قد تكون الانتخابات الرئاسية المبكرة القادمة في تركيا هي الأخيرة في مسيرة أردوغان السياسية، وهو ما يفتح ملفات تتجاوز السباق الانتخابي إلى مستقبل خلافته، وآليات انتقال القيادة، وقدرة حزب العدالة والتنمية على الحفاظ على تماسكه وتوازناته الداخلية في مرحلة ما
لم تعد انتخابات الرئاسة التركية المقبلة مجرد استحقاق روتيني ينتظر موعده الدستوري
في عام 2028، بل بدأت ملامحها تتشكل مبكراً عبر تحركات حركية ورسائل سياسية تتجاوز
حدود المنافسة التقليدية بين السلطة والمعارضة. ويطرح الحديث المتصاعد من أروقة
الرئاسة عن إمكانية تقديم موعد الانتخابات وترشح الرئيس رجب طيب أردوغان مجدداً،
أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل السلطة، وتماسك الحزب الحاكم، وشكل الخارطة السياسية في
المرحلة المقبلة. هذه التحركات لا تبدو مجرد مناورات عابرة، بل تأتي كمؤشرات قوية
على سعي حزب العدالة والتنمية إلى تعزيز موقعه قبل استحقاق قد يكون الأخير
لأردوغان، وذلك عبر توسيع قاعدة الحزب، والاستعداد لمعركة انتخابية جديدة، والبحث
عن صيغة دستورية تسمح للرئيس بالترشح مجدداً.
كبير مستشاري أردوغان يمهد لانتخابات مبكرة
برزت تصريحات كبير مستشاري الرئيس ونائب رئيس مجلس السياسات القانونية بالرئاسة،
محمد أوتشوم، كمؤشر سياسي بالغ الأهمية بشأن موعد الانتخابات وإمكانية ترشح
أردوغان. ففي تصريحات أدلى بها سابقاً، توقع أوتشوم إجراء الانتخابات في 16 أبريل
2028، موضحاً أن هذا التاريخ يحمل دلالة رمزية واضحة؛ كونه يوافق ذكرى الاستفتاء
الشعبي الذي أقر الانتقال إلى النظام الرئاسي في تركيا عام 2017، ومؤكداً في الوقت
ذاته أن أردوغان سيكون مرشحاً "للمرة الأخيرة". وعاد أوتشوم لاحقاً ليرجح تقديم
الموعد إلى مارس أو أبريل من العام نفسه.
ورغم أن هذه التصريحات لا تعني حسم الموعد رسمياً أو صدور قرار نهائي من الرئيس
نفسه، إلا أنها تكشف بوضوح عن اتجاه داخل معسكر السلطة نحو ترتيب أوراق المعركة
الانتخابية مبكراً. وتبرز هنا المسألة الدستورية كعقبة أساسية؛ إذ ينص النظام
الحالي على ولايتين رئاسيتين فقط للرئيس، مع وجود استثناء وحيد يتيح له الترشح
مجدداً إذا قرر البرلمان تجديد الانتخابات والدعوة لانتخابات مبكرة خلال ولايته
الثانية. وبناءً على ذلك، فإن خيار تقديم موعد الانتخابات يتجاوز التنظيم الزمني
ليرتبط مباشرة بالمسار القانوني والدستوري الحتمي لشرعنة ترشح أردوغان.
تأثير التبكير على إيقاع الحياة السياسية
إذا تقرر رسمياً تقديم موعد الانتخابات، فإن ذلك سيفرض إيقاعاً سريعاً ومكثفاً على
الحياة السياسية التركية؛ فبدلاً من الانتظار للموعد الطبيعي، ستجد الأحزاب كافة
نفسها أمام فترة وجيزة للاستعداد، واختيار المرشحين، وبناء التحالفات، وصياغة
البرامج التنافسية.
بالنسبة لأردوغان، يتيح هذا التبكير إدارة المعركة وفق جدول زمني يخدم الحزب
الحاكم، وتعبئة القواعد الشعبية وحلفائه عبر ربط البرنامج الانتخابي بإنجازاته
السابقة. لكن هذا الخيار سيضع قضايا الاقتصاد، والتضخم، والخدمات العامة في صدارة
النقاش؛ إذ لن يكون التوقيت الدستوري وحده كافياً لضمان التفوق، بل مدى قدرة
الحكومة على إقناع الناخبين بجدوى سياساتها الاقتصادية.
في المقابل، ستواجه المعارضة اختباراً مزدوجاً؛ إذ سيكون لزاماً عليها التعامل مع
احتمال تبكير الانتخابات من جهة، ومعادلة ترشح أردوغان من جهة أخرى. هذا السيناريو
يتطلب من أحزاب المعارضة تسريع التوافق حول مرشح رئاسي موحد وبرنامج سياسي مشترك،
بدلاً من استنزاف الوقت في الخلافات الداخلية، حيث سيعتمد نجاحها على تقديم رؤية
اقتصادية وسياسية متماسكة وبديلة تقنع الشارع التركي.
تحالف الجمهور وتحدي مأسسة الحزب
يمثل الحديث عن ترشح أردوغان مجدداً سيفاً ذو حدين لحزب العدالة والتنمية وتحالف
"الجمهور" الحاكم الذي يجمعه بحزب الحركة القومية. فمن ناحية، يتيح وجود قائد
كاريزمي يتمتع بخبرة طويلة للحزب بناء حملته حول شخصية مركزية قوية، وتجنب
الانقسامات التي قد تصاحب اختيار بديل في الوقت الراهن. ولكن من ناحية أخرى، فإن
الاعتماد المستمر والمطلق على شخص أردوغان يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الحزب على
تطوير بنيته التحتية وإعداد قيادات قادرة على قيادة الدفة مستقبلاً.
إن الحديث العلني داخل الحزب عن كون انتخابات 2028 هي المحطة الأخيرة لأردوغان،
يفتح تدريجياً نقاشاً صامتاً حول هندسة مرحلة الانتقال؛ فوُجود أفق زمني لخروج
الرئيس من المشهد يفرض على الحزب ضرورة التفكير في الاستقطاب وتجديد الدماء. وفي
هذا السياق، يسعى الحزب الحاكم إلى استقطاب كفاءات تكنوقراطية وشخصيات تتمع بثقل
محلي واقتصادي لتوسيع قاعدته الانتخابية، واختراق الحصون التقليدية للمعارضة (كما
هو الحال في التنافس المحموم على المدن الكبرى مثل إزمير التي يقود بلديتها المعارض
جميل توغاي، أو إسطنبول وأنقرة). ويظل نجاح الحزب مرهوناً بقدرته على تحقيق
الانسجام بين الكوادر التاريخية والوافدين الجدد، دون أن يتحول هذا الاستقطاب إلى
بؤرة للتنافس والصراع الداخلي.
مستقبل "العدالة والتنمية" في مرحلة ما بعد أردوغان
تُشكل معضلة "ما بعد أردوغان" القضية الوجودية الأبرز التي ستحدد مصير حزب العدالة
والتنمية في السنوات المقبلة؛ فالرئيس لا يمثل مجرد رئيس للحزب، بل هو المحور
الأساسي لهويته السياسية، وخطابه التعبوي، وتحالفاته المعقدة. بناءً على ذلك، فإن
الانتقال إلى مرحلة جديدة لن يتوقف على تسمية مرشح بديل فحسب، بل سيتطلب الحفاظ على
تماسك الشبكة التنظيمية العريضة للحزب، وصياغة خطاب سياسي متطور يواكب تطلعات
الأجيال الجديدة من الناخبين.
أمام الحزب الآن خياران متكاملان: الاستمرار في الاستناد إلى الرمزية السياسية
والتاريخية لأردوغان، والبدء الفوري والمؤسسي في تجديد بنيته القيادية. فالأحزاب
التي تنجح في تحويل "القيادة الفردية" إلى "مؤسسة مستدامة" تكون أكثر مرونة وقدرة
على البقاء؛ بينما يؤدي تأجيل هذا النقاش إلى جعل مرحلة الانتقال بالغة الصعوبة
عندما تفرضها الضرورة السياسية. ولا يعني غياب أردوغان مستقبلاً تراجع الحزب
تلقائياً، بل سيعتمد الأمر على كفاءة الحزب التنظيمية، وإدارته للملفات الحياتية،
وقدرته على إدارة الخلافات الداخلية وتداول المسؤوليات بسلاسة.
كلمة أخيرة
تؤكد المعطيات الراهنة في تركيا أن هندسة المشهد لانتخابات 2028 قد بدأت بالفعل،
وأن تصريحات المقربين من الرئاسة تفتح الباب أمام نقاش دستوري وسياسي يتجاوز مجرد
تحديد يوم الاقتراع. وفي نهاية المطاف، فإن فرص أردوغان وحزبه ستتحدد بمدى قدرتهم
على تحويل التماسك التنظيمي إلى رصيد شعبي وصناديق اقتراع، وبالمقابل مدى قدرة
المعارضة على تقديم بديل مقنع. أما السؤال الأبعد أثراً، فلن يكون حول إمكانية خوض
أردوغان لمعركة جديدة، بل حول كيفية تهيئة الحزب لنفسه لمرحلة ما بعد القائد،
وإثبات قدرته على الاستمرار كمؤسسة سياسية عابرة للأشخاص.