• - الموافق2026/08/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ما وراء استنفار الجيش السوري

ما بين التمرد أو محاولة الانقلاب أو إجراءات روتينية تزداد التساؤلات عن طبيعة ما حدث في الجيش السوري في الأيام القليلة الماضية؟ وهل ثمة صراعات داخل الجيش السوري ومراكز قوى يحتمي بها قادته؟


لم يكن ما جرى مساء الثلاثاء الرابع من أغسطس الماضي مجرد حدث أمني عابر، عندما تم استنفار فرق الجيش في ربوع الأراضي السورية، بل بدا وكأنه إجراء كجزء من استراتيجية يقوم بها النظام السوري لمأسسة دولة بدأت تتبوأ مكانها، ودورها الاقليمي المنتظر.

ورغم أن الحادثة في حد ذاتها كانت محدودة، فإن الضجة التي أحاطت بها كانت كبيرة. فقد سارع أنصار النظام السابق، وعناصر موالية لإيران، إلى جانب خصوم الحكومة السورية في الغرب، إلى استغلال القضية في تصوير سوريا وكأنه بلد غير مستقر.

فماذا جرى؟

هل هو استنفار لمجابهة اجتياح على الحدود العراقية أو اللبنانية من ميليشيات شيعية كما ردد البعض؟

أو هل كان الأمر روتينيًا، فهي مجرد ترقيات وتنقلات بين الضباط من قادة الفرق العسكرية؟

أم أن الأمر تمردًا ومحاولة انقلاب على الرئيس أحمد الشرع كما تردد بعض وسائل الإعلام المحسوبة على دول وجماعات وتيارات، ترى في صعود سوريا الواثق من نفسه، انتقاص لدورهم ونهاية لأحلامهم وهزيمة لمشروعهم؟

لكي نستطيع الإجابة على هذه الأسئلة، يجب علينا الفصل بين مستويين للتحليل حتى لا يتم الخلط بين الحدث والتفسير:

فالمستوى الأول: ماذا حدث؟

سواء: استنفار، أو تحركات، أو ترقيات، أو نقل ضباط، اجتماعات، انتشار قوات...

والمستوى الثاني: لماذا حدث؟

إعادة تنظيم؟ تهديد أمني؟ صراع داخل المؤسسة العسكرية؟ محاولة تمرد؟

ولنبدأ بالمستوى الأول.

ماذا حدث؟

البداية كانت من قناة العربية، حيث أذاعت تقريرًا عن مصادرها في دمشق، أن الجيش السوري قد أعلن عن حالة استنفار عسكري دون الكشف عن الأسباب.

وهذه المصادر قالت إن وزارة الدفاع وجهت عناصرها بالدخول بحالة الإنذار "ج" ونشر قطعات على الحدود السورية العراقية، مع صدور توجيهات إلى العناصر بالالتحاق الفوري بوحداتهم العسكرية.

ومع انتشار الشائعات على مواقع التواصل، نقلت صحيفة الشرق الأوسط عن مصادر في الحكومة السورية بعض التفاصيل: شهدت مدينة حماة، الثلاثاء، استنفاراً عسكرياً وانتشاراً للآليات والعناصر في محيط المدينة ومناطق الريف القريب، حيث مقار الفرقة 62 التابعة للجيش السوري، قابله انتشار أمني مكثف ووصول تعزيزات عسكرية إلى المنطقة.

الاستنفار في حماة تزامن مع صدور قرار بتعيين العميد محمد الجاسم الشهير بأبي عمشة نائباً لقائد فيلق المنطقة الوسطى، وتنحيته من قيادة الفرقة 62، وهي أوامر صدرت أثناء وجود الجاسم في مقر قيادة الجيش السوري واجتماعه مع وزير الدفاع مرهف أبو قصرة وقيادات عسكرية في العاصمة دمشق، ما عُدّ تقليصاً لنفوذ الجاسم.

وتضيف الصحيفة نقلا عن مصادر سورية، أنه في ذلك اليوم، كان هناك اجتماع يضم إلى جانب قيادة المؤسسة العسكرية، سيف أبو بكر قائد الفرقة 76، وقائد الفرقة 74 جميل الصالح، ومعهم محمد الجاسم قائد الفرقة 62، ومعتصم عباس القائد السابق لفرقة المعتصم شمال حلب، وثائر معروف قائد لواء سمرقند، وعبد الناصر أبو جلال القيادي في الفرقة التاسعة سابقاً.

بعد الاجتماع، وحسب مصادر قريبة من أجوائه، وفق الصحيفة، أبلغ قائد الفرقة 76 سيف أبو بكر قيادة وزارة الدفاع بقرار استقالته، والبدء في عملية تسليم مهام قيادة الفرقة الموجودة شمال مدينة حلب، لصالح محمود درغام حامدي المعروف باسم أبو عدي سرايا.

ولكن الصحيفة تذكر أن هناك ردود فعل وتوترًا قد صدر على القرار من وحدات الفرقة 62، ولم تذكر الصحيفة طبيعة التوتر الذي حدث، واكتفت بأن المصادر أكدت على انتهاء التوتر واحتوائه فوراً، بفضل التزام الفرقة 62 بقرارات القيادة العسكرية وتحققها من زيف الشائعات التي تحدثت عن اعتقال قائدها، وأيضاً إعلان الجاسم قبوله بالمنصب الجديد الذي يمنحه صلاحيات وتكليفات جديدة، عكس ما يجري الحديث حول عزله وإنهاء خدماته.

أما تشارلز ليستر الخبير الأمريكي في الشأن السوري، والذي تعتمد عليه دوائر صنع القرار الأمريكي في معلوماته وتحليلاته في الشأن السوري، ويعتبر المساعد الأبرز لتوم باراك المبعوث الأمريكي لتلك المنطقة، فيقول في تغريدة له على موقع إكس: وفقًا لجميع التقارير، تم إزاحة ثلاثة من قادة الفرق في الجيش السوري وهم، أحمد الحيّس (أبو حاتم شقرة)، سيف بلد، ومحمد الجاسم (أبو عمشة)، من مناصبهم القيادية الأصلية في الفرق، ونقلهم إلى أدوار نائبة خارج معاقلهم الجغرافية الأصلية.

الخلاصة:

أنه قد جرت عملية عسكرية معقدة مسبقًا لعزل قادة فرق من التي تشكلت أساسًا من ثوار سوريا، وذلك باستدعائهم إلى وزارة الدفاع في دمشق، وأن الفرقة ٦٢ قد حدث فيها نوع من التمرد على ما يبدو احتجاجًا على تنحية قائدها وقد جرى احتواء هذا التمرد.

ننتقل إلى المستوى الثاني وهو تفسير ما جرى.

لماذا حدث؟

السؤال المطروح، لماذا قامت القيادة السورية بتغيير عدد من قادة الفرق العسكرية، ثم دفعت بقوات أخرى إلى تطويق مقرات هذه الفرق؟ هل كان ذلك إجراءً طبيعيًا لفرض إعادة هيكلة الجيش، أم استجابة لمقاومة داخل المؤسسة العسكرية، أم تحركًا استباقيًا لإحباط تمرد محتمل؟

ينقل موقع عربي بوست عن مصادر سورية قريبة من دوائر صنع القرار، أن وزارة الدفاع السورية كانت بصدد إنشاء ستة فيالق رئيسية تغطي الأراضي السورية، يتبع لكل منها فرقتان.

وتشمل إعادة الهيكلة توزيع الألوية والوحدات وفق اعتبارات جغرافية وعملياتية، بعيداً عن خلفياتها الفصائلية. كما تمتد الخطة إلى هيئات العمليات والإمداد والاستخبارات العسكرية، وربطها بصورة أكبر بقيادات الفيالق.

وأثارت تلك التغييرات اعتراضات داخل بعض الفرق، خصوصاً بشأن إعفاء قادة وإعادة توزيع رؤساء الأركان والألوية والأفرع. وقالت المصادر إن هذه الاعتراضات أدت إلى استنفار محدود، قبل تدخل القيادة السياسية والعسكرية لاحتواء الموقف. ولا تتجه القيادة العسكرية السورية، إلى إقصاء القيادات الحالية، بل إلى إعادة توزيع نفوذها داخل الفيالق وهيئات الأركان. وفي هذا السياق، عُيّن محمد الجاسم، المعروف بـ"أبو عمشة"، نائباً لقائد الفيلق الأوسط بعد إلغاء الفرقة السادسة.

ويؤكد هذا التفسير أيضًا ما نقلته صحيفة الشرق الأوسط نقلاً عن مصادرها في دمشق، بأن ما حصل في الواقع، أن المؤسسة العسكرية في الفترة الأخيرة، كانت تشهد سلسلة قرارات تتعلق بإعادة هيكلة تشكيلات منخرطة في وزارة الدفاع، تشمل إعفاء وتعيين ونقل لعدد من القادة، لتعزيز مركزية القرار العسكري، وتقليص النفوذ الذي تتمسك به بعض الفصائل خلال سنوات الحرب السورية.

وتطرقت صحيفة الشرق الأوسط أيضًا كذلك، نقلاً عن مسئولين سوريين، أن الخلاف الموجود بين محمد الجاسم (أبو عمشة) والقيادة العسكرية، بسبب رفضه نشر ألوية تابعة لفصيله في الجنوب السوري والحدود السورية - اللبنانية بريف دمشق، ورفضه أيضاً الانسحاب من الشمال السوري الذي يُعدّ مقره الأول؛ بسبب ما عدّه أبو عمشة، محاولة لتفكيك وتشتيت قواته.

إذا استعرضنا تفسيرات مصادر الحكومة السورية التي نقلتها وسائل الإعلام، نجد أن التفسير الأقرب لما جرى، أنه ليس انقلابًا، ولا مجرد تنقلات روتينية، وإنما عملية إعادة فرض للسيطرة على المؤسسة العسكرية أثناء إعادة تشكيلها.

وأميل إلى تفسيرها بهذا التسلسل:

1.                 القيادة قررت تغيير بعض القيادات.

وهذا قد يكون جزءًا من إعادة بناء وزارة الدفاع وتغيير موازين النفوذ داخل الجيش.

2. القيادة توقعت مقاومة لهذه التغييرات.

إذا كانت بعض القيادات تملك نفوذًا داخل فرقها، فإن تغييرها على الورق لا يكفي؛ إذ يجب التأكد من أن الأوامر ستنفذ فعليًا.

3. لذلك جرى تطويق المقرات بهدف ضمان انتقال السيطرة إلى القيادات الجديدة ومنع أي رفض مسلح أو تحرك مضاد.

4. وهذا لا يساوي بالضرورة محاولة انقلاب.

هناك فرق بين أن تكون القيادة قد واجهت تمردًا أو خشية من تمرد، وبين أن يكون هناك انقلاب منظم بهدف إسقاط الرئيس.

فالقيادة الجديدة لديها رؤية لجيشها الجديد، فهي لا تريد فقط تغيير أسماء بعض الضباط؛ بل تريد الانتقال من وضع عسكري تشكل خلال سنوات الحرب لإسقاط نظام الاسد، وتعددت فيه مراكز القوة والولاءات، إلى جيش مركزي يخضع لوزارة الدفاع والقيادة السياسية للدولة.

وفي مثل هذا الانتقال، فإن تغيير قادة الفرق يمكن أن يكون خطوة حساسة جدًا، خصوصًا إذا كان بعض القادة يمتلكون نفوذًا يتجاوز مناصبهم الرسمية.

لذلك يمكن أن يكون ما حدث أقرب إلى معركة السيطرة على المؤسسة العسكرية، وليس محاولة انقلاب على الرئيس.

كما أن توقيت ما جرى يعزز رسالة معينة يريد الجيش السوري توجيهها إلى جهة أخرى.

فالجميع يترقب إعلان قسد عن حل نفسها وتسليم سلاحها.

فبينما يشاهد الجميع تلك العملية التي قام بها الجيش لفرض الانضباط والطاعة على قيادات الفرق .. فكأن ما حصل رسالة موجهة لقسد أنه سيجري دمجكم في الجيش السوري إما بالرضا أو بالقسر.

فقبل إدخال آلاف العناصر الجديدة من تشكيلات أخرى ضمن الهيكلية الرسمية، يجب ضمان ثبات الفرق القيادية الحالية وطاعتها المطلقة لعدم حدوث اختلالات أمنية مستقبلًا.

فالمؤسسة العسكرية تُدار بقبضة واحدة وانضباط صارم، ورفع الجاهزية وإحكام السيطرة على القيادات، يقطع الطريق أمام أي مراهنة خارجية أو محلية على وجود تباين في القرار داخل الجيش.

أعلى