• - الموافق2026/08/13م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
يكفيك اسمه.. الحيّة!

كيف تحوّلت «الحية» من إيحاء بالسُّم والغدر في السخرية الإسرائيلية إلى آية في قصة موسى، وما الذي تكشفه هذه المفارقة عن وهم الطغاة في امتلاك نتائج التاريخ لمجرد تفوقهم بالقوة المادية؟


كنت أشاهد قبل أيام مقابلة في إحدى القنوات العربية مع المتحدثة باسم جيش الاحتلال باللغة العربية، فسألها المذيع عن رأيها في اختيار خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس.

لم تبدأ حديثها بتحليل شخصية الرجل، ولا بموقف جيشها من اختياره، وإنما قالت، في عبارة ساخرة ذات إيحاء مقصود: (يكفيك اسمه.. الحيّة!).

والحية في الاستعمال الشعبي تستدعي معاني الخبث والغدر والسم، وهو ما أرادت المتحدثة الإسرائيلية توظيفه للطعن في الرجل عبر اسمه. ظنًّا منها أنها التقطت مفارقة لغوية موفقة.

لكن العبارة أخذتني، إلى حيّة أخرى.

إلى حية موسى عليه السلام.

فموسى الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل، ويحتل موقعًا مركزيًا في ذاكرتهم الدينية، كانت الحية واحدة من أعظم آيات نبوءته، وكانت في الوقت نفسه مصدر رعب لفرعون وملئه، ودليلًا على عجز القوة التي ظنوا أنها لا تُغلب.

حين ألقى موسى عصاه بأمر الله، لم تعد العصا مجرد قطعة خشب يحملها، وإنما تحولت إلى آية: ﴿فَأَلْقَاها فإذا هي حية تسعى﴾ [طه: 20].

غير أن المفارقة هنا تتجاوز مجرد تشابه الاسم.

وقف موسى عليه السلام يومها أمام قوة طاغية تملك الدولة والجيش والإعلام والمال، ويتباهى رأسها بغرور السلطة قائلًا: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]. وفي المقابل، كان موسى رجلًا مطاردًا خرج من مصر خائفًا يترقب، ثم عاد إليها بعصاه ليواجه فرعون وجنده.

جمع فرعون سحرته، وحشد الناس، وأراد أن يحوّل المواجهة إلى استعراض لانتصار سلطانه. ألقى السحرة حبالهم وعصيهم حتى ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116].

ثم جاءت الحية.

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ؛ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 117-118].

قالت ساخرة: يكفيك اسمه.. الحية.

فيصح الجواب لها: نعم، الحية! وهل نسيتم حية موسى؟

وهنا تنكشف مفارقة العبارة: ما أرادت أن تجعله رمزًا للغدر، كان في قصة موسى آيةً على بطلان قوة فرعون.

ففي الذاكرة التي تستند إليها دولتها نفسها، لم تكن «الحية» رمزًا للغدر والشر.

كانت يومًا آيةً في يد موسى.

وكان موسى يومها في مواجهة فرعون.

وكان فرعون هو الأقوى.

أما النهاية، فنحن جميعًا نعرفها كما بشرنا بها العزيز العليم

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنجَعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾

 

 

أعلى