• - الموافق2026/06/30م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
انكسار الأذرع الإيرانية: مأزق الحشد الشيعي وحزب الله

لا يمكن فك الارتباط بين المعركة الدائرة بين أمريكا وإيران، وبين مسارات أذرعها في لبنان والعراق، فهل تنجح واشنطن في إعادة هيكلة النفوذ الإيراني في المنطقة، أم أن طهران ما زالت تمسك بأطراف اللعبة.


يواجه الشرق الأوسط منذ أكتوبر 2023م زلزالًا جيوسياسيًا غير مسبوق، بدأ بطوفان الأقصى ويبدو أنه لن ينتهي بالحرب على إيران، لكن اللافت في الأمر هو تداعي الكثير من الثوابت التي استند إليها نفوذ طهران الإقليمي طوال أربعة عقود، وذلك تحت وطأة الحرب التي خلّفت واقعًا ميدانيًا وسياسيًا جديدًا بعد مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من كبار القادة، ثم إغلاق مضيق هرمز، وصولًا إلى التحولات الدراماتيكية الجارية اليوم في العراق ولبنان، والمتمثلة في التفكيك التدريجي لبنية الأذرع وقبولها بهيكليات رسمية وتسويات قاسية، وهي أمور لا يمكن فهمها بمعزل عن حالة الإنهاك الشامل التي ضربت المركز في طهران، حيث تحول المشروع من الهجوم القومي إلى الدفاع الوجودي. هذا المشهد المعقد يطرح تساؤلاً جوهرياً حول حقيقة التحركات الأخيرة؛ فهل نحن أمام تراجع اضطراري يسبق الانهيار التام، أم أن هناك خيوطاً لصفقة إقليمية ـ دولية كبرى تُنسج في الخفاء تحت نيران المدافع، تهدف إلى إعادة رسم خرائط النفوذ مقابل ضمان بقاء النظام في مرحلة ما بعد خامنئي الأب.

هيكلة الحشد الشيعي

في العراق، لم تكن مراسم تسليم الملف الأمني في مدينة سامراء من قبل "سرايا السلام" للجيش العراقي مجرد إجراء روتيني، بل مثّلت إعلانًا رمزيًا عن تصدع منظومة السلاح الموازي التي طالما تحدت الدولة. لقد جاء إعلان الناطق باسم القوات المسلحة العراقية حول الشروع الفعلي في إعادة هيكلة الحشد الشعبي تحت إمرة رئيس الحكومة علي الزيدي ليعكس رغبة وطنية مدعومة بضغط دولي لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وفك الارتباط بالأطر السياسية والحزبية. هذا التحول شمل فصائل وازنة مثل "عصائب أهل الحق" التي أبدت استعداداً للانفصال عن الحشد والتركيز على العمل السياسي، مما يوحي بأن هذه القوى أدركت أن غطاء طهران لم يعد كافيًا لحمايتها من الاستهداف المباشر في ظل الحرب المفتوحة التي تشنها واشنطن وتل أبيب ضد المحور.

وتشير ملامح الخطة الحكومية إلى نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وتذويب المقاتلين في وزارتي الدفاع والداخلية مع ضمان حقوقهم المالية، وهو ما يضع الفصائل أمام اختبار العقيدة العسكرية الوطنية مقابل الولاء الأيديولوجي العابر للحدود. ولا شك أن قبول هذه الأذرع بـ"التقليم الذاتي للأظافر" يعكس أزمة تمويل أيضا، حيث أدت الحرب والحصار البحري لمضيق هرمز إلى تجفيف منابع الدعم المالي المركزي من طهران، مما دفع الفصائل للبحث عن شرعية الخزينة العراقية كطوق نجاة أخير للبقاء المادي.

 

لا يمكن فهم هذه التراجعات الميدانية في العراق ولبنان دون الغوص في عمق الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني في الداخل، حيث أدت الحرب الحالية إلى تآكل هيبة الدولة وتفكك مراكز القوى التقليدية

ويمكن رصد أبعاد تفكك الميليشيات في العراق من خلال تسليم المقرات والمعسكرات في المدن الحيوية مثل سامراء للجيش، وهو ما يقرّب إنهاء ظاهرة "الدويلة داخل الدولة"، إضافةً إلى تزايد الانقسام بين الفصائل ذاتها؛ حيث اختارت بعض الفصائل الاندماج، بينما لا تزال "كتائب حزب الله" و"النجباء" ترفض نزع السلاح، والتوجه نحو تأمين وظائف حكومية مدنية لعشرات الآلاف من العناصر لفك ارتباطهم بالبنية العسكرية الميليشياوية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا الدمج قد يكون سيفاً ذا حدين؛ فإما أن تنجح الدولة في صهر هذه القوى وطنيّاً، وإما أن تتحول المؤسسات العسكرية الرسمية إلى غطاء جديد لنفوذ الميليشيات بعناوين حكومية، وهو ما تراقبه واشنطن بحذر شديد.

مأزق لبنان

على الساحة اللبنانية، فإن الاتفاق السياسي الأخير بوقف إطلاق النار، والذي جرت مفاوضاته في واشنطن، يمثل ذروة الضغوط على حزب الله الذي وجد نفسه معزولاً بعد سقوط نظام الأسد في سوريا وتدمير جسور إمداده الاستراتيجي. الاتفاق الذي ينص على إنشاء مناطق تجريبية منزوعة السلاح في الجنوب تحت سيطرة حصرية للجيش اللبناني، يهدف بوضوح إلى فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني المتفجر. ورغم الرفض العلني الذي أبداه نعيم قاسم للاتفاق ووصفه بـ "المذل"، إلا أن الواقع الميداني وتوغل القوات الإسرائيلية لما بعد نهر الليطاني وسيطرتها على قلعة الشقيف فرض واقعاً لا يمكن تجاوزه بالخطابات الأيديولوجية وحدها.

الإصرار الدولي، بقيادة إدارة ترامب، على تجريد الحزب من سلاحه كشرط لاستقرار لبنان، يضعه أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما الانخراط في انتحار عسكري للدفاع عن مصالح طهران، وإما القبول بتسوية سياسية تُعيد إحياء مؤسسات الدولة وتنزع عنه صفة المقاومة المستقلة. الرئيس اللبناني جوزيف عون وصف هذا الاتفاق بأنه الفرصة الأخيرة لمنع انهيار البلاد التام، متهماً طهران صراحةً باستخدام لبنان ورقة مساومة في مفاوضاتها مع أمريكا. هذا التوجه اللبناني الرسمي نحو السيادة يعكس قناعة متزايدة بأن فائض القوة العسكرية للميليشيات أصبح عبئاً ثقيلاً يمنع وصول المساعدات الدولية ويستجلب الدمار، خاصة بعد أن بلغت خسائر الحزب البشرية والقيادية مستويات غير مسبوقة في المواجهة الأخيرة.

وتتجلى خطورة هذا المأزق في كون الاتفاق لا يكتفي بوقف النار، بل يؤسس لمرحلة "ما بعد حزب الله" في السلطة، عبر تعزيز قدرات الجيش اللبناني بدعم أمريكي واسع لبسط سيادته على كامل الأراضي. إن استهداف إسرائيل لمقرات القيادة في الضاحية الجنوبية لبيروت، حتى بعد إعلان وقف النار، يبعث برسالة مفادها أن الحصانة قد انتهت، وأن تل أبيب لن تتردد في ضرب أي محاولة لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية للحزب، وفي ظل انشغال طهران بترتيب ما بعد الحرب ومواجهة التضخم الذي بلغ مستويات قياسية، يبدو أن الحزب مُجبر على السير في حقل ألغام سياسي قد ينتهي بتحويله إلى تنظيم سياسي منزوع المخالب العسكرية، أو مواجهة اجتياح شامل ينهي وجوده الميداني.

زلزال طهران

لا يمكن فهم هذه التراجعات الميدانية في العراق ولبنان دون الغوص في عمق الأزمة التي يواجهها النظام الإيراني في الداخل، حيث أدت الحرب الحالية إلى تآكل هيبة الدولة وتفكك مراكز القوى التقليدية. ولا شك أن مقتل علي خامنئي في ضربة جوية لم يكن مجرد غياب لشخص، بل كان صدمة لعقيدة التوسع التي كان يقودها، حيث يواجه خلفه ووريثه مجتبى خامنئي تحديات شرعية وانقسامات حادة بين تيار يريد التفاوض للبقاء وتيار يصر على المواجهة حتى النهاية. هذا الضعف في الرأس انعكس فوراً على الأطراف، التي بدأت تفقد بوصلتها الاستراتيجية وتتجه نحو البراغماتية المحلية لتجنب مصير المركز.

علاوة على ذلك، يمارس الحصار البحري الأمريكي الخانق لموانئ إيران وضغوط إغلاق مضيق هرمز دوراً محورياً في خنق قدرة النظام على المناورة، حيث بلغت قيمة العملة المحلية مستويات تاريخية من الانهيار، مما جعل تمويل الأذرع الخارجية انتحاراً اقتصادياً. طهران التي كانت تملي شروطها عبر الوكلاء، تجد نفسها اليوم مجبرة على استخدام هؤلاء الوكلاء كـ "أكباش فداء" أو "أوراق مقايضة" للحصول على إعفاءات من العقوبات أو الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة. في هذه الحالة فإن استراتيجية التقليم الذاتي للأظافر التي تنتهجها إيران حالياً هي في حقيقتها مرونة تكتيكية تهدف لالتقاط الأنفاس، وهي اعتراف صريح بعجز الموارد عن تلبية طموحات مشروع "ولاية الفقيه" العابر للحدود في لحظة الحزم الدولي.

من الناحية العسكرية، فإن تدمير أجزاء من المنشآت النووية وبعض مخازن الصواريخ الباليستية في العمق الإيراني قد جرد النظام من كثيرٍ من قوة الردع التي كانت توفر الحماية لمليشياته في الخارج. هذا العجز الدفاعي جعل الأذرع في العراق ولبنان تشعر بأنها مكشوفة الظهر، مما يفسر اندفاعها نحو الاندماج في مؤسسات الدول الحاضنة لامتصاص الصدمات وتحويل الصراع من مواجهة "دولة ضد ميليشيا" إلى صراع سياسي داخلي طويل الأمد. إن النظام الإيراني الذي كان يرى في وحدة الساحات وسيلة للهجوم، أصبح يرى فيها اليوم وسيلة لتوزيع الألم على المنطقة لعل ذلك يدفع واشنطن لوقف الحرب قبل سقوط حصن طهران.

صفقة أم تراجع؟

بالعودة إلى السؤال المركزي حول طبيعة ما يجري، فإن المعطيات تشير إلى أننا لسنا أمام صفقة بالمعنى التقليدي الذي يوزع المغانم، بل نحن أمام مسار تراجعي قسري فرضته وقائع الحرب على الأرض. طهران لم تجلس إلى طاولة المفاوضات عبر الوسيط الباكستاني إلا بعد أن تيقنت أن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية سيؤدي إلى انهيار النظام ذاته، خاصة مع استمرار الضغط الداخلي الذي قد ينفجر في أي لحظة، هذا التراجع التكتيكي في العراق ولبنان هو محاولة لشرعنة وجود الوكلاء ضمن هياكل الدولة الرسمية لضمان بقائهم كقوة كامنة يمكن تفعيلها مستقبلاً إذا ما تراخت الضغوط الدولية.

إن ما يسمى صفقة في أروقة السياسة الدولية اليوم هو في حقيقته توافق ضمني لخفض التصعيد تفرضه حاجة جميع الأطراف لالتقاط الأنفاس؛ فواشنطن تريد تأمين ممرات التجارة الدولية وتجنب حرب إقليمية شاملة قبل الانتخابات، وإيران تريد ضمان استمرار بقائها المادي. ومع ذلك، فإن هشاشة هذه التفاهمات تبرز في الخروقات المستمرة لوقف النار في لبنان، وإصرار الفصائل العراقية على الاحتفاظ بسلاحها النوعي في مخابئ سرية. لذا، فإن الرهان على أن إيران تخلت عن مشروعها التوسعي هو رهان متفائل أكثر من اللازم، بل الأصح أنها تمارس انكفاءً دفاعياً مؤقتاً بانتظار تغير في موازين القوى الدولية أو تبدل في أولويات الإدارة الأمريكية.

لكن في نفس الوقت؛ يجب الحذر من أن هذا التراجع قد يكون فخاً سياسياً يهدف إلى توريط الحكومات الوطنية في بغداد وبيروت بمسؤولية ضبط السلاح المنفلت دون منحها الأدوات الفعلية لذلك، مما قد يؤدي إلى حروب أهلية داخلية تخدم مصلحة النظام الإيراني في النهاية عبر إضعاف الدولة الوطنية. في هذه الحالة فإن الضمانة الوحيدة لتحويل هذا التراجع الإيراني إلى هزيمة استراتيجية دائمة هي بناء مؤسسات دولية وطنية قوية، مدعومة بحاضنة شعبية ترفض الارتهان للخارج، وقادرة على تجفيف منابع التمويل الموازي الذي تقتات عليه هذه المليشيات.

مستقبل الأذرع

في المنظور القريب، يبدو أن شكل الوكيل المسلح الذي عرفناه لعقود في طريقه للزوال، ليحل محله نموذج الوكيل السياسي المتغلغل في مفاصل الدولة. إن تجربة دمج الحشد في العراق وتسويات لبنان تشير إلى أن طهران أوعزت لأذرعها بضرورة التمويه المؤسساتي لامتصاص الغضب الشعبي والدولي، وهو ما يفسر تحول قادة مثل قيس الخزعلي إلى الحديث عن الاستثمار والشركات الأمريكية بدلاً من لغة المقاومة المسلحة. غير أن الخطورة تكمن في قدرة هذه الشبكات على إعادة إنتاج نفسها بسرعة فائقة؛ فالتاريخ يعلمنا أن الأذرع الإيرانية تمتلك مرونة عالية في التكيف مع الضغوط.

ختاماً، فإن انكسار الهلال الإيراني هذا العام ليس مجرد نتيجة لضربات عسكرية، بل هو حصاد لعقود من المراهنة على مشاريع وهمية أرهقت الشعوب وجففت الموارد. إن القبول بالدمج والهيكلة والتسويات هو اعتراف صريح بسقوط منطق الميليشيا أمام منطق الدولة، وهو مسار لن يكتمل إلا إذا تحولت هذه التراجعات الاضطرارية إلى استراتيجيات وطنية شاملة تنهي حقبة التبعية للأبد. مما يفتح نافذة تاريخية للدول الوطنية لاستعادة قرارها السيادي، شريطة اليقظة والحذر من محاولات هذه الأذرع لإعادة إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة الرسمية.

أعلى