• - الموافق2026/09/04م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
حل

هل يمثل حل قسد حلا نهائيا للمعضلة الكردية وفي ، وهل استوعب الأكراد الدرس الأمريكي حين استخدمتهم حتى إذا انتهى دورهم أنهتهم، وهي طريق الدمج موطأ أما ما زال العديد من التحديات


يأتي الإعلان المفاجئ من قلب العاصمة السورية دمشق عن حل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وإنهاء وجودها العسكري والمدني المستقل بمثابة زلزال جيوسياسي طوى صفحة عقد كامل من المراهنات الانفصالية، ليثبت بالبرهان القاطع أن التعهدات الأمريكية لم تكن يوماً سوى سراب يتبخر عند أول مفترق طرق. هذا السقوط المتوقع الذي أعقب جولات طويلة من المناورات والمماطلات لم يكن مجرد انكسار عسكري لفصيل مسلح واجه الدولة الوطنية، بل صدمة تاريخية كاشفة لكل القوى والمكونات التي توهمت أن المظلات الخارجية يمكن أن تبني وطناً أو تؤسس لكيان دائم خارج حدود السيادة، ولا شك أن مشهد الجنرال مظلوم عبدي وهو يعلن تفكيك قواته ودمجها الكامل في مؤسسات الدولة يضع نهاية بليغة لتجربة شبه الدولة التي نمت في فراغ الحرب، معلناً انتصار منطق الدولة كصمام أمان وحيد للشعوب، ومقدماً درساً قاسياً في واقعية السياسة التي لا تحرس الحلفاء بل تحرس المصالح فحسب.

سقوط كيان الوهم

في 25 أغسطس الماضي، وقف قائد "قسد" مظلوم عبدي بلباسه المدني أمام شاشات التلفزة الرسمية من القصر الرئاسي بدمشق ليعلن طي صفحة قواته والبدء في دمج تشكيلاتها بالكامل داخل مؤسسات الدولة السورية. هذا الإعلان جاء تتويجاً لمسار عسكري انهار فيه الكيان الانفصالي الكردي تحت وطأة الهجوم الحاسم الذي شنته القوات السورية في يناير الماضي، حيث تهاوت خطوط الدفاع التي شيدتها "قسد" على مدى سنوات في غضون أيام معدودة، وتمكنت القوات السورية من فرض سيطرتها على ما يقارب 80% من المساحات التي كانت تخضع للإدارة الذاتية، مما وضع قيادة الميليشيا أمام حقيقة ميدانية مريرة تؤكد زيف القوة المستقلة التي طالما تباهت بها.

 

واشنطن التي سارعت عبر مبعوثها توماس براك إلى وصف حل "قسد" بالحدث التاريخي والمرحب به، أثبتت مرة أخرى أن رعايتها للحلفاء المحليين هي رعاية وظيفية ومؤقتة ترتبط بوجود العدو المشترك وتزول بزواله

وقد أثبتت التطورات الميدانية المتسارعة أن القوة العسكرية لـ "قسد"، والتي قيل ذات يوم إنها تضم مئة ألف مقاتل، كانت مجرد بالون تضخم تحت الرعاية الأمريكية، وبمجرد أن رُفعت تلك الرعاية الجزئية انكشفت موازين القوى الحقيقية على الأرض. المماطلة الطويلة التي مارستها الميليشيا منذ اتفاق مارس 2025 أملاً في تغير الظروف الإقليمية لم تسفر سوى عن زيادة الكلفة العسكرية والسياسية عليها، حيث جاء اتفاق التاسع والعشرين من يناير ليفرض شروطاً قاسية عجلت بالدمج ووضعت حداً للمناورات. هذا السقوط الدراماتيكي يوضح أن السيطرة على الأرض في فترات الفوضى لا يمكن أن تتحول بالتقادم إلى حق سياسي مكتسب ما لم تكن مستندة إلى شرعية وطنية حقيقية وتوافق أهلي صلب.

ولم تقتصر عوامل التفكك على الضربات العسكرية لجيش الدولة السورية، بل كانت البنية الاجتماعية الهشة للإدارة الذاتية هي الخاصرة الرخوة التي عجلت بالنهاية الحتمية. فالأغلبية العربية الساحقة التي تقطن مناطق شرق الفرات عانت لسنوات طويلة من سياسات الإقصاء والاستفراد بالثروات التي مارسها حزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني. وبمجرد بدء العمليات العسكرية، نجح منسق الشؤون العشائرية لدى الرئاسة السورية، جهاد عيسى الشيخ، في سحب الغطاء العشائري العربي عن "قسد" وإقناع المكونات العربية بإنهاء ولائها للميليشيا والعودة إلى كنف الدولة، مما عزل النواة الكردية وتركها تواجه مصيرها وحيدة في الحسكة والقامشلي.

البراغماتية الأمريكية

يمثل الموقف الأمريكي الأخير من حل "قسد" تجسيداً تقليدياً للبراغماتية السياسية التي تعتمدها واشنطن تجاه أدواتها المحلية عبر التاريخ. فعلى الرغم من سنوات العمل الطويلة والتضحيات الجسيمة التي قدمها المقاتلون الكرد في الحرب ضد تنظيم "داعش" كشريك بري للتحالف الدولي، لم تتردد إدارة دونالد ترامب في التضحية بهذا الحليف فور تغير الأولويات الإستراتيجية الأمريكية. واشنطن التي سارعت عبر مبعوثها توماس براك إلى وصف حل "قسد" بالحدث التاريخي والمرحب به، أثبتت مرة أخرى أن رعايتها للحلفاء المحليين هي رعاية وظيفية ومؤقتة ترتبط بوجود العدو المشترك وتزول بزواله. وقد عبر الدبلوماسي المخضرم جيمس جيفري، الذي تولى ملف دمشق في ولاية ترامب الأولى، عن هذا المبدأ بوضوح صارخ حين صرح مراراً بأن علاقة واشنطن بـ "قسد" هي علاقة "مؤقتة وتكتيكية وقائمة على مصلحة محددة" تتمثل في هزيمة داعش، مؤكداً أن بلاده لم تقدم يوماً أي ضمانات سياسية أو عسكرية دائمة لحلفائها الكرد. هذه الحقيقة التي تجاهلتها قيادات "قسد" عمداً بدافع الغرور السياسي سقطت كالصاعقة على رؤوس النخب الكردية التي رأت في الموقف الأمريكي خيانة صريحة، بينما هو في حقيقته قراءة واقعية لطبيعة الإستراتيجية الأمريكية.

إن رغبة إدارة ترامب في تعزيز علاقتها مع حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع وبناء تفاهمات مستقرة تضمن مصالح الشركات الأمريكية في مشاريع إعادة الإعمار بتمويل دولي وإقليمي، فرضت بالضرورة التخلص من عبء الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة. ولا شك أن زيارة الشرع للبيت الأبيض في نوفمبر 2025 وحفاوة الاستقبال التي حظي بها، متبوعة بقرار إلغاء عقوبات قانون قيصر ورفع اسم سوريا من قوائم الدول الراعية للإرهاب، كانت بمثابة كتابة شهادة الوفاة لمشروع الإدارة الكردية الذاتية، حيث اختارت واشنطن الرهان على سوريا موحدة وقوية ذات سيادة، مفضلة ترتيب أوراقها مع دمشق وأنقرة على حساب ميليشيا تحمل أيديولوجيا قومية متطرفة مرفوضة محلياً وإقليمياً.

دروس التاريخ المهملة

لم تكن صدمة التخلي الأمريكي الأخيرة فريدة من نوعها، بل هي تكرار لسيناريوهات تاريخية غنية بالدروس التي أهملتها قيادات "قسد" بحماقة سياسية نادرة. ففي سبتمبر من عام 2017، عندما أصرت القيادة الكردية في إقليم كردستان العراق على إجراء استفتاء الانفصال رغم التحذيرات الدولية، وقفت واشنطن بلا حراك وهي تشاهد القوات العراقية تكتسح كركوك وتنهي عقوداً من السيطرة الكردية المتنازع عليها، مفضلة الحفاظ على علاقتها بجمهورية العراق المركزية وتجنب إغضاب تركيا وإيران. ورغم تلك الإشارة الواضحة، ورغم قيام ترامب نفسه في أكتوبر 2019 بسحب جزئي لقواته ممهداً الطريق لعملية عسكرية تركية ضد "قسد"، استمر القادة الكرد في سوريا بالتعلق بأهداب الوهم الأمريكي حتى اللحظة الأخيرة.

الواضح أن التجربة الكردية في سوريا بنيت منذ بدايتها على مغالطة جغرافية وديموغرافية فادحة، حيث توهم حزب الاتحاد الديمقراطي أن الحماية الجوية الأمريكية للتحالف الدولي يمكن أن تتحول مع الوقت إلى اعتراف سياسي دائم يشرعن سلطته. لقد تفرد الحزب بالقرار وأقصى القوى السياسية الأخرى الكردية وغير الكردية، ومارس سياسات تهجير، واحتكر عائدات الثروة النفطية والمائية لحسابه بعيداً عن تلبية احتياجات السكان الحقيقية. هذا السلوك الأناني عمق الهوة بين الميليشيا وبيئتها الحاضنة، وجعل من سقوطها الفوري بمجرد رفع المظلة الأمريكية نتيجة حتمية.

وفي سياق متصل؛ جاء انخراط زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في مسار تسوية تاريخي وتخليه الشامل عن السلاح في تركيا ليوجه ضربة قاضية للمشروع العسكري لـ "قسد" في سوريا. لقد أدرك أوجلان من محبسه أن عهد الكيانات المسلحة العابرة للحدود قد ولى، وأن التشبث بالسلاح في مواجهة الدول المركزية المحاطة بدعم إقليمي وخارجي هو انتحار جماعي. هذا التحول الإستراتيجي ضيّق مساحة المناورة أمام "قسد" وجعل التخلي عن السلاح وتسليم المناطق السيادية للجيش العربي السوري الجديد هو المخرج الوحيد المتاح لتجنب سحق عسكري كامل للمكون الكردي.

تفاصيل الاتفاق

بموجب اتفاق الدمج والحل، بدأت الدولة السورية في استعادة كامل سيادتها ومؤسساتها الرسمية على مناطق شرق وشمال شرق البلاد، منهية حالة الازدواجية الخدمية والأمنية التي أرهقت السوريين لسنوات. عملية الاستلام والتسليم الفورية للمؤسسات المدنية والعسكرية، ودخول قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى معسكرات الحسكة والقامشلي واستلامها لمقر "فوج الطلائع" ومراكز الأمن، يمثل انتصاراً لمنطق "جيش واحد ودولة واحدة وحكومة واحدة". إلى جانب ذلك تمت السيطرة على الثروات السيادية كحقول النفط والغاز ومزارع القمح الشاسعة في منطقة الجزيرة السورية تعيد للاقتصاد الوطني السوري أكثر من 80% من ركائزه الأساسية التي حرم منها طوال سنوات الحرب.

كما أن انتقال إدارة المنشآت والسجون التي تضم ما يقارب عشرة آلاف من مقاتلي تنظيم "داعش" وأربعين ألفاً من عائلاتهم إلى عهدة الحكومة السورية يفتح الباب واسعاً أمام حلول دبلوماسية دولية طال انتظارها. تلك السجون التي عجزت "قسد" عن إيجاد حل قانوني لها بسبب افتقارها للاعتراف الدولي، أصبحت اليوم تحت سلطة دولة معترف بها وعضو في التحالف الدولي ضد الإرهاب.

النقاط الهامة التي التزمت بها دمشق في المقابل تعكس عقلية سياسية منفتحة ومسؤولة للرئيس الشرع، تهدف إلى رأب الصدوع وبناء ثقة متبادلة مع المكون الكردي كجزء أصيل من النسيج السوري. ويمكن حصر أبرز ما التزمت به الدولة في النقاط التالية:

* الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية وصون حق التعليم بها في المدارس والمناهج التعليمية في مناطق تواجد المكون الكردي.

* اعتبار عيد النوروز عيداً وطنياً رسمياً لجميع السوريين تُعطل فيه الدوائر الرسمية.

* ضمان حق الأكراد المحرومين من الجنسية السورية جراء إحصاء عام 1962 في التقدم بطلبات للحصول عليها فوراً وبلا عوائق.

* تثبيت الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية للأكراد ضمن نصوص الدستور السوري الجديد الجاري صياغته.

مخاوف وتحديات الاندماج

رغم الأجواء التفاؤلية والارتياح الشعبي الواسع في الشارع السوري، لا يزال طريق تطبيق الاتفاق محفوفاً بالتحديات الأمنية والتقنية المعقدة. فعملية انتقال مقاتلي "قسد" السابقين إلى الألوية الأربعة التابعة لوزارة الدفاع تحمل في طياتها مخاطر الانضواء الشكلي بدلاً من الاندماج الفعلي. ويكمن الخطر في أن تحتفظ التشكيلات الكردية المنضوية بولاءاتها الحزبية والأهلية السابقة، مما قد يهدد بالانشقاق عند أي منعطف سياسي، وهو سيناريو يستحضر بمرارة تجارب الحرب الأهلية اللبنانية حين تشرذم الجيش الوطني وفقاً للانتماءات الطائفية والحزبية.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز قضية "وحدات حماية المرأة" كأحد الملفات الشائكة التي لا تزال موضع أخذ ورد بين الجانبين. فبينما رفضت وزارة الدفاع السورية دمج المقاتلات الكرديات لعدم وجود أدوار قتالية نسائية في عقيدتها العسكرية، تجري مفاوضات مستمرة بين القيادة النسائية الكردية ووفد وزارة الداخلية لبحث إمكانية إلحاقهن كقوة أمنية خاصة متخصصة في مكافحة الإرهاب والعمل الشرطي الداخلي، ولا شك أن إيجاد هيكلية قانونية وتنظيمية دقيقة تستوعب هذا الملف دون إحداث ازدواجية في اتخاذ القرار الأمني يمثل اختباراً حقيقياً لمدى مأسسة هذا الاتفاق الشامل وتجاوز عقباته اللوجستية. ولا يمكن إغفال الخطر المستمر الذي تشكله الأجنحة الراديكالية المتطرفة داخل حزب العمال الكردستاني، مثل تنظيم "الشبيبة الثورية"، التي ترى في الاتفاق تنازلاً مخزياً وتضحية بالقضية الكردية لصالح دمشق. هذه العناصر المتطرفة قد تسعى لإثارة الفتن والاضطرابات الأمنية أو تنفيذ هجمات تخريبية لإفشال مسار الاستقرار وبناء الثقة.

يمثل طي صفحة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وإعلان حلها النهائي شهادة وفاة مدوية لمشاريع الاستقواء بالخارج والرهان على القوى الدولية الكبرى التي لا ترى في الأطراف المحلية سوى بيادق مؤقتة في رقعة شطرنج مصالحها المتغيرة. الدرس الأكبر هو أن البيت الوطني السوري الموحد المستند إلى المواطنة المتساوية وحكم القانون هو الحصن الدائم الذي يحمي الجميع ويصون كرامتهم تحت سقف وطن واحد لا يرتهن للوهم.

أعلى