• - الموافق2026/11/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
أنقرة وباكو.. تصدّع في جدار «الأخوة»

هل يستطيع تحالف أنقرة وباكو تجاوز الخلافات المتصاعدة حول السيادة والحجاب والعلاقات مع إسرائيل وأرمينيا، أم أن تباين المصالح الإقليمية ورفض الوصاية السياسية ينذران بتصدع أعمق في علاقة طالما رفعت شعار الأخوة ووحدة المصير بين الشعبين؟


لم يكن غياب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن قمة منظمة الدول التركية في أنقرة، في 30 أكتوبر الماضي، تفصيلاً بروتوكولياً عابراً في علاقة اعتادت أنقرة وباكو تقديمها باعتبارها نموذجاً استثنائياً للتحالف بين دولتين تجمعهما اللغة والتاريخ والمصالح. فقد جاء الغياب في لحظة كانت فيها الخلافات تتجاوز السجال بشأن الحجاب في المدارس الأذربيجانية، لتلامس قضايا أكثر حساسية تتصل باستقلال القرار السياسي، والعلاقة مع الدولة العبرية، ومستقبل التوازنات في جنوب القوقاز، وحدود النفوذ التركي في باكو.

وفي مشهد حمل دلالات سياسية لافتة، وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام قادة الدول المشاركة في القمة، متحدثاً عن وحدة العالم التركي، قائلاً: «لا مكان للانقسام أو الخلاف في الصورة العائلية للعالم التركي. نحن جميعاً واحد، معاً، إخوة من الأزل إلى الأبد». غير أن الصورة العائلية التي أراد أردوغان تقديمها بوصفها تجسيداً لوحدة المشروع التركي بدت ناقصة بغياب علييف، الذي اكتفى بإرسال وزير خارجيته جيهون بيراموف، رغم الدعوة الشخصية التي تلقاها من الرئيس التركي.

بدأت الشرارة من قرار أذربيجاني يتعلق بقواعد الزي المدرسي، اعتُبر عملياً مانعاً لارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية. وسرعان ما انتقلت القضية إلى تركيا، حيث انتقد سياسيون وشخصيات محسوبة على حزب العدالة والتنمية الحاكم الإجراءات الأذربيجانية، وكان أبرزهم مستشار أردوغان أوكتاي سارال، الذي اعترض على حرمان الطالبات المحجبات من التعليم، ودعا السلطات الأذربيجانية إلى مراجعة موقفها.

لكن باكو لم تتعامل مع الانتقادات باعتبارها تضامناً دينياً أو نقاشاً اجتماعياً، بل قرأتها بوصفها تدخلاً في شؤونها الداخلية ومحاولة للتأثير في خياراتها السيادية. وردّ حزب أذربيجان الجديدة، الحاكم، على الانتقادات التركية بوصفها تصريحات «غير مسؤولة وشعبوية»، مؤكداً أن شعار «أمة واحدة ودولتان» لا يمنح أي طرف حق التدخل في سيادة الطرف الآخر. ثم أعلنت السلطات الأذربيجانية منع 31 مواطناً تركياً من دخول أراضيها، بسبب تصريحات ومنشورات اعتبرتها مسيئة لسيادة البلاد ومؤسساتها.

ولم يقتصر الاحتقان على المواقف الإعلامية؛ إذ انتهى الأمر بإبعاد أوكتاي سارال عن منصبه، في خطوة أُعلن أنها جاءت بتوجيه من أردوغان لتخفيف التوتر،إلا أن غياب علييف عن قمة أنقرة أظهر أن المسألة تجاوزت شخصيات بعينها، وأن التوتر يرتبط بحسابات سياسية تراكمت على مدى سنوات.

ففي تقرير نشرته «بي بي سي التركية» في 16 أكتوبر بعنوان «في أي الملفات تختلف تركيا وأذربيجان؟»، ربطت المؤسسة التوتر بثلاثة ملفات رئيسية، الحجاب، والعلاقات مع الدولة العبرية، ومسار التطبيع مع أرمينيا. ونقلت عن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، عقب لقائه علييف ومسؤولين أذربيجانيين في باكو، تأكيده أن العلاقات بين البلدين تقوم على روابط راسخة، وأن الخلافات يمكن معالجتها بالحوار. وقال فيدان: "نحن شعب عريق، ويمكننا الجلوس والتحدث عن مشكلاتنا بطريقة حضارية تليق بهذا الماضي العريق".

لكن التقرير نفسه نقل تصريحات لعلييف أطلقها في الثاني من أكتوبر، من دون تسمية تركيا، قال فيها: «على الجميع أن يعرفوا حدودهم، وألا يتدخلوا في شؤوننا، وألا يفرضوا علينا نمط حياتهم أو يقدموا لنا التوجيهات». وأضاف الرئيس الأذربيجاني أن بلاده لا تحتاج إلى حماية أحد ولا إلى وصايته، وأن استقلال سياستها الخارجية يجب أن يظل مصوناً. وهي تصريحات تكشف أن الحساسية الأعمق في باكو لا تتعلق بالحجاب وحده، بل بمحاولة وضع جدار يحدد طبيعة العلاقات بين البلدين.

وهذه النقطة تحديداً تمثل أحد مفاتيح فهم الأزمة. فتركيا ترى نفسها شريكاً استراتيجياً أسهم في تعزيز قدرات أذربيجان العسكرية والسياسية، ولا سيما خلال حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 وما تلاها. أما باكو، التي عززت موقعها الإقليمي بعد استعادة السيطرة على الإقليم عام 2023، فتبدو أكثر تمسكاً بإظهار استقلال قرارها، ورفض أي صيغة قد توحي بأن تحالفها مع أنقرة يضع سياستها الخارجية تحت الوصاية التركية.

وفي هذا السياق، اكتسب مقال الكاتب التركي مليح ألتينوك في صحيفة «آ خبر»، المنشور في الأول من نوفمبر، أهمية خاصة؛ إذ قدم قراءة تعكس جانباً من الخطاب القريب من الأوساط المؤيدة للحكومة التركية. ودافع ألتينوك عن سياسة أردوغان تجاه أذربيجان، معتبراً أن إثارة قضية الحجاب تُستخدم لتأجيج الخلاف وإبعاد البلدين عن مصالحهما المشتركة. وربط الكاتب مساعي أنقرة للتقارب مع أرمينيا بمشروع فتح ممر زنغزور، الذي يتيح اتصالاً برياً بين تركيا وأذربيجان عبر الأراضي الأرمينية، معتبراً أن الانتقادات الموجهة إلى هذا المسار تتجاهل المكاسب الاستراتيجية التي يمكن أن يحققها للبلدين.

لكن الملف الأكثر حساسية في العلاقة يظل الدولة العبرية. فبينما تصعّد أنقرة خطابها السياسي ضد تل أبيب على خلفية حرب غزة والهجمات الصهيونية على سوريا، تحافظ باكو على علاقات وثيقة معها، تشمل التعاون العسكري والتقني والاستخباراتي والطاقة. ولا يتعلق الأمر بمجرد تباين في المواقف السياسية، بل بشبكة مصالح أمنية واقتصادية تشكل جزءاً من حسابات أذربيجان الإقليمية.

وفي افتتاحية نشرها موقع «مينفال» الأذربيجاني جاء أن باكو تعرضت خلال السنوات الثلاث الماضية لما وصفته بـ«سيل من الاتهامات والإهانات» بسبب تعاونها مع الدولة العبرية. واعتبرت الافتتاحية أن بعض الأصوات التركية تطالب أذربيجان عملياً بإخضاع سياستها الخارجية لتصورات الآخرين وتوقعاتهم.

وذهبت الافتتاحية إلى القول إن «الاتحاد لا يمكن أن يستمر اعتماداً على التاريخ المشترك وقرب الشعوب وحدهما، بل يحتاج إلى الاحترام المتبادل والاعتراف باستقلال كل عضو». كما نقل التقرير عن مقال في موقع «حقّين» الأذربيجاني انتقاداً لما اعتبره عجزاً لدى بعض الأوساط التركية عن استيعاب أن الدولة الشقيقة تملك حق اتخاذ قراراتها السيادية بنفسها.

وتكتسب هذه الرسائل أهمية لأنها لا تصدر عن خطاب تركي معارض، بل تعكس جانباً من النقاش الإعلامي في أذربيجان، وتكشف أن باكو لم تعد تكتفي بالدفاع عن علاقاتها مع الدولة العبرية، بل باتت تطالب أنقرة صراحة بالفصل بين التحالف الثنائي وحقها في بناء علاقات خارجية مستقلة.

ولا ينتهي التباين بين الطرفين عند الدولة العبرية؛ إذ يبرز الملف الأرميني بوصفه اختباراً آخر لمعادلة المصالح بين البلدين. فتركيا تسعى إلى تطبيع علاقاتها مع يريفان وفتح حدودها المغلقة منذ عام 1993، كما تنظر إلى الربط البري عبر جنوب القوقاز باعتباره فرصة استراتيجية لتعزيز اتصالها بأذربيجان وآسيا الوسطى. في المقابل، تنظر باكو بحساسية إلى أي تقارب تركي أرميني لا يراعي أولوياتها الأمنية والسياسية، ولا سيما ما يتصل بترتيبات الممرات والنزاع السابق.

وفي هذا الجانب، لا تبدو أنقرة مستعدة للتخلي عن مشروعها الإقليمي لمجرد تجنب الخلاف مع باكو، كما لا تبدو أذربيجان مستعدة لمنح تركيا تفويضاً مفتوحاً للتفاوض بشأن مستقبل المنطقة. ومن هنا، فإن الخلاف لا يتعلق بتفاصيل دبلوماسية، بل بتحديد من يملك حق رسم أولويات التحالف، وكيف يمكن التوفيق بين المصالح المشتركة والخيارات الوطنية المستقلة.

أما إيران، فتضيف بعداً جيوسياسياً أكثر تعقيداً إلى المشهد. فقد ربط تحليل صحيفة «تو فيما» اليونانية، المنشور في الثاني من نوفمبر، جانباً من التباين المحتمل بين أنقرة وباكو باختلاف تقديراتهما لمستقبل إيران. فأذربيجان، بحكم حدودها مع إيران ووجود ملايين المواطنين من أصول أذرية داخلها، تنظر إلى أي اضطراب كبير في طهران باعتباره تطوراً قد ينعكس مباشرة على أمنها الداخلي واستقرار حدودها.

لكن لا توجد حتى الآن تصريحات رسمية تثبت أن مستقبل النظام الإيراني يمثل محور خلاف معلناً بين أنقرة وباكو. والأدق أن يُقرأ هذا الملف باعتباره اختلافاً محتملاً في تقدير المخاطر والفرص؛ فتركيا تتعامل مع إيران ضمن شبكة توازنات إقليمية تشمل الأمن والطاقة والأكراد والوجود العسكري، بينما ترتبط الحسابات الأذربيجانية بصورة أكثر مباشرة بالحدود والتركيبة السكانية والأمن القومي.

ورغم هذه التباينات، لا تشير الوقائع إلى انهيار التحالف التركي الأذربيجاني. فإعلان شوشا الموقع عام 2021 رسّخ إطاراً للتحالف السياسي والعسكري، وتربط البلدين مصالح واسعة في الطاقة والتجارة والنقل والصناعات الدفاعية. كما أن التعاون العسكري الذي تعزز بعد حرب كاراباخ لا يزال أحد أعمدة العلاقة، فيما تمثل تركيا ممراً أساسياً للصادرات الأذربيجانية نحو الأسواق الغربية، وتظل أذربيجان شريكاً مهماً لأنقرة في مشاريع الطاقة والربط بين آسيا وأوروبا.

لكن ما يتعرض للاختبار اليوم هو طبيعة هذا التحالف وحدوده، لا وجوده من حيث المبدأ. فشعار «أمة واحدة ودولتان» الذي منح العلاقة بعداً وجدانياً وسياسياً، لا يستطيع وحده تسوية التناقض بين رؤية تركية تسعى إلى توسيع نفوذها في العالم التركي والإسلامي على حساب النفوذ الروسي والصهيوني، ورؤية أذربيجانية تصر على أن العلاقة مع الدولة العبرية تخضع للمصالح الشخصية للنخبة الحاكمة في باكو  فمعادلة النفط مقابل السلاح هي التي جعلت باكو تستورد قرابة 70 في المائة من أسلحتها من الدولة العبرية بين عامي 2016 و 2020 لكن الدولة العبرية لا تستطيع أن تحارب في جبهات القتال نيابة عن الأذريين في مواجهة أرمينيا. 

أعلى