• - الموافق2026/09/14م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ما وراء الخلاف الجزائري الإماراتي؟

لماذا اختارت الجزائر القطيعة مع الإمارات في لحظة إقليمية شديدة التعقيد؟ وهل كانت الخطوة نتيجة حادثة أخيرة تجاوزت خطًا أحمر، أم أنها النهاية المفاجئة لمسار طويل من الصدام الصامت؟ خلف القرار قصة لم تُكشف فصولها كاملة بعد.


يوم الخميس الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية في بيان لها مفاجئ قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات. وأضافت أنه "جرى استقبال سفير الإمارات العربية المتحدة في مقر وزارة الشؤون الخارجية حيث أُبلغ رسمياً بفحوى القرار، كما أُعلم بأنه مُنح مهلة قدرها 48 ساعة للامتثال لهذا القرار.

وبعدها أعلنت الجزائر إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية، ومنع عبورها الأجواء الجزائرية، وأبقت على استثناء وحيد، ولفترة محدودة حتى نهاية العام الجاري، للطائرات الإماراتية التي تؤمّن رحلات تجارية من مطار الجزائر الدولي وإليه.

وأرجعت الخارجية الجزائرية قرار قطع العلاقات إلى "تزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة". وأضاف بيان الخارجية الجزائرية أنه "على الرغم من التحذيرات العديدة، واصلت دولة الإمارات العربية المتحدة تماديها في هذه التصرفات، التي بلغت حدوداً لم يعد من الممكن معها اعتبارها مقبولة أو قابلة للتحمّل في إطار العلاقات القائمة بين دولتين ذواتي سيادة، أو أن تبقى من دون رد".

ولم يذكر البيان الجزائري فحوى ما أطلق عليها التصرفات الاستفزازية والعدائية من جانب الإمارات.

فهل نحن أمام حادثة محددة فجّرت الأزمة، أم أن قرار الجزائر هو نتيجة تراكم طويل لخلافات تتجاوز العلاقات الثنائية إلى ملفات المنطقة؟

فالخلاف الجزائري الإماراتي لا ينبغي قراءته من خلال البيان الجزائري وحده؛ فالبيان يشرح سبب القرار الدبلوماسي، لكنه لا يكشف بالضرورة جذور الأزمة. وهذه الجذور قد تكون موزعة بين ليبيا والساحل أو غيرهما، وربما في الموقف من الكيان الصهيوني وإعادة تشكيل النظام الإقليمي.

نبدأ بالبحث عن ما حدث خلال الأشهر أو السنوات الأخيرة والذي جعل الجزائر ترى أن الإمارات تجاوزت حدود الخلاف السياسي الطبيعي.

وهنا يمكن طرح احتمالين:

الأول: أن الحدث الأخير لم يكن سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة من الخلافات، بعضها معلن وبعضها بقي خلف الأبواب المغلقة.

الثاني: وجود تصرف إماراتي محدد كان بمثابة القشة التي قصمت العلاقة.

وهذا هو الطريق الذي سنسلكه في تحليل أسباب الخلاف.

الجزائر والإمارات في صراع المحاور

لا يمكن فهم الخلاف الجزائري الإماراتي بمعزل عن الصراع الأوسع على النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. فالبلدان، وإن اختلفا في الحجم والجغرافيا والأدوات، ينطلقان من حسابات تتعلق بمصالحهما ومكانتهما الإقليمية وطموحهما، بحيث يسعيان إلى توسيع هامش حركتهما والتأثير في محيطهما. ومن ثم، فإن التباين بينهما لا يتعلق بصراع بين دولة تتمسك بالمبادئ وأخرى تبحث عن النفوذ، وإنما بين دولتين تسعيان إلى النفوذ، لكن من خلال رؤيتين مختلفتين للتحالفات ومصادر القوة والقضايا التي تمثل مجالاً حيوياً لكل منهما.

فالجزائر، بحكم حجمها وموقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية، لا تنظر إلى نفسها كدولة محايدة في صراعات المنطقة، وإنما كقوة إقليمية لها مصالح ومجال نفوذ ينبغي الحفاظ عليه وتوسيعه. وتكتسب ليبيا ومنطقة الساحل أهمية خاصة في هذا التصور، ليس فقط بسبب قربهما الجغرافي، وإنما لأن أي تغير في موازين القوى فيهما، يمكن أن ينعكس مباشرة على الأمن الجزائري وعلى مكانة الجزائر كإحدى القوى الرئيسية في شمال إفريقيا.

وفي المقابل، طورت الإمارات خلال العقد الأخير نموذجاً أكثر نشاطاً في بناء النفوذ الإقليمي، مستفيدة من قدراتها المالية وشبكة علاقاتها السياسية والأمنية، ومن حضورها المتزايد في ملفات عربية وإفريقية متعددة. ولذلك لم يعد نفوذها محصوراً في الخليج، وإنما امتد إلى ساحات مثل ليبيا والسودان والقرن الإفريقي والساحل، فضلاً عن علاقاتها المتنامية مع المغرب والكيان الصهيوني. وهذا التوسع جعلها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حاضرة في عدد من المناطق التي تعتبرها الجزائر جزءاً من مجالها الاستراتيجي.

ومن هنا بدأت نقاط الاحتكاك تتزايد.

ففي ليبيا، يمثل هذا الملف أحد أبرز ساحات التنافس غير المباشر بين الجزائر والإمارات، لأن الخلاف بينهما في ليبيا يتجاوز الموقف من الأطراف المحلية إلى اختلاف أوسع في تصور كل دولة لشكل النظام الإقليمي ومصادر النفوذ فيه.

فالجزائر تنظر إلى ليبيا باعتبارها جزءاً من عمقها الأمني المباشر، بحكم الحدود المشتركة وحساسية انتقال السلاح والجماعات المسلحة، وعدم الاستقرار في أراضيها. ولهذا تميل إلى دعم مسار سياسي يحافظ على وحدة الدولة الليبية، ويرفض بصورة عامة التدخلات العسكرية الخارجية، مع محاولة إبقاء الجزائر طرفاً رئيسياً في أي ترتيبات سياسية وأمنية تخص ليبيا. ومن ثم فإن النفوذ في ليبيا بالنسبة للجزائر ليس مجرد مكسب جيوسياسي، بل يرتبط مباشرة بأمن حدودها ومكانتها كقوة إقليمية في المغرب العربي والساحل.

في المقابل، تبنت الإمارات منذ سنوات سياسة أكثر انخراطاً في الملف الليبي، ودعمت بصورة واضحة معسكر خليفة حفتر، وقدمت له دعماً سياسياً وعسكرياً في مواجهة حكومة الوفاق والقوى الإسلامية والميليشيات المرتبطة بها. وكان هذا جزءاً من رؤية إماراتية أوسع تقوم على مواجهة تيارات الإسلام السياسي، وبناء علاقات وثيقة مع القوى العسكرية والمحلية القادرة على إنتاج سلطة مركزية مستقرة. كما أن ليبيا تمثل بالنسبة للإمارات موقعاً مهماً ضمن شبكة نفوذها في شمال إفريقيا والبحر المتوسط.

لذلك لا يمكن اختزال التنافس في ليبيا في سؤال: من يؤيد حفتر ومن يؤيد خصومه؟ بل هو في جوهره تنافس على شكل الدولة الليبية، وعلى القوى التي تمتلك التأثير في مستقبلها، وعلى موقع كل من الجزائر والإمارات داخل الخريطة الجديدة للنفوذ في شمال إفريقيا والساحل.

وفي الساحل الأفريقي، يمثل الساحل أحد أهم المجالات التي يتقاطع فيها النفوذ الجزائري والإماراتي، وإن لم يصل الأمر إلى مستوى صراع مباشر بين البلدين. فالجزائر تنظر إلى المنطقة، ولا سيما مالي والنيجر، باعتبارها امتداداً لأمنها القومي ومجالاً حيوياً لمكانتها الإقليمية، بحكم حدودها الواسعة مع منطقة الساحل وتاريخ حضورها السياسي والأمني فيها، ولا سيما دورها في الوساطة بين أطراف الأزمة المالية واتفاق الجزائر للسلام عام 2015. ولذلك فإن تراجع النفوذ الجزائري في هذه المنطقة، أو دخول قوى إقليمية أخرى بصورة مؤثرة، يمثل بالنسبة إليها خسارة في الأمن والنفوذ معاً.

في المقابل، وسعت الإمارات خلال السنوات الأخيرة حضورها في إفريقيا من خلال شبكة من العلاقات السياسية والاستثمارات الاقتصادية والشراكات الأمنية، ولم يعد اهتمامها بالقارة محصوراً في شرق إفريقيا أو البحر الأحمر، وإنما امتد إلى مناطق ترتبط بالساحل بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتمنح الاستثمارات الإماراتية (في الموانئ والموارد الطبيعية والتجارة والطاقة، إلى جانب العلاقات مع الحكومات والقوى المحلية) قدرة على امتلاك أدوات نفوذ تتجاوز الأدوات الدبلوماسية التقليدية.

وتكمن حساسية الأمر بالنسبة للجزائر في أن هذا الحضور الإماراتي يتزامن مع إعادة تشكيل شاملة لخريطة التحالفات في الساحل بعد الانقلابات العسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتراجع النفوذ الفرنسي، وصعود الدور الروسي، وتنافس قوى إقليمية أخرى على بناء علاقات مع الأنظمة الجديدة.

وفي ظل هذه البيئة، تخشى الجزائر من أن يؤدي دخول قوى جديدة إلى تراجع دورها التقليدي في محيطها الجنوبي، خصوصاً إذا تقاطع النفوذ الإماراتي مع نفوذ المغرب، خصم الجزائر الإقليمي.

ومن ثم، فإن التنافس الجزائري الإماراتي في الساحل لا يدور بالضرورة حول السيطرة على دولة بعينها، وإنما حول من يمتلك القدرة على التأثير في مستقبل منطقة تتحول إلى إحدى أهم ساحات إعادة توزيع النفوذ في إفريقيا. فالجزائر تريد الحفاظ على موقعها كقوة إقليمية رئيسية في جوارها الجنوبي، بينما تسعى الإمارات إلى توسيع شبكة نفوذها الإفريقية؛ ومع تداخل المجالين، يصبح التنافس أحد جذور التوتر الأوسع بين البلدين.

وهنا تبرز قضية الكيان الصهيوني بوصفها عاملاً إضافياً في تباعد خيارات البلدين، وإن لم تكن بالضرورة سبباً مباشراً للصراع. فالجزائر جعلت من دعم القضية الفلسطينية ورفض التطبيع جزءاً واضحاً من خطاب سياستها الخارجية، لكن من الصعب فصل هذا الموقف عن حساباتها الإقليمية، ولا سيما أن المغرب، خصمها الإقليمي الأبرز، طور بدوره علاقات وثيقة وخاصة العسكرية مع الكيان. ولذلك فإن الموقف الجزائري من الكيان يجمع بين اعتبارات سياسية وأيديولوجية وحسابات مرتبطة بالتنافس مع المغرب، خاصة أن العلاقة الإماراتية الصهيونية قد تجاوزت مرحلة التطبيع إلى إعادة بناء شبكة التحالفات الإقليمية في مواجهة تهديدات ومنافسين مشتركين.

وبذلك لا تبدو الجزائر والإمارات طرفين في خلاف حول ملفات منفصلة، وإنما دولتين تتحركان داخل صراع أوسع على النفوذ وعلى شكل التوازنات الإقليمية الجديدة. فالجزائر تريد الحفاظ على موقعها كقوة رئيسية في المغرب العربي والساحل، وعدم السماح لقوى إقليمية أخرى بأن تبني نفوذاً يمكن أن يقترب من مجالها الحيوي أو يؤثر في خصومها، بينما تسعى الإمارات إلى توسيع شبكة نفوذها وشراكاتها عبر هذه المناطق، مستفيدة من قدرتها على العمل مع أطراف وقوى متعددة في الوقت نفسه.

وهكذا تصبح ليبيا والساحل والمغرب والكيان الصهيوني أكثر من مجرد ملفات خلافية؛ إنها ساحات يمكن من خلالها قياس تباين المصالح بين البلدين، وموقع كل منهما داخل شبكة المحاور التي أخذت تتشكل في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

ولكن الأهم هنا أن هذا التنافس لم يكن كافياً وحده لقطع العلاقات. فقد تمكن البلدان، رغم اختلافاتهما، من إبقاء الخلاف في حدود يمكن إدارتها دبلوماسياً. ولذلك فإن السؤال هنا ما الذي تغير حتى قررت الجزائر الانتقال من إدارة التنافس إلى القطيعة؟ وما التصرف الإماراتي الذي اعتبرته الجزائر تجاوزاً للخط الأحمر؟

شرارة التفجير

هل هناك شرارة حقيقية قد تكون حادثة أمنية أو استخباراتية حديثة لم تُكشف تفاصيلها بعد، وليس إعلاناً سياسياً علنياً. السبب أن الجزائر استخدمت عبارة (تحذيرات عديدة) ثم قرنتها بعبارة (تصرفات... عدائية). هذه اللغة عادةً تعني أن هناك ملفاً تراكمياً محدداً تعرفه الأجهزة والحكومات أكثر مما يعرفه الجمهور، ولم يتم الكشف عنه بعد.

أم أن الأمر وصل إلى التراكمات (التي سبق وأن شرحناها) لدرجة لم تعد الحكومة الجزائرية قادرة على تخطيها... الأيام القادمة ستتضح الأسباب الحقيقية، وستظهر القصة وجانبها المخفي في وسائل الإعلام.

أعلى