هل يعني تسليم سلاح حماس نهاية المقاومة أم بداية مرحلة جديدة من الصراع؟ خلف هذا السؤال تختبئ لعبة سياسية وعسكرية معقدة، تتقاطع فيها حسابات البقاء مع شروط الهدنة.
"وحتى لو تخلّت حماس عن جزءٍ من ترسانتها في المستقبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها
مستعدّة للتخلي عن نفوذها ومكانتها في القطاع"
هذا ما ختم به الكاتب الصهيوني الشهير عاموس هرئيل مقاله في صحيفة هآرتس.
وأضاف هرئيل: "إن أوهام اليمين، بشأن الهزيمة الكاملة لحماس، وطرد الفلسطينيين من
قطاع غزة، وإقامة مستوطنة جديدة مكانها بعيدة كل البعد عن التحقق. وحتى لو تخلت
حماس عن جزءٍ من ترسانتها في المستقبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها مستعدة للتخلي
عن نفوذها ومكانتها في القطاع".
يأتي هذا المقال في خضم مرحلة خطيرة وحاسمة تمر بها القضية الفلسطينية، في أعقاب
الهدنة المؤقتة التي يمر بها قطاع غزة في منذ بداية طوفان الأقصى، والتي مارس فيها
الصهاينة حملة إبادة جماعية ضد أهالي القطاع، في محاولة لتهجيرهم من القطاع وعودة
المستوطنات اليهودية مرة أخرى.
وعلى الرغم من تراجع أعداد الشهداء من الفلسطينيين بعد الهدنة أو ما يعرف بخطة
ترامب لغزة، ولكن لا تزال حملة الصهاينة مستمرة ولم تتوقف، سواء في تصفية قادة
المقاومة وأسرهم أم في هدم المنازل وتسويتها بالأرض.
ولكن الأهم والأخطر في هذه المرحلة، هو الوصول إلى لحظة تنفيذ استحقاق وافقت عليه
المقاومة من بين شروط الهدنة، وهو تسليم سلاحها.
بينما شرعت جهات عديدة في انتقاد المقاومة لنيتها في تسليم سلاحها، دافع الكثير عن
موقف المقاومة، وطلبوا من الجميع أن يتريثوا في الحكم على المقاومة بالتخاذل
والاستسلام وأن الأمر مخالف لما يعتقدون.
فما حقيقة موقف فصائل المقاومة في غزة، من قضية تسليم سلاحها.
وما سبيلنا لفهم وإدراك موقف المقاومة الحقيقي؟
لفهم حقيقة موقف فصائل المقاومة من قضية تسليم السلاح، وما إذا كان ذلك يُعد مناورة
أم استسلاماً، يجب تحليل المشهد من زوايا سياسية وعسكرية استراتيجية، بعيداً عن
العاطفة أو الأحكام المتسرعة.
|
|
يتمثل
الهدف الاكبر للمقاومة في حماية البنية التنظيمية والقيادية من الاستئصال
لضمان استمرار المقاومة للاحتلال، ومنع التهجير القسري أو التغيير
الديموغرافي الدائم لقطاع غزة. |
فالهدنة الحالية ليست مجرد وقف لإطلاق النار؛ بل هي مسرح لإعادة رسم خريطة القوى.
والمقاومة التي تسلّم سلاحها دون ضمانات حقيقية تكون قد خسرت المعركة قبل أن تبدأ،
والتي تتمسك به دون حساب للتكلفة قد تخسر القدرة على الاستمرار. لذلك، السؤال
الحقيقي ليس هل ستسلم المقاومة السلاح؟ بل ما هي شروط وآليات أي ترتيب مستقبلي
للسلاح؟ وهذا يحتاج بالضبط إلى إطار علمي لفهم ما يحدث.
طريق للفهم
هناك ثلاث خطوات نحاول تتبعها لكي تعيننا على فهم ما يحدث:
1.
تحديد الفاعلين ومصالحهم الكبرى واستراتيجياتهم.
2.
تحليل اللعبة ثنائية المستوى.
3.
تقدير حجم الانهاك وحسابات التكلفة للطرفين.
ولنبدأ في شرح كل خطوة من هذه الخطوات:
الخطوة الاولى: الأطراف الفاعلة بين الأهداف والاستراتيجيات
تحديد الفاعلين الأساسيين وأهدافهم الوجودية والاستراتيجية يمثل حجر الزاوية لبدء
التطبيق العملي للخطوة الأولى في التحليل:
1. المقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل)
يتمثل الهدف الاكبر للمقاومة في حماية البنية التنظيمية والقيادية من الاستئصال
لضمان استمرار المقاومة للاحتلال، ومنع التهجير القسري أو التغيير الديموغرافي
الدائم لقطاع غزة.
ولذلك جاءت الاستراتيجية بإدارة كلفة الحرب عبر إبداء مرونة تكتيكية (قد تشمل
السلاح الظاهر) مقابل حماية الحاضنة الشعبية، وتثبيت النفوذ السياسي والاجتماعي
كفاعل رئيسي لا يمكن إزاحته من معادلة اليوم التالي.
2. المستوى السياسي والأمني الصهيوني
يصر الائتلاف الحكومي واليمين في أهدافه الكبرى، على تحقيق صورة الهزيمة الكاملة،
والحفاظ على التماسك السياسي الداخلي، وتوسيع المساحة العازلة داخل القطاع.
|
|
تحاول أمريكا من خلال تدخلها
في غزة ضمان أمن الكيان، وانقاذه من فخ المتشددين الصهاينة والذين أدخلوا
الكيان في حائط سد، كذلك تحاول أمريكا تهدئة المنطقة، ومنع التشتت
الاستراتيجي |
ولذلك فإن استراتيجية المؤسسة الأمنية والعسكرية لدولة الكيان تتبلور حول تحييد
التهديدات الهجومية، وتفكيك القوة الصلبة للمقاومة، مع الاستفادة من التهدئة
لاستعادة الردع دون التورط المباشر في إدارة الحياة المدنية اليومية للسكان.
3. الوسطاء والفاعلون الإقليميون (مصر، قطر وتركيا)
يتمثل الهدف الأمني، لمصر في منع التدفق السكاني القسري نحو الحدود، (الخط الأحمر
المصري بشأن سيناء)، وفي نفس الوقت فإن الاحتفاظ بالمقاومة يعد الورقة الوحيدة في
جعبة مصر لدور إقليمي متراجع.
بينما هدف قطر يتمحور حول الاحتفاظ بورقة المقاومة لضمان موقعا استراتيجيا في قلب
المعادلات الدولية، ويحول دون تفرد خصومها الإقليميين بفرض سياسات تهمش دورها
السيادي.
ويتلخص هدف القيادة التركية، في أن جزء من استقرار بنيتها الحاكمة وشرعيتها
السياسية مبني على تمثيل الفضاء الإقليمي الإسلامي، فتفكيك المقاومة بالكامل يُقرأ
داخلياً وخارجياً كهزيمة للمشروع الإقليمي التركي وكسر لتوازن القوى لصالح إسرائيل.
لهذه الأسباب قامت استراتيجيات الدول الثلاث الوسيطة على تثبيت الهدنة، وقيادة جهود
الإغاثة وإعادة الإعمار، والحفاظ على موقع الوسيط النافذ والمقبول من جميع الأطراف،
والضغط على الوسيط الأمريكي لكي يقوم بدوره بإلزام الصهاينة بتطبيق الخطة، وفي نفس
الوقت ترشيد استجابة المقاومة في تعاملها السياسي.
4. الطرف الدولي الضامن (الإدارة الأمريكية)
تحاول أمريكا من خلال تدخلها في غزة ضمان أمن الكيان، وانقاذه من فخ المتشددين
الصهاينة والذين أدخلوا الكيان في حائط سد، كذلك تحاول أمريكا تهدئة المنطقة، ومنع
التشتت الاستراتيجي،
بتجنب التورط العسكري المباشر في حرب إقليمية واسعة تُعطل تفرغها لمواجهة الصين
وروسيا.
لذلك جاءت الاستراتيجية الأمريكية لتحاول إيجاد صيغة حوكمة جديدة لقطاع غزة؛ تضمن
الأمن للكيان، وتدمج أطرافاً عربية ودولية في إدارة المرحلة الانتقالية، مع الحد من
الأعباء الدبلوماسية والتنفيذية للنزاع.
والخلاصة: دولة الكيان تهدف إلى تحويل خطة ترامب إلى تصفية سياسية وعسكرية كاملة
للمقاومة، بينما تسعى المقاومة لتحويله إلى مجرد مناورة تنفذ انحناءً مرحلياً يحفظ
الذات والنفوذ.
الخطوة الثانية: تحليل اللعبة ثنائية المستوى
يعتمد تحليل اللعبة ثنائية المستوى على المفهوم الذي طوره عالم السياسة روبرت
بوتنام، على أن أي مفاوض أو صانع قرار يخوض معركة على جبهتين متزامنتين:
المستوى
الأول (الخارجي الدولي)، حيث طاولة المفاوضات الإقليمية والدولية للتوصل إلى صفقة
أو اتفاق.
المستوى
الثاني (الداخلي المحلي)، حين تتركز القدرة على تمرير هذا الاتفاق وإقناع الجبهة
الداخلية (القواعد الشعبية، الأجنحة العسكرية، والائتلافات السياسية) بقبوله دون
السقوط أو فقدان الشرعية.
لتطبيق
هذه الخطوة على ملف تسليم السلاح وضوابط الهدنة في غزة، بالنسبة للمقاومة
الفلسطينية (حماس والفصائل) نجد الآتي:
1.
الضغوط والالتزامات على المستوى الخارجي:
تتعرض
قيادة الحركة لضغوط مكثفة من الوسطاء الإقليميين (مصر، قطر، تركيا) والضامنين
الدوليين للتعاطي المرن مع شروط الهدنة، وصيغ إدارة قطاع غزة، بما في ذلك تقديم
تنازلات إجرائية حول الترسانة العسكرية، والقبول بإدارة مدنية لتفادي الاستئصال
وإيقاف نزيف الحاضنة الشعبية.
ولذلك
تحاول حماس إظهار مرونة تفاوضية، لمنع التحلل من التزامات الهدنة الدولية وكسب
الوقت لإعادة الإعمار والالتقاط الأنفاس.
2.
القيود والخطوط الحمراء على المستوى الداخلي:
تتمثل
الجبهة الداخلية للحركة في الجناح العسكري (كتائب القسام)، والقواعد التنظيمية
الصلبة، والحاضنة الشعبية التي دفعت أثماناً باهظة.
فتسليم السلاح المادي بشكل مهين، أو دون مقابل سياسي ملموس (مثل مسار موثوق لإنهاء
الاحتلال ودولة فلسطينية)، يُعد انتحاراً سياسياً وإستراتيجياً، وسيُقرأ داخل
الحركة كاستسلام يفكك بنيتها ويُفقدها مشروعيتها الوجودية.
3.
منطقة التوافق الممكنة لدى المقاومة:
هذه المنطقة تتبلور في نظر المقاومة، في الموافقة على صيغ تكتيكية بالمستوى الأول
(مثل: تجميد السلاح الظاهر، أو تحويل إدارة بعض المظاهر الأمنية لهيئة توافق وطني)
شريطة ألا يمس ذلك البنية الكامنة للمقاومة، لضمان تسويقها في المستوى الثاني
كانحناءة مرحلية لحماية الشعب، وليس كتجريد تام من القوة.
الخلاصة: القضية ليست مجرد نص يُوقع، بل مدى قدرة كل طرف على صياغة جمل تسمح
للمقاومة بالحفاظ على بنيتها الثلاثية (المستوى الثاني)، بينما تمنح الوسطاء والخصم
نصاً يستجيب لمتطلبات الهدنة (المستوى الأول).
الخطوة الثالثة: تقدير حجم الانهاك وحسابات التكلفة للطرفين
يستند تقدير توازن الإنهاك، إلى مفهوم في علم السياسة يطلق عليه "الجمود المؤلم
المتبادل"؛ وهو اللحظة التي يدرك فيها الطرفان أن كلفة استمرار القتال المباشر باتت
تتجاوز أي مكاسب استراتيجية متوقعة.
ففي جانب المقاومة الفلسطينية (حماس والفصائل)، تتنوع مؤشرات الإنهاك، وحجم النزيف:
فهناك الإنهاك المجتمعي، مثل الضغط الهائل الناتج عن الكلفة البشرية غير المسبوقة
للحاضنة الشعبية، والتدمير الشامل للبنية التحتية، وخطر الانهيار المجتمعي
والتهجير.
وهناك أيضا الإنهاك العسكري، من استنزاف جزء كبير من الترسانة الصلبة (خاصة
الصاروخية والثقيلة)، وفقدان العديد من الكوادر والقيادات التنظيمية، وصعوبة خطوط
الإمداد.
وهذان الانهاكان، أدى إلى أمرين:
الأمر الأول، أن كلفة استمرار القتال بالشكل الحالي، يعني المخاطرة بالفناء الكامل
للحاضنة الشعبية، وتحقق مخطط التهجير القسري وتصفية الوجود التنظيمي.
والأمر الثاني، أن كلفة المرونة التفاوضية وبالذات التعاطي مع بند السلاح، يؤدي الى
القبول بتنازلات مؤلمة لإيقاف الحرب، مقابل المكسب الأكبر وهو البقاء على الأرض،
وحفظ النواة التنظيمية، وتجنب التصفية الوجودية.
أما في جانب الاحتلال الصهيوني، هناك أيضا مؤشرات إنهاك:
أولها الإنهاك العسكري والاقتصادي مثل تآكل قوات الاحتياط، واستنزاف الذخائر
والمعدات، والكلفة المالية الباهظة للحرب الممتدة، والانكماش الاقتصادي.
وهناك أيضا الإنهاك السياسي والدبلوماسي، مثل اتساع العزلة الدولية، والملاحقات
القانونية للقيادات، وتزايد الانقسام الداخلي الحاد، وفقدان الردع الشامل.
فباتت كلفة استمرار القتال، معناها التورط في حرب استنزاف وحروب عصابات طويلة
المدى، دون القدرة على تحقيق حسم سياسي أو عسكري ناجز، وأظهر عجزا عن تحقيق هدف
الهزيمة الكاملة لحماس، مما يُظهر حدود القوة الصهيونية، ويُهدد الاستقرار السياسي
للحكومة.
الخلاصة: قضية تسليم السلاح في حسابات التكلفة ليست استسلاماً مجانياً، بل هي نتاج
وصول الطرفين إلى نقطة تناقص العوائد الاستراتيجية من القتال المباشر؛ حيث تحاول
المقاومة دفع أثر الإنهاك عن جمهورها عبر تنازل شكلي أو تكتيكي، بينما يحاول
الاحتلال تسويق هذا التنازل للداخل كإنجاز يغطّي على عجزه عن إحراز هزيمة كاملة
للمقاومة.