• - الموافق2026/08/25م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
صناعة الأثر في زمن الوفرة الرقمية.. كيف تسهم المرأة في الدعوة من بيتها؟

كيف تستطيع المرأة المسلمة أن تصنع أثرًا دعويًا مؤثرًا من بيتها في زمن الوفرة الرقمية، مستثمرة وسائل التواصل والمنصات الحديثة، مع الحفاظ على مسؤولياتها الأسرية، والالتزام بصحة المعلومة، وحسن الأسلوب، والخصوصية، دون تعقيد أو تقصير أسري؟


 في أعماق القارة السمراء، حيث تشرق الشمس على قلوب لم تعرف طعم السكينة بعد، كانت إحدى الفتيات تجلس أمام شاشة هاتفها المتواضع، تخوض في متاهات الأسئلة التي زرعتها الشبهات في عقلها الباكر. كانت تبحث عن حقيقة تداوي جرح روحها، عن إله لا تشوهه صورة الأوثان التي رأتها، ولا تحجبه فلسفات الضلال التي سمعتها.

وفي ليلةٍ من ليالي رمضان، أوقفتها خوارزميات فيسبوك عند صفحةٍ بيضاء ناصعة تحمل اسمًا واعدًا Know Your Way، وكأنه يناديها باسمها المجهول: هنا طريقك. ولم تكن تدري أن تلك النقرة العابرة ستكون مفتاحًا لمعركة فاصلة بين ظلمات الشك وأنوار اليقين.

دخلت في حواراتٍ مطولة مع داعياتٍ مسلمات، فلم يلقّنوها دروسًا جافة، بل حاورنها بلغة العقل، وفندّن شبهاتها بالحجة والبرهان، وكأنهن يتحدثن إليها كأختٍ تبحث عن أختها في مهب الريح. كانت كل رسالةٍ تقشع غمامة، وكل دليلٍ يهدم صنمًا في داخلها، حتى بدأت ترى الإسلام لا كدينٍ غريب، بل كمرآة صافية تعكس فطرتها التي كادت تندثر.

وحين نطقت بالشهادتين، لم تكن مجرد كلماتٍ تتردد على شفتيها، بل كانت زفرةَ روحٍ تخلصت من أغلالها، وسكينةً نزلت على قلبها كالقطر على صحراء محترقة. وهكذا، من قلب إفريقيا، وامتدادًا لأثير الإنترنت، رسمت تلك الفتاة لوحةً من أعجب لوحات الهداية، لتثبت أن الدعوة بالتقنية ليست مجرد وسيلة، بل هي سبيلٌ تُفتح به القلوب، وتُستخرج به الأرواح من العتمة إلى النور.

ومن هذا المشهد الحيّ الذي حدث كواقع يتكرر يوميا، تنبثق الحقيقة الكبرى أن المرأة المسلمة تستطيع أن تصنع أثرًا دعويًا من بيتها، وأن تُغذّي القلوب من شاشة هاتفها، إذا جمعت بين صدق النية، وحسن الأسلوب، وحكمة العرض، وأمانة النقل.

 أمانة وواجب

الدعوة إلى الله ليست ترفًا فكريًا، ولا عملًا ثانويًا، بل هي تكليفٌ رباني، وشرفٌ عظيم، وسننٌ نبوية واضحة، ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستحضره .

قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. فخيرية هذه الأمة معلقةٌ بهذه المهمة، وهي مسؤوليةٌ جماعية لا يقوم بها فردٌ واحد، فإذا تخلت عنها المرأة مع قدرتها، فقد فرّطت في جزءٍ من سرِّ هذا الفضل.

وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122]. وهذه الآية تؤسس لمعنى الفرض الكفائي، إذ لا بد أن تقوم طائفةٌ من الأمة بالعلم والإنذار، والمرأة جزءٌ من هذه الطائفة بحسب مجالها وقدرتها.

وقال تعالى أيضًا: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]. والخطاب وإن كان موجَّهًا للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو في حقيقته خطابٌ لأمته ما دامت مؤمنةً به، وفيه أمرٌ صريحٌ بالدعوة، والأصل في الأمر الوجوب لمن استطاع.

وجاءت السنة النبوية تؤكد هذا المعنى وتزيده وضوحًا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» رواه البخاري. وهذا الحديث يفتح باب البلاغ لكل مسلم ومسلمة، فلا يُحتقر شيءٌ من الخير، ولو كان آيةً واحدة، أو كلمةً قصيرة، أو منشورًا نافعًا، أو تسجيلًا صادقًا.

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» رواه مسلم (1893). وفي هذا الحديث بشارةٌ عظيمة، إذ إن من دلّ على الخير حصل على أجره ، فكيف بالمرأة التي تعمل بالدعوة حتى ولو بنشر مقطع دعوي موثقً أو تنقل فتوى صحيحة، أو تهدي متابعةً إلى نور الهداية؟

وقال صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» متفق عليه؛ رواه البخاري ومسلم . وهذا يدل على أن هداية إنسانٍ واحدٍ أعظم من متاع الدنيا، فكيف بمن تُسهم في هداية قلوبٍ كثيرة عبر شاشة هاتفها ومنصاتها الصغيرة؟

وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَزْرَعُ زَرْعًا أَوْ يَحْرُثُ حَرْثًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» متفق عليه. فإذا كان زرع الطعام يورث صدقة، فكيف ببذور العلم والإيمان التي تُغرس في القلوب، وتثمر طمأنينةً وهدايةً وأجرًا لا ينقطع؟

وهذه النصوص كلها كافيةٌ لتجعل أيَّ مسلمة توقن أن ترك الدعوة في زمنٍ طغت فيه الشبهات والمغريات ليس مجرد تقصيرٍ عادي، بل تفريطٌ في أصلٍ من أصول هذا الدين. وإذا أضفنا إلى ذلك ما بين أيدينا اليوم من أدواتٍ تنشر الكلمة في لحظةٍ لألف إنسان، صارت المسؤولية أعظم، وازداد وجوبُ استثمار هذه الوسائل في خدمة الحق.

 الدعوة من البيت

في عالمٍ غمرته منصات التواصل وتكاثرت فيه المعلومة تذللت سبل الدعوة وصارت أقوى سبيلٍ لصناعة الأثر

والمرأة، بما جعل الله فيها من حنانٍ، وذوقٍ، وحضورٍ أسري، تملك موقعًا فريدًا لتكون نبراسًا في بيتها ومجتمعها. فهي قادرةٌ أن تدعو من دون أن تُخلّ بمسؤولياتها، وأن تؤثر من غير أن تغادر خصوصية بيتها، وأن تصنع خيرًا ممتدًا من شاشة صغيرة إلى قلوب واسعة.

لقد أتاح الزمن الرقمي أدواتٍ متعددة مثل المنصات التعليمية، ومجموعات الرسائل عبر تطبيقات "واتس اب ، تليجرام، فيس بوك" وكذلك التسجيلات الصوتية، الفيديوهات القصيرة وهذه الوسائل تمنح المرأة مرونةً في تنظيم الوقت، وتفتح لها أبواب الوصول إلى فئاتٍ شتى: جارات، قريبات، مهاجرات، طالبات، وأمهاتٍ يبحثن عن كلمةٍ صادقة أو تذكيرٍ نافع.

مشاريع دعوية واقعية

تعد حلقات القرآن في واتساب وتيليجرام نموذج دعوي رائع للمرأة من بيتها، بحيث تُنشئ مجموعة مغلقة تُرسل فيها تسجيلات قراءة قصيرة مع ملاحظات تدبرية، وتتلقى المشاركات عبر غرفة حية تدخلها الطالبات للتصحيح والمتابعة، بما يناسب أوقات الأمهات المشغولات.

وهناك العديد من الأكاديميات النسائية لتدبر القرآن وحفظه عبر مجموعات باستخدام التطبيقات المذكورة.

ومن الصور الرائعة أيضًا ما تقوم به المتطوعات في جمعية "تبليغ الإسلام" ، حيث تقدم دعوة للإسلام عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تقوم الداعيات بالرد على الزوار وتفنيد الشبهات الموجودة لديهم وعرض الإسلام عليهم ثم تعليمهم الدين بعد ذلك.

وما اسهل نشر رسائل أسبوعية أو تذكير يومي، أو تسجيلات صوتية بانتظام عبر منافذ الشبكة العنكبوتية المفتوحة في الآفاق، فتصل إلى القريبين والبعيدين لري العطشٍ الروحي وشحذ الهمة الدينية.

كما يمكن للمرأة أن تُسهم في دعم الأمهات الجدد عبر لقاءاتٍ مصغرةٍ صوتية حول تربية الأبناء، أو أن تشارك في مبادراتٍ وجمعياتٍ تخدم المهاجرين وتدعو إلى الإسلام، مثل ترجمة المواد أو إدارة مجموعات الدعم الإلكتروني للمقيمات الجدد.

أدوات وتحديات

ولا تحتاج المرأة إلى خبرةٍ تقنية معقدة؛ فالأمر يبدأ بالمشاركة في مجموعة دعوية أو بإعدادٍ بسيط مثل تجهيز نصوصٍ وتسجيلاتٍ قصيرة دفعةً واحدة، والاعتماد على مصادر موثوقة، ومراجعة النصوص مع أهل العلم عند الحاجة. كما يُستحسن وضع قواعد واضحة للخصوصية في المجموعات، وعدم نشر البيانات الحساسة، واستخدام تطبيقات مونتاج سهلة لقطع الزوائد وتحسين الصوت أو الصورة.

أما التحديات، فلها حلولها أيضًا. فمثلا ضيق الوقت يعالَج بتجزئة المهام إلى عشر أو خمس عشرة دقيقة يوميًا، والاستفادة من الجدولة التلقائية للنشر. والخوف من الخطأ العلمي يزول بالتعاون مع داعياتٍ أخريات للمراجعة والاستشارة. ومخاطر الخصوصية تُدار بالمجموعات المغلقة، وعدم تداول ما لا ينبغي نشره.

الدعوة عبادة ورحمة

الدعوة ليست مجرد عملٍ اجتماعي، بل هي عبادةٌ ورحمةٌ ممتدة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. وفي هذا المعنى تتسع وظيفة المرأة المسلمة؛ فهي تدعو برحمة، وتعلّم بلطف، وتبني دون ضجيج. وقد دلّت السنة على أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الدلالة على الخير مشاركةٌ في أجره، وأن كل عملٍ خالصٍ لله محفوظٌ عنده لا يضيع.

المرأة قادرةٌ أن تكون داعيةً من بيتها بإخلاصٍ ونظام، من غير أن تُقصّر في رعاية أسرتها، بل تزيدها بركةً وتأثيرًا. وكل بذرة خيرٍ تُغرس، بأي طريقٍ كان، تُثمر أجرًا واسعًا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «ما من مسلمٍ يزرع زرعًا أو يحرث حرثًا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة». فلتجعل المرأة نيتها صادقة، ولتبدأ بخطوةٍ صغيرةٍ اليوم؛ فرب كلمةٍ أو تذكيرٍ يفتح قلبًا، ويهدي طريقًا، ويصنع في الدنيا والآخرة أثرًا لا ينقطع.

أعلى