• - الموافق2026/09/27م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
انتخابات المغرب: من يهندس النتائج

من يقف خلف التحولات اللافتة في نتائج الانتخابات المغربية، ولماذا نجا الأصالة والمعاصرة من خسائر حلفائه في الحكومة، بينما عاد العدالة والتنمية بقوة، وهل تقود هذه الوقائع إلى التساؤل عن هندسة المشهد السياسي من وراء الكواليس؟


هناك انتخابات تعكس ما يريده الناس، وانتخابات تكشف ما تريده النخب، وانتخابات تهندسها السطلة حيث يجري الجزء الأهم منها خارج صناديق الاقتراع.  والانتخابات المغربية الأخيرة تفتح الباب أمام هذا السؤال أكثر مما تقدم إجابة عنه.

فالنتائج الأولية لاستحقاق 23 سبتمبر 2026 ترسم خريطة سياسية شديدة الدلالة: الأصالة والمعاصرة يتقدم إلى الصدارة، والتجمع الوطني للأحرار يتراجع بقوة، والاستقلال يفقد جزءًا معتبرًا من رصيده، فيما يستعيد العدالة والتنمية بعضًا مما فقده في زلزال 2021. لكن الأرقام، على أهميتها، لا تحكي القصة كاملة.

القصة الأهم ربما تكمن في سؤال آخر: كيف يستطيع حزب شارك في الحكومة وتحمل معها مسؤولية السياسات الاقتصادية والاجتماعية أن يخرج من الانتخابات أكثر قوة، بينما يدفع شريكاه في الائتلاف ثمن الحكم؟

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية. الأرقام تقول شيئًا.. وما وراء الأرقام يقول شيئًا آخر إذا قارنا النتائج الأولية بانتخابات 2021، تظهر المفارقة سريعًا.

الأصالة والمعاصرة انتقل من المركز الثاني بـ86 مقعدًا إلى الصدارة بـ97 مقعدًا، محققًا زيادة تقارب عشرة مقاعد. وفي الاتجاه المعاكس، هبط التجمع الوطني للأحرار من 102 مقعد في انتخابات 2021 إلى 66 مقعدًا، فاقدًا نحو 36 مقعدًا.

أما حزب الاستقلال فتراجع من 81 مقعدًا إلى 65، في حين تمكن العدالة والتنمية من تجاوز أزمة 2021، حين لم يحصد سوى 13 مقعدًا، ليصل هذه المرة إلى 54 مقعدًا.  والأكثر دلالة أن هذه النتائج جاءت في ظل مشاركة لم تتجاوز 38 بالمئة، وفق الأرقام الواردة في النتائج الأولية، مقارنة بنسبة مشاركة أعلى في الاستحقاق السابق.

المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن حزبي الأحرار والاستقلال، وهما من مكونات الحكومة المنتهية ولايتها، خسرا معًا عشرات المقاعد، بينما حقق المكوّن الثالث في الائتلاف، الأصالة والمعاصرة، مكسبًا انتخابيًا واضحًا.

فإذا كان الناخب قد أراد معاقبة الحكومة وأحزابها، فلماذا نجا الأصالة والمعاصرة من العقاب الذي طال حليفيه؟ ولماذا عاقب الناخب شريكًا في الائتلاف، وترك شريكًا آخر يخرج بمكاسب انتخابية واضحة؟

لكن استمرار هذا التفاوت يطرح سؤالًا سياسيًا أوسع من مجرد حساب المقاعد: هل قواعد العدالة الانتخابية في المغرب تعمل بشكل جيد، أم ثمة أيد تهندس النتائج من وراء الكواليس، السؤال هنا لا يتعلق بنتيجة حزب بعينه، وإنما بطبيعة النظام الحزبي نفسه، ودور الدولة فيه.

الأصالة والمعاصرة.. حزب جاء من أعلى

لفهم صعود الأصالة والمعاصرة اليوم، لا بد من العودة إلى لحظة تأسيسه.

فالحزب تأسس في أغسطس 2008، بعد تجربة «حركة لكل الديمقراطيين» التي أطلقها فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب السابق في وزارة الداخلية وزميل دراسة الملك محمد السادس. لم يكن الحزب ثمرة مسار طويل من العمل الحزبي والنقابي والشعبي، وإنما ظهر بصورة سريعة، واستقطب خلال فترة قصيرة عددًا من النخب والمنتخبين المحليين القادمين من أحزاب مختلفة. وبعد عام واحد تقريبًا من تأسيسه، حقق حضورًا لافتًا في الانتخابات المحلية لعام 2009.

وهنا تكمن واحدة من أهم خصائص التجربة. الأحزاب التقليدية عادة ما تبني وجودها من القاعدة إلى القمة: أعضاء، فروع محلية، شبكات اجتماعية، تراكم انتخابي، ثم نفوذ وطني. أما تجربة الأصالة والمعاصرة فقد بدت أقرب إلى الاتجاه المعاكس: تجميع للنخب أولًا، ثم بناء التنظيم حولها.

ومن هنا جاء الجدل الذي رافق الحزب منذ ولادته: هل نحن أمام حزب نشأ طبيعيًا من المجتمع السياسي المغربي، أم أمام حزب صُمم ليؤدي وظيفة سياسية محددة؟ يصعب فهم ذلك بمعزل عن السياق الذي ظهر فيه.

ففي تلك السنوات كان حزب العدالة والتنمية يواصل صعوده داخل المشهد السياسي المغربي، وكان حضوره الانتخابي يتزايد تدريجيًا. وفي المقابل، برز الأصالة والمعاصرة باعتباره القوة التي تستطيع أن تواجه هذا الصعود وتمنع تحوله إلى هيمنة حزبية. وهكذا لم تكن المنافسة بين حزبين فقط، وإنما بين تصورين لدور الحزب داخل الدولة والمجتمع.

ابتعد عالي الهمة تدريجيًا عن العمل التنظيمي بعد تعيينه مستشارًا ملكيًا عام 2011، لكن خروج الرجل من الواجهة الحزبية لم يؤد إلى اختفاء الحزب. تعاقبت القيادات: محمد الشيخ بيد الله، ثم إلياس العماري، ثم حكيم بنشماس، وصولًا إلى عبد اللطيف وهبي.

وفي فبراير 2024 أقر المؤتمر الوطني الخامس صيغة قيادة جماعية ثلاثية، مع إسناد مهمة التنسيق إلى فاطمة الزهراء المنصوري. والمنصوري ليست مجرد قيادة حزبية جديدة، وإنما تمثل انتقالًا في طريقة تقديم الحزب لنفسه أمام الداخل المغربي وأمام الخارج ابتداءً.  فهي امرأة، محامية، عمدة سابقة لمراكش، وبرلمانية، ووزيرة، وقيادية حزبية بارزة، تُقدم اليوم باعتبارها إحدى الشخصيات القادرة على الوصول إلى رئاسة الحكومة، والانتقال من رجل ارتبط بوزارة الداخلية ومراكز الدولة إلى امرأة تقدم باعتبارها عنوانًا للحداثة وتمكين المرأة، لا يمثل هذا تغييرًا الواجهة وحسب، فالمنصوري في القيادة ليست مجرد صورة تجميلية في حد ذاتها، ولكنها دليل على تغير كامل في بنية الحزب وأفكاره، والواجهة التي تريد أن تقدم بها الدولة نفسها إلى العالم.

المفارقة الثانية التي تؤشر إلى هندسة تلك الانتخابات هي انتقال بعض رجال الأحرار إلى الأصالة والمعاصرة قبل الانتخابات بأسابيع قليلة ربما تكون هذه واحدة من أكثر حلقات الانتخابات دلالة. فقبل الاستحقاق الانتخابي، شهد حزب التجمع الوطني للأحرار نزيفًا في صفوف عدد نوابه وأعضائه قد يُقرأ ذلك باعتباره خلافًا تنظيميًا عاديًا. لكن السؤال يصبح أكثر أهمية عندما نلاحظ أن الخارجين من الأحرار اتجهوا تحديدًا إلى الأصالة والمعاصرة. وثمة سؤال مشروع هنا: هل تمثل هذه الاستقالات محاولة لزعزعة الحزب من الداخل لأنه دوره انتهى، هول كان فوز الأصالة والمعاصرة معلوما فتم القفز إلى مركب الحزب الفائز؟

على كل حال لا يمكن وصف حزب الأصالة والمعاصرة بأنه حزب جماهيري مستقل يمتلك قاعدة اجتماعية وفكرية وتنظيمية صلبة،  لأنه ظل، بدرجات مختلفة، يعتمد على موقعه داخل منظومة النفوذ السياسي والإداري التي أحاطت بتكوينه حزب نشأ من فوق، واستقطب شخصيات سياسية ومنتخبين من أحزاب أخرى، ثم أصبح أحد أعمدة السلطة التنفيذية، فإن السؤال عن مصادر قوته يصبح مشروعًا، والسؤال عن فوزه أيضا أكثر مشروعية

المفارقة الثالثة في الانتخابات هي صعود العدالة والتنمية من 13 مقعدًا إلى 54 يحمل دلالة أخرى.

فالحزب الذي تعرض لتراجع انتخابي كبير في 2021 لم يختف من المشهد كما توقع البعض، وإنما استطاع استعادة جزء معتبر من حضوره. وهذا يعني أن القاعدة الاجتماعية والسياسية التي يستند إليها الحزب ما زالت صلبة ومتماسكة. وفي ظل مقاطعة كبيرة للانتخابات سببها الرئيس حالة الإحباط التي يعيشها المواطن المغربي وعكستها بقوة تظاهرات جيل زد، وهذا يؤشر بدلالة واضحة أن الكتلة الأكبر من المقاطعين لديهم رفض لهذا الحزبي الثلاثي الذي أدار المغرب الفترة السابقة، وأن الناخب المغربي لو كان لديه الثقة في القدرة على التغيير من خلال النظام الانتخابي لتغيرت نتيجة الانتخابات بلا شك عما ظهرت عليه.

على كل حال المشكلة الأعمق التي تطرحها الانتخابات المغربية لا تتعلق بحزب الأصالة والمعاصرة وحده. إنها تتعلق بالسؤال عن كيفية صناعة الأحزاب داخل النظام السياسي. حين يصبح الحزب السياسي وسيلة لاستقطاب النخب، ثم يصبح جسرًا إلى المؤسسات، ثم يتحول إلى أحد مراكز القوة الانتخابية، فإن الحدود بين الحزب الذي يصنعه المجتمع والحزب الذي تصنعه موازين السلطة تصبح أقل وضوحًا.

قد لا تكون الهندسة السياسية بالضرورة تزويرًا للصندوق، بل ربما تكون أكثر نعومة بكثير حيث تبدأ باختيار الوجوه، ثم صناعة التحالفات، ثم جذب الأعيان والمنتخبين، ثم توزيع مواقع النفوذ، ثم خلق أحزاب قادرة على منافسة أحزاب أخرى، ثم بث اليأس في نفوس الناس من التغيير، ثم ترك الصندوق يقول كلمته في النهاية.

أعلى