لم تكن سبتة في أواخر يوليو مجرد بوابة تدفق منها آلاف الفارين، بل شقًّا انفتح فجأة في جدار المتوسط، كاشفًا ما تخفيه الحدود من استعمارٍ قديم، وصراعاتٍ جديدة، وحساباتٍ إسرائيلية وأوروبية، وشبابٍ يطاردون خلف الأسوار حلمًا بالنجاة وسط عالمٍ مضطرب.
تتجاوز التدفقات البشرية
التي شهدتها شواطئ مدينة سبتة المحتلة في أواخر يوليو الماضي حدود المأساة
الإنسانية العابرة، لتغدو مرآةً كاشفة لشبكة معقدة من الصراعات الجيوسياسية في حوض
البحر المتوسط. فهذه الهزة الحدودية العنيفة لا يمكن فهمها بمعزل عن جذورها
الاستعمارية المتواصلة، ولا بعيداً عن هندسة الابتزاز التي تقودها الدوائر
الصهيونية لمعاقبة إسبانيا على مواقفها في مناصرة الحق الفلسطيني، وفي الوقت الذي
يندفع فيه آلاف الشباب فراراً من واقع التهميش والانسداد الاقتصادي في الضفة
الجنوبية بالمغرب، يكشف التعاطي الغربي مع الأزمة عن زيف الشعارات البراقة؛ إذ
سارعت العواصم الأوروبية إلى استدعاء الخيار الأمني ووصم الوضع بالغزو المنظم، في
تأكيد جديد على أن ادعاءات حقوق الإنسان تتهاوى فور اقتراب المستضعفين من تخوم
القلعة الأوروبية وثغورها الاستعمارية.
الإرث
الاستعماري
تُشكّل مدينتا سبتة
ومليلية المحتلتان إحدى ملامح الاحتلال الجغرافي في عالمنا المعاصر، باعتبارهما آخر
ثغور الاحتلال الإسباني المباشر في القارة الأفريقية، ونقطة التماس البرية الوحيدة
مع القارة الأوروبية. حيث تخضع مليلية للسيطرة الإسبانية منذ عام 1497، فيما خضعت
سبتة للسيادة ذاتها منذ عام 1640، وتكرس ذلك بموجب معاهدة لشبونة عام 1688. ومنذ أن
استعاد المغرب استقلاله عام 1956، لم تتوقف المطالبات المشروعة باسترجاع الجيبين
باعتبارهما جزءاً لا يتجزأ من التراب الوطني، مما جعل المنطقة جرحاً نازفاً وبؤرة
توتر دائم تطفو على السطح مع كل أزمة دبلوماسية، لتكشف عن الإصرار الغربي المتواصل
على احتفاظه بالقواعد والشرائح الاستعمارية قبالة الشواطئ العربية.
ورغم منح المدينتين الحكم
الذاتي داخل الهيكل الإداري الإسباني عام 1995، إلا أن هذا الواقع الهجين أنتج
مأزقاً قانونياً وديموغرافياً معقداً؛ فالمدينتان تظلان استثناءً خارج الاندماج
الكامل في فضاء "شنغن"، مما حولهما إلى ثغور مراقبة مشددة. إلى جانب التوتر
الديموغرافي الداخلي في سبتة، حيث يتوزع النسيج السكاني بين الإسبان والمواطنين من
أصول مغربية ومسلمين، حيث يعمل اليمين القومي المتطرف في إسبانيا، المتمثل في حزب
"فوكس"، على تغذية خطاب العنصرية ضد الوجود الإسلامي طوال الوقت.
|
|
تشير المعطيات المتقاطعة إلى دورٍ تخريبي لعبته الدوائر الصهيونية بالتحالف
مع قادة اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة لمعاقبة مدريد على
مواقفها الشجاعة المناهضة للعدوان الصهيوني على غزة |
انكشاف القلعة
الأوروبية
مع صدور قرار المحكمة
العليا الإسبانية في 8 يوليو الماضي الذي حدّ من عمليات الترحيل الفوري للمهاجرين
الواصلين بحراً، وجدت مدريد نفسها أمام انكشاف لوجستي وسياسي تعمّق بتكدس آلاف
العالقين. وأمام هذه التدفقات ـ حيث وصلت الأعداد إلى 70 ألفاً من العابرين ـ حدث
ارتباك قانوني وسياسي سرعان ما أسقط القناع التبشيري الذي لطالما تدثرت به العواصم
الغربية؛ إذ تلاشت ادعاءات التضامن واللجوء الإنساني بمجرد وصول التدفقات البشرية
عبر شواطئ "تاراخال" و"بليونش" هرباً من واقع معيشي ضاغط، ليحل محلها المنطق الأمني
والردع العسكري.
وفي مشهد يجسد الذعر
القومي والتواطؤ الحزبي، تلاقت التيارات السياسية الإسبانية والأوروبية على اختلاف
أطيافها خلف المقاربة الأمنية الصرفة؛ حيث زايد اليمين الفاشي على المأساة، بينما
سارعت حكومة بيدرو سانشيز الاشتراكية إلى نشر المدرعات واقتياد الفارّين تحت فوهات
البنادق. ولم تتوقف ارتدادات هذه العنصرية عند حدود مدريد، بل امتدت إلى عمق
الاتحاد الأوروبي في مشهد ينم عن رعب جماعي وعنصرية متأصلة، وهو ما جسدته خطوة
حكومة روما بقيادة جورجيا ميلوني بتعليق العمل باتفاقية "شنغن"؛ لتتهاوى أسطورة
التضامن الأوروبي سريعاً، وفرض رقابة مؤقتة على الحدود الجوية والبحرية لمنع تسرب
المهاجرين إلى أراضيها، مهددة بإقصاء مدريد من فضاء حرية التنقل، وهو الموقف الذي
ساندته فنلندا ودول أوروبية أخرى تطالب بتسريع وتيرة الترحيل وتوسيع تفويض وكالات
مراقبة الحدود، وهو ما يبرهن في سياق آخر على أن فكرة التضامن الأوروبي هي كذبة
كبرى تنهار بمجرد اقتراب المخاطر من حدودها.
انتقام تل أبيب
لا يمكن فهم التوقيت المريب لأزمة سبتة والتدفق البشري الكثيف بعيداً عن التحولات
الجيوسياسية المشتعلة في الشرق الأوسط؛ إذ
تشير المعطيات المتقاطعة إلى دورٍ تخريبي لعبته الدوائر الصهيونية بالتحالف مع قادة
اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة لمعاقبة مدريد على مواقفها الشجاعة
المناهضة للعدوان الصهيوني على غزة. فمنذ اعتراف حكومة سانشيز بالدولة
الفلسطينية، وفرضها حظراً شاملاً على تصدير السلاح للكيان الصهيوني، وصولاً إلى
منع
السفن المحملة بالسلاح نحو إسرائيل من الرسو في الموانئ الإسبانية
فضلاً عن
حرمان القوات الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية التاريخية مثل "روتا" لشن
هجمات استهدفت إيران وحلفاءها،
تحولت إسبانيا في نظر تل أبيب وواشنطن إلى استثناءٍ مغرد خارج السرب الغربي، مما
استدعى تحريك أدوات الحرب الهجينة لزعزعة استقرارها الداخلي وإحراج قيادتها
التزاماً بأسلوب العقاب الجماعي والدبلوماسي.
لم تكن هذه المؤامرة وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لتجييشٍ إعلامي وسياسي موثق
ونتيجة لتحريض ممنهج وهندسة واضحة سبقت تفجر الأزمة بأسابيع؛
ففي مارس الماضي، دعا "معهد المشاريع الأمريكي" اليميني الرباط علناً لترتيب مسيرة
خضراء جديدة نحو سبتة ومليلية
لرفع الأعلام وطرد المستوطنين الإسبان،
ليتلاقى ذلك مع تقرير صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية الذي اقترح استغلال النفوذ
الصهيوني في الولايات المتحدة لدعم الطموحات المغربية عقاباً لمدريد. وتُرجم هذا
التحريض تشريعياً بتمرير مجلس النواب الأمريكي بنداً لتمويل المغرب عسكرياً مع
الإشارة إلى سيادته على المدينتين، في تقاطعٍ مشبوه تلاقى مع احتفاء الرباط بالرئيس
الأمريكي دونالد ترامب وتسمية أحد أطول طرقها
في الصحراء الغربية
باسمه، مقابل ثنائه العلني الذي سبق انفجار الأزمة الحدودية بأيام معدودة.
وفي أوج الأزمة، جاء السلوك الصهيوني ليكشف عن المؤامرة الخبيثة؛ إذ بادر مندوب
الكيان الإسرائيلي في الأمم المتحدة، داني دانون، إلى الشماتة بمدريد والدعوة
للتركيز على جيوبها الاستعمارية
في أفريقيا
بدلاً من تقديم دروسٍ في حقوق الإنسان،
هذا التماهي الكامل بين التحريض الصهيوني والمصالح الأمنية المغربية يثبت أن أزمة
الهجرة لم تكن مجرد حدث إنساني عفوي، بل تم توظيفها واستغلالها سياسياً
واستخباراتياً من تل أبيب لمعاقبة سانشيز وإحراجه داخلياً وخارجياً، وقد لخص وزير
النقل الإسباني، أوسكار بوينتي، هذه الشكوك العميقة بإعلانه الرافض لأن تتحول
إسبانيا إلى "مكتب فرعي لترامب أو نتنياهو"، كاشفاً النقاب عن اقتناع متزايد داخل
النخبة الإسبانية الحاكمة بأن بلادهم تدفع ثمن مواقفها الشجاعة تجاه غزة في مواجهة
الابتزاز الصهيوني.
عمق الأزمة في
البلدين
بعيداً عن التحليلات
المجرّدة، تقتضي القراءة المنهجية الرصينة النفاذ إلى عمق الأزمة كما تتجلى داخل
البلدين الجارتين؛ ففي إسبانيا كشفت أحداث سبتة عن هشاشة المنظومة الحكومية
وازدواجيتها الأخلاقية التي سارعت إلى استدعاء المعجم الأمني والعنصري. ويتلخص هذا
المأزق الإسباني الداخلي في بُعدين رئيسين:
* العنصرية المؤسسية
والتضييق الميداني: قوبل التدفق البشري بتصاعد لافت في خطاب الكراهية، وتضييقٍ
مباشر على الفارين بمنعهم من الحصول على أدنى مقومات الحياة كالمياه والغذاء، في
ممارسة تعكس الذعر الديموغرافي وتغليب النزعة الاستعلائية على حساب الحقوق
الإنسانية الأساسية.
* التلاقح الحزبي
والمزايدة السياسية: انصهرت الفوارق الأيديولوجية بين أطياف المشهد الإسباني؛ إذ
تلاقت تحريضات اليمين الفاشي مع مواقف أطراف داخل الائتلاف الحكومي في المطالبة
بمعاقبة المغرب واستبعاده من تنظيم نهائيات كأس العالم 2030، مما يؤكد أن العداء
للوجود المغربي والإسلامي يظل القاسم المشترك عند استثارة الهواجس الأمنية.
في الضفة الجنوبية، تُشكل
هذه الفاجعة مرآةً كاشفةً لعمق الانسداد الاقتصادي والسياسي داخل المغرب؛ إذ إن
اندفاع عشرات الآلاف ونبذهم للحدود لا يمكن فصله عن أزمة العدالة الاجتماعية وتآكل
الثقة في السياسات المحلية. وتتجسد أبعاد هذا المأزق المغربي في نقطتين:
* الاحتقان السياسي ورفض
التطبيع: اقترنت الضائقة الاقتصادية بالتضييق الأمني على الحركات الشبابية،
بالتوازي مع السخط الشعبي المتصاعد ضد مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني وقمع
التظاهرات التضامنية مع غزة، لتتحول المحاولة الجماعية للعبور إلى انفجارٍ سياسي
يعبر عن الرفض المطلق لواقع التهميش والارتهان والارتماء الكامل في حضن الاحتلال
الصهيوني.
تبعات ومآلات
المشهد
تتجه التداعيات المترتبة
على أزمة سبتة الأخيرة نحو إعادة تشكيل الخريطة السياسية والدبلوماسية في كلا
الضفتين، حيث لم تعد الأزمة مجرد حادث حدودي عابر، بل صدمة هيكلية تمتد آثارها إلى
عمق المؤسسات والتوازنات الإقليمية. ويمكن تفكيك مآلات هذه الأزمة عبر جزئين
رئيسين:
أولاً: المشهد الإسباني
* المأزق السياسي للحكومة
الاشتراكية: يجد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز نفسه في حقل ألغام سياسي محاطاً
بانقسامات داخل ائتلافه الحكومي؛ إذ تضطره الأزمة للموازنة المعقدة بين استعادة
نبرة الردع لحماية الثغور الاستعمارية في سبتة ومليلية لإرضاء الشارع الإسباني
المتخوف، وبين الالتزام بتقديم تنازلات للرباط لضمان التعاون الحدودي ومع مواصلة
تقديم التنازلات الدبلوماسية للمغرب، قد يهدد ذلك ائتلافه الهش ويعزز من فرص صعود
اليمين إلى سدة الحكم.
* صعود اليمين الشعبوي:
تتيح الأزمة فرصة ذهبية لليمين المتطرف (حزب فوكس كمثال) لاستغلال الهواجس
الديموغرافية وتأجيج الخطاب العنصري ضد المسلمين والمغاربة. ويتقاطع هذا الصعود
المحلي مع تحريض صهيوني ومساندة من دوائر اليمين في الولايات المتحدة، التي تسعى
لمعاقبة مدريد جراء موقفها الشجاع والمبدئي في مناهضة حرب الإبادة في غزة وحظر
تصدير السلاح للكيان الصهيوني.
* تآكل التضامن الأوروبي
وإرباك الناتو: كشفت الأزمة عن هشاشة التضامن داخل الاتحاد الأوروبي، كما سلطت
الأزمة الضوء على الموقف المعقد لحلف الناتو الذي يستثني سبتة ومليلية من مظلته
الدفاعية المباشرة، مما يترك مدريد مكشوفة في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.
ثانياً: الشأن المغربي
* الاستحقاقات الانتخابية:
عشية انتخابات سبتمبر 2026 التشريعية، تخيم ظلال الأزمة على المشهد المغربي لتضع
الشارع أمام مسارين: إما اتساع رقعة العزوف السياسي ومقاطعة صناديق الاقتراع نتيجة
فقدان الثقة في الأحزاب الحاكمة، أو اندفاع تيار عارم من التصويت العقابي ضد
الأحزاب الحاكمة جراء الفشل التنموي واتساع معدلات الفقر والبطالة.
* استراتيجية الحارس
وأوراق الضغط: تبعث الرباط برسالة واضحة مفادها أن لعب دور الحارس المجاني لحماية
حدود أوروبا الاستعمارية لم يعد خياراً مقبولاً في ظل غياب التضامن الغربي وإصرار
أوروبا على فرض شروط اقتصادية مجحفة. وسيتواصل استخدام ورقة الرقابة الحدودية بشكل
تكتيكي لانتزاع مكاسب جيوسياسية وإجبار العواصم الغربية على الاعتراف الصريح
بالسيادة الترابية للمملكة.
* مأزق التطبيع والانفجار
الشعبي: أظهرت الأحداث حجم الفجوة بين التوجهات الرسمية والشارع؛ إذ جاء الهروب
الجماعي للشباب واليافعين كرد فعل على التهميش والانسداد الاجتماعي، بالتوازي مع
حالة الغضب الشعبي العارم ضد اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني وقمع التظاهرات
الداعمة لغزة.
في الختام؛ فإن أزمة سبتة
تفتح الباب عريضاً أمام المستقبل، فارضةً أسئلة استشرافية عديدة: هل تصمد القلعة
الأوروبية وسياجاتها العسكرية أمام انفجارات الجنوب المتلاحقة؟، وإلى متى تُرهن
قضايا العبور لأجندات الابتزاز الصهيوني والضغوط الأمريكية؟، وهل تملك دول المنطقة
الإرادة لكسر المعادلة الاستعمارية والتأسيس لنموذج تنموي وسياسي عادل يُنهي ارتهان
شبابها للعيش بالخارج، أم أننا نقف بالفعل على أعتاب مرحلة أشد خطورة تتجاوز أسوار
سبتة لتُعيد رسم توازنات المتوسط برمتها؟