فالنظام الإيراني، وفي القلب منه الحرس الثوري أصبح يدرك أن بقاء النظام بات يتطلب أدوات ردع صفرية لم تُستخدم من قبل.

الإصرار الأمريكي

عند التأمل في المهلة الأمريكية الصارمة التي تنتهي يوم السبت، لإعلان فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة فيه، والتي ترافقت مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجيه آلاف الصواريخ نحو أهداف إيرانية تحسباً لأي تصعيد، تمثل ذروة حافة الهاوية بين أمريكا وإيران.

هذا الإصرار الأمريكي القاطع على فتح المضيق دون قيد أو شرط، وعدم قبول أي مساومات، لا ينطلق من فراغ، بل يحكمه محددان حاسمان:

1. إسقاط سلاح الابتزاز الاستراتيجي الإيراني، خاصة أنه قبل الحرب لم تكن إيران تفكر اساسا في إغلاق المضيق.

فالولايات المتحدة تدرك أن إيران تسعى لاستغلال المضيق كورقة مساومة لفرض شروطها وحماية أذرعها في المنطقة، مثل وقف الحرب في لبنان، والحفاظ على برنامجها النووي، أو إجبار السفن على دفع رسوم واتباع بروتوكولات إيرانية.

وقبول أمريكا من هذه الزاوية بفتح المضيق بالشروط الإيرانية، يعني اعترافاً دولياً ضمنياً بأن إيران تمتلك سيادة التحكم في هذا الشريان العالمي.

هذا التنازل من شأنه أن يدمر المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه الهيمنة الأمريكية العالمية وهو ضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية، ويشجع قوى أخرى (مثل الصين في بحر الصين الجنوبي) على استنساخ نفس التكتيك.

2. وقف النزيف الاقتصادي وحسابات الداخل الأمريكي

فالأزمة وإغلاق المضيق تسبب في أشد اضطراب لسلاسل الإمداد في التاريخ الحديث، حيث يحتجز المضيق خلفه 20% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال. ومع طول أمد الأزمة، بدأت الأسواق العالمية تشهد اختناقات حادة في إمدادات الطاقة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. الأمر الذي أحدث ركوداً اقتصادياً بسبب أزمة طاقة، مما يجعل عامل الوقت حرجاً للغاية ويستوجب حسماً فورياً وليس تفاوضاً ممتداً.

في المحصلة، الإصرار الأمريكي ليس مجرد عناد سياسي، بل هو قرار حاسم بكسر استراتيجية الردع غير التقليدية الإيرانية في مهدها؛ لأن نجاح إيران في فرض شروطها لفتح المضيق سيعني تغييراً أبدياً في توازن القوى بالشرق الأوسط لصالحها.

 

أعلى