• - الموافق2026/10/20م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
قوانين حظر الحجاب... من فرنسا إلى أذربيجان..

خلف معركة قوانين حظر الحجاب وأمامها صراع أعمق على هوية المسلمين ومن يملك حق تشكيل وعيه وتحديد مرجعيته، من فرنسا إلى أذربيجان تتكشف حقيقة المعركة من الذي يديرها وما الهدف من ورائها


منذ أيام شرعت أذربيجان في فرض قوانين حظر الحجاب في المدارس، وخرجت المعلمات والفتيات المحجبات يبكين منعهن من التعليم. موقف يهز المشاعر ويسأل عن إنسانية هؤلاء الذين وجهوا الإهانات لفتيات صغيرات لأنهن فقط أردن أن يغطين أجسادهن امتثالا لدينهن أو حتى حياء وحشمة.

والسؤال الأعمق هنا ليس لماذا فعلت أذربيجان ذلك، وهي دولة 96 في المائة من شعبها مسلمون، بل لماذا تقيم الحكومات في الشرق والغرب معاركها الطاحنة مع قطعة القماش، فقد فعلت فرنسا من قبل مثل هذا، وكذلك كانت تركيا قبل العدالة والتنمية تحظر الحجاب في كافة مؤسسات الدولة. وقس على ذلك العديد من الدول.

والحقيقة أنه وإذا كان الله يأمر الفتاه المسلمة بالحجاب، فإن الدولة الحديثة أيضا لها أوامرها، والدولة هنا ليست الحكومة أو النظام الذي أتى بالانتخاب أو بالاستيلاء. الدولة هنا هي تلك القواعد والمعايير والنماذج التي يجب أن يخضع لها الجميع وهي لا تطيق لها شريكا. الدولة الحديثة التي أصبحت من أولى أولياتها هو تشكيل الفرد والهيمنة على كل تفصيلة من تفاصيل حياته وتوجيه سلوكه، وهي لا تكتفي بضبط المجال العام بل تتسرب إلى أنماط التفكير والخطرات، رغبة أو رهبة.

الدولة الحديثة هي التي تبدأ في تحديد ما يتعلمه الفرد، وكيف يفكر، وما الأنماط السلوكية التي ينبغي أن يلتزم بها. وهي توفر له الخدمات والفرص، لكنها قد تطالبه، في المقابل، بالتنازل عن استقلالية فكرا وسلوكا، ليصبح في نهاية المسار ترسا صغيرًا في آلة كبيرة، تسيره كما تريد.

السؤال أعمق من قطعة قماش، وأبعد من خلاف على الزي المدرسي. إنه سؤال عن طبيعة الدولة نفسها، وعن حدود سلطتها على المجتمع، وعن اللحظة التي تتحول فيها العلمانية من مبدأ لتنظيم العلاقة بين المؤسسات الدينية والسلطة السياسية إلى أداة لإعادة تشكيل المجال العام وفق تصور أيديولوجي محدد.

وعندنا تخرج فتاه مسلمة تلتزم بالحجاب فهي هنا تتحدى هذه الأطر، فهي تعبر عن محاولة الخروج من المنظومة، وتعلن خضوعها لله، وأن الإسلام ما زال حاضرا في وجدان الفتاة وأسرتها والمجتمع التي خرجت منه، وأن مرجعيتها الدينية ما زالت حاضرة في اختياراتها، وأن الدولة ليست المرجع الوحيد الذي تستمد منه تصورها عن الحياة والسلوك. وهو ما لا تطيقه الدولة الحديثة ولا شرعها العلماني، والذي من الممكن أن يتسامح مع بعض المظاهر الدينية لكن عندما يتعلق الأمر بالمرأة فالأمر جد يختلف، لأن المرأة ليست هامشًا في المجتمع، وإنما إحدى ركائزه الكبرى، والضغط عليها وعدم السماح لها بأي هامش خارج الأطر المحددة لها هو أوجب الواجبات لدى العلمانية، لا حظ معي حجم الاهتمام الغربي بها مؤتمرات المرأة وجمعيات حقوق المرأة، واتفاقيات السيدوا وغيرها كثير، وحق المرأة في جسدها، وحق المرأة في الإجهاض وللمرأة في دين العلمانية الحق في كل شيء.. إلا أن تكون مسلمة طائعة لربها،

هناك أنظمة قد تتسامح مع الحجاب لكنها مع ذلك تسعى لتحقيق ما هو أبعد من إخضاع الإنسان تحت كلكل الدول الحديثة، تريد أن تخرج تسحقه سحقا فتخرج نمطا جديدا من الإسلام متوافقا مع قيمها، ليس ممنوع لديها أن تكون علمانيا معمما أو تكوني متحررة تغطي شعر رأسها. المهم في ذلك أن يكون كل ما هو تحت جلدك علمانيا إلى نخاع العظام. هل تذكرون "ريما الفقيه" ونحن هنا لا نقصد الشخصية بل نقصد الرمزية، وهي في الأصل لبناية شيعية، هاجرت لأمريكا وحصلت على الجنسية، ثم أطلت بجسدها في مسابقات ملكات الجمال، ما أدراك ما مسابقات ملكات الجمال، المفارقة هنا أن المسابقة تواكبت مع شهر رمضان، وعندما سأل أخوها هل تصوم ريما رمضان أجاب بالطبع فهو يزيدها بريقا وجمالا في المسابقة، ورمزية أخرى سلط عليها الإعلام الألماني ضوءه وهو مسلم شاذ، وفي الأحاديث الإعلامية معه صنعت منه نموذجا بطلا يذكر أنه يصلي، وعلاقته بصديقه لا تمنعه من المحافظة على عبادته وصلاته، امرأة تتعرى وتصوم، ورجل شاذ ويصلي، هذا هو النموذج الآخر من العلمانية التي يكفيها أن تستحوذ على كل ما بداخلك ثم تترك لك هذا الهامش من المظهر لبعض الوقت فقط، لأن ما بداخلك سيخرج إن آجلا أو عاجلا فيك اليوم أو فيك لاحقا، وانظر إلى الجيل الثالث من المسلمين الذين هاجروا إلى الغرب هل تسمع عنهم انتماء لدينهم أو قيمهم. وانظر إلى شباب وأجيال الدول التي انتشرت بها العلمانية وتغلغلت شرقا وغربا، ماذا بقي اليوم من الإسلام في واقع شبابهم، مجتمعات الأصل فيها الإسلام ومن دون قيود ولا تضييق قد لا تجد بين فتيات الجامعات محجبات إلا قليل نسبة قد لا تتجاوز العشرة بالمائة، تلك العلمانية الخبيثة لا تتسامح مع هؤلاء بل تمهلهن فقط، وهي تنظر لم منع الحجاب قسرا بالقوانين وكأنها تقول لهم يا لكم من أغبياء توشكون أن تفسدوا الخطة.

إنها معركة كبرى جوهر الصراع فيها على وجدان المجتمعات المسلمة وحملها على التخلي عن خضوعها لخالقها، ودينها وقيمها، لصالح نموذج جديد يتسرب إلى مجتمعاتنا بلطف وخفة، في غفلة منا، ولربما أسهمت محاولات المنع والإكراه، في كشف طبيعة الصراع وإيقاظ مجتمعات كانت غافلة عن أبعاده، فالشكر موصول لكل من حاول إيقاظها من غفلتها خوفا عليها أو بغباء منه.

 

أعلى