المخا عقدة الجغرافيا التي تختصر صراع اليمن والمنطقة. التي صنعت التاريخ قديما وتحاصرها الجغرافيا اليوم، فمن يسيطر عليها يقترب من باب المندب، ويضيّق الخناق على خصومه، ويمتلك ورقة في معادلة الملاحة الدولية. فهل تتحول رائحة البن مجدداً إلى رائحة البارود؟
ثمة مدن تكتب التاريخ
بصمت، وأخرى يكتب التاريخ قصتها بالبارود. والمخا، تلك البلدة اليمنية الصغيرة
المطلة على البحر الأحمر، عرفت الحالين معاً؛ فقد كانت يوما عاصمة عالمية للبُن
يشار إليها من هولندا إلى إسطنبول، وها هي اليوم تتصدر نشرات الأخبار العسكرية لا
لشيء إلا لأن الجغرافيا لا تنسى، ولأن من يملك ستة كيلومترات من الساحل قرب باب
المندب يملك، شاء أم أبى، جزءا من تاريخ العالم.
لم يكن اسم "موكا" الذي
نردده اليوم أمام آلات القهوة الفاخرة سوى صدى بعيد لميناء يمني حقيقي، شكل بين
القرنين الخامس عشر والسابع عشر السوق الرئيسية لتصدير البن إلى العالم، وأخذت قهوة
الموكا والموكاتشينو اسمها منه. لم تكن المخا يومها مجرد مرفأ للتصدير، بل كانت
عقدة تجارية حقيقية، تصدّر مع البُن والبخور وأعواد الأراك، حتى غدت أهم ميناء في
الخليج ودول القرن الأفريقي وأحد أعرق موانئ شبه الجزيرة العربية.
لكن المجد التجاري لم يشفع
للمدينة من أطماع القوى الطامحة إلى السيطرة على السواحل اليمنية؛ فقد داهمتها
الحملات البرتغالية في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، ثم دخلت لاحقا تحت مظلة
النفوذ العثماني. وحين بدأ نجمها يخفت مطلع القرن العشرين، لم يكن السبب اقتصادياً
بحتا؛ فقد دمرت الحرب العثمانية الإيطالية عام 1911 قلاعها، وأتم البريطانيون
المهمة عام 1915 حين هدموا ما تبقى منها في حربهم ضد العثمانيين، بالتزامن مع صعود
عدن التي رعاها البريطانيون والحديدة التي أنشأها العثمانيون. أضف إلى ذلك دخلت
البرازيل والمكسيك على خط إنتاج البن العالمي، فانطفأ نجم مدينة كانت تُملي على
أوروبا ذوقها في القهوة.
وطأة
الجغرافيا
تنبع أهمية المخا في أنها
تقع عند تقاطع ثلاث خرائط: خريطة الحرب اليمنية، وخريطة باب المندب، وخريطة الملاحة
الدولية. ولهذا فإن الصراع حولها يحمل أهدافاً تتجاوز المدينة نفسها.
ويكفي أن نعرف رقما واحدا
لنفهم لماذا لا تُترك المخا لحالها: لا تفصل المدينة عن خط الملاحة الدولي سوى نحو
ستة كيلومترات، أي 3.2 ميل بحري فقط، بينما تبتعد عن مضيق باب المندب مسافة لا
تتجاوز 65 إلى 75 كيلومتراً. هذا القرب الشديد من أحد أكثر ممرات العالم ازدحاما
يجعل من كل حجر في المخا ورقة ضغط دولية محتملة، ومن كل من يرابط على سواحلها لاعبا
في معادلة الأمن البحري العالمي، سواء أراد ذلك أم لم يرده.
في هذا المعنى، لا تقاس
المخا بعدد سكانها ولا بحجم اقتصادها المحلي، بل بموقعها على الخريطة، ذلك الموقع
الذي يربط، كما وصفه مؤرخو التجارة قديماً، أوروبا بشرق أفريقيا وجنوب غربي آسيا
والشرق الأوسط في عقدة واحدة. وهذا تحديدا ما يفسر لماذا يتحول أي اشتباك محلي هناك
إلى عنوان يتابعه محللو الطاقة والملاحة في لندن وسنغافورة، لا فقط في صنعاء وعدن.
الحوثي
والمخا:
يصعب فهم التصعيد الحوثي
المتكرر على المخا بمعزل عن حقيقة ميدانية أقر بها عسكريون مطلعون: الجماعة فقدت
القدرة على المبادرة، ولم يعد قرار الحرب بيدها، فلجأت إلى الاختباء خلف الصواريخ
والمسيّرات الإيرانية التي لا تصنع وحدها تفوقا حقيقيا في موازين القوة على الأرض.
حين يعجز الطرف عن التقدم بقدميه، يلجأ إلى الاستعراض بصواريخه، والمخا هنا ليست
هدفاً عسكرياً بقدر ما هي مسرح لعرض القوة أمام جمهورين: الداخل اليمني الذي يراد
إقناعه بأن يد الجماعة ما زالت طويلة، والخارج الدولي الذي يراد تذكيره بأن مفاتيح
باب المندب ليست بمنأى عن التوظيف السياسي.
ولم يكن التصعيد على المخا
معزولاً؛ فقد ترافق مع ضربات موازية طالت مديرية بيحان في شبوة، إلى جانب هجوم واسع
بالصواريخ والمسيّرات على مدينة المخا وميناءها أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين
المدنيين والعسكريين، في نمط يكشف عن استراتيجية أوسع تسعى إلى تشتيت الجبهات
الحكومية بدل حسم واحدة منها. وحين يوجه القصف إلى منشأة خدمية بدل موقع عسكري صرف،
فإن الرسالة تتجاوز الميدان إلى السياسة: لا استقرار اقتصاديا ممكنا خارج مظلة
الجماعة، هذا ما يريد الحوثيون قوله كلما أطلقوا صاروخا على رصيف ميناء مدني.
وثمة بعد آخر للصراع.
فالحديدة تقع تحت سيطرة الحوثيين، وهي تمثل مركزهم البحري الأهم على البحر الأحمر.
وبقاء المخا خارج سيطرتهم
يعني أن الساحل الغربي لا يزال مقسوماً عسكرياً، وأن هناك قوة معادية لهم تتمركز
جنوب الحديدة وتمتلك منفذاً بحرياً قريباً من باب المندب.
وهذا الوضع يمنع الحوثيين
من تحويل سيطرتهم على الحديدة إلى سيطرة متصلة على كامل الساحل الغربي. لذلك فإن
المخا تمثل بالنسبة إليهم الفجوة التي لم تكتمل في الخريطة.
وإذا تمكنوا من إغلاق هذه
الفجوة، فإنهم لا يضيفون مدينة جديدة إلى مناطق نفوذهم فحسب، بل يعيدون رسم الخريطة
الساحلية لمصلحتهم.
ولهذا فإن السيطرة على
مناطق جديدة بالقرب من باب المندب لا يمكن فصلها عن الصراع الإقليمي الأوسع. وكلما
اقترب الحوثيون من المضيق، ازدادت قدرتهم على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط
إقليمية ودولية.
لماذا تقاتل
"الشرعية" من أجل مدينة صغيرة؟
في الجهة المقابلة، لا
تدافع القوات الحكومية عن المخا بوصفها نقطة على الخريطة، بل بوصفها عصب وجودها
العسكري على الساحل الغربي بأكمله. فالمدينة تضم (مقر القيادة العامة لتشكيلات
القوات المشتركة، وتحتشد فيها نخبة القوات الموالية لمجلس القيادة الرئاسي، من قوات
المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح إلى ألوية العمالقة الجنوبية وألوية المقاومة
التهامية. سقوط المخا لا يعني خسارة مربع جغرافي فحسب، بل انهيار العمود الفقري
لمنظومة دفاعية بأكملها.
وقد أثبتت هذه القوات، في
أكثر من مواجهة أخيرة، أنها ليست مجرد خط دفاعي هش؛ ففي إحدى محاولات التسلل
الحوثية، تصدت الوحدات المرابطة بيقظة عالية مدعومة بالمدفعية وطائرات الاستطلاع
المسيّرة، وانتهى الأمربإحباط الهجوم وتدمير آليات عسكرية، وتكبيد الحوثيين خسائر
تراوحت بين 45 و55 فرداً بين قتيل وجريح ومفقود، في مقابل خسائر محدودة في الجانب
الحكومي.
وللمخا، إلى جانب قيمتها
العسكرية، رهان تنموي مؤجل؛ فموقعها يؤهلها، حين تهدأ البنادق، لأن تكون رافعة
اقتصادية حقيقية تخدم النشاط التجاري لمدينة تعز ومحيطها الكثيف سكانياً، وتخفف
الضغط عن الموانئ اليمنية الأخرى المنهكة. من هنا، فإن الدفاع عن المخا اليوم هو
استثمار مبكر في مستقبل اقتصادي لم يُكتب له أن يبدأ بعد.
خاتمة لا
تغلق الملف
يجمع متابعون للملف اليمني
على أن حسم معركة المخا لن يأتي من فوهة صاروخ، بل من تقدم بري متزامن لم تحققه
الجماعة الحوثية حتى الآن رغم تكرار محاولاتها. وفي الأثناء، تتعالى أصوات يمنية
تطالب بفتح جبهات موازية كي لا يظل الحوثي حراً في اختيار ساحته، فيما تبقى المخا
أمام اختبار جديد قد يرسم شكل المعركة في الساحل الغربي خلال المرحلة المقبلة.
تبقى المخا، في نهاية
المطاف، مرآة مصغرة لليمن كله: بلد يحمل إرثا حضاريا يستحق الاستعادة، وجغرافيا لا
ترحم من يهملها، وصراعا سياسيا يجعل من كل قذيفة تسقط على رصيفها القديم رسالة
موجهة إلى العالم بأسره، لا إلى خصم محلي فحسب.