عندما يسأل الطفل خائفاً: "يا أمي هل سنموت؟ ومتى تنتهي الحرب؟" كيف تستطيع الأم أن تحول هذا الخوف إلى يقين بالله وأمل بالمستقبل؟ وما الدور التربوي والإيماني الذي يمكن أن تقوم به لتصنع جيلاً ثابتاً مطمئناً وسط عالم مليء بالمخاوف؟
مع تتابع أخبار الحروب المرعبة، وتلاحق مشاهد الدمار داخل بيوت المسلمين عبر شاشات
الهواتف والتلفاز، او وجودهم داخل مناطق الصراع نفسها، تواجه الأم اختباراً
إيمانياً وتربوياً هائلاً.فمع
اهتزاز جدران المنازل من وقع الأحداث البعيدة، تهتز قلوب الأطفال أكثر، ويرفعون
عيونهم البريئة المليئة بالقلق نحو أمهاتهم ليسألوا: "يا أمي، هل سنُقتل؟ متى
ستنتهي هذه الحرب؟".
هنا يبدأ التحدي الحقيقي، فالأم ليست مجرد مراقبة للأحداث، بل هي حارسة القلوب التي
تحول هذه اللحظات المفزعة من مصادر هلع ويأس إلى فرص تربوية تنير القلوب، وتعمق
الإيمان، وتبني جيلاً قوياً يثق بالله سبحانه وتعالى.
تأصيل الفرج بعد الضيق
وسط هذه العاصفة الإعلامية والنفسية، تبرز أهمية الدور الفريد للأم الحكيمة الواعية
فتبني جسور الأمان بين الدنيا الفانية والآخرة الباقية.عندما
يسأل الطفل بقلق "يا أمي، هل سنُقتل؟" تؤصل أن الأمن بيد الله وحده، وأن الخوف
ابتلاء يعقبه فرج، مستندة إلى قوله تعالى:
}الَّذِينَ
قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ *
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ{
[آل
عمران: 173-174].هذه
الآيات تحول الخبر المفزع إلى قوة إيمانية تنتهي بالسلامة والنعمة.
كما تربط الأم الأحداث المخيفة بقوله تعالى:
}وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالْثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ
مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أولئك عليهم صلوات
من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون{
[البقرة:
155-157]،
فالخوف أو القتل يصبح مصيبة يصبر عليها الإنسان ليحصل على صلاة الله ورحمته.
وهناك كنوز من الرضا والطمأنينة يمكن استشعارها من الآية الكريمة
}إِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا{
[الشرح:
6]، فهي
كلمة قصيرة تزرع الأمل في قلب الطفل بسهولة.
كل جالوت سيسقط
في قصة طالوت وجالوت في القرآن عشرات العظات والعبر المليئة بالقيم التربوية
والإيمانية.قال
الله تعالى
}فَلَمَّا
فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ
شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا
مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}
[البقرة:
249] هنا كان
الاختبار عند النهر ليميز الله الصادقين من المنهزمين والمنافقين.
لو
تخيلنا أماً تشرح لطفلها المرتعد من القصف معنى هذه الآية، لقالت: "كما ابتلاهم
الله قبل المعركة ليعلم من يصبر، فابتلاؤنا اليوم يميز من يثبت على الحق".
ثم تأتي اللحظة الحاسمة:
}قَالَ
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ
غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ{.هذه هي العبارة التي
تحول فزع الطفل إلى نور.
الأم وحدها تستطيع أن تهمس في أذن صغيرها: "انظر، هم كانوا قلة والموت يحيط بهم،
لكنهم آمنوا أن لقاء الله آتٍ، فانتصروا".
وتختم القصة:
}فَهَزَمُوهُم
بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ{.الطاغوت سقط على يد
فتى صغير بحصاة، ثم كبر الفتى وأصبح نبي الله داوود.
الأم هي من تذكر أطفالها كل يوم، وسط الركام، أن كل جالوت في التاريخ سيسقط، وأن
الحصاة في يد المؤمن قد تقتل الطاغية إذا كان القلب عامراً بالله.
هكذا تصنع الأم من نيران الحرب مصابيح إيمان، ومن صرخات الفزع أناشيد صبر، تماماً
كما صنعت أمهات الأمس مع أطفالهن في خنادق غزة وفلسطين وكل أرض ابتليت.
المنهج النبوي لمواجهة الخوف
لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نواجه الخوف والحزن، مستلهماً قوله
تعالى: {لَا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ}.يمكن
أن تبدأ الأم بجلسة أسرية منتظمة بعد صلاة المغرب أو العشاء، تحكي قصصاً نبوية تعكس
الصبر والثقة بالله.
كما تزخر الأحاديث الشريفة بروائع الحكم،
فقد قال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم "عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ
أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ
سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ
خَيْرًا له»
(رواه مسلم)، فالخبر المفزع (الضراء) خير للمؤمن إذا صبر، طريق للأجر.
الأدعية النبوية كذلك سلاح قوي، مثل "اللَّهُمَّ اكْفِنِي شَرَّ مَا أَخَافُ
وَأَحْذَرُ"، المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأذكار الصباح والمساء: "بِسْمِ
اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" ثلاث مرات (رواه الترمذي، حسن صحيح).كذلك
قراءة المعوذات ثلاثاً صباحاً ومساءً تكفي من كل شيء (رواه أبو داود)، ودعاء:
"أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ".
الرحمة النبوية وقدوة الأم
الأم
التي تدخل السكينة على قلب طفلها تحتذي بالرسول صلى الله عليه وسلم في رحمته
بالصغار.كما
روى أنس رضي الله عنه: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي
فأتجوز في صلاتي" (رواه البخاري)، فالرأفة بالصغير من أسس الدين.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تخويف الأطفال أو السخرية من مخاوفهم، كما قال:
"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ
عِنْدَ الْغَضَبِ"، و"ليس منا من لم يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ويوقر كبيرنا".
قصص الأنبياء
الأم الحكيمة تنقل الطفل من الصورة المفزعة إلى "صورة إيمانية" من قصص الأنبياء.
قصة يوسف عليه السلام تبدأ برؤيا أمل ثم بئر وظلم وسجن، لتنتهي بعرش، مع قول يعقوب
"فَصَبْرٌ جَمِيلٌ"
[يوسف:18].
وقصة أصحاب الكهف:
}إِذْ
أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ
رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا{
[الكهف:10].
غزوة الأحزاب في غزة
في قصة غزوة الأحزاب وتكالب القوى على المسلمين مثال حي يمكن إسقاطه على واقع حرب
الإبادة الجماعية الدائرة على غزة، فتترسخ لدى الأبناء فكرة الثبات على الحق.
خبر الحرب والخوف من الأخطار يمكن أن يتحول إلى دافع للصلاة والاستقامة وفق الآية
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}
[هود:112]
وفي قصة
موسى:
}لَا تَخَافَا
إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى{
[طه:
46] وسيرة
النبي صلى الله عليه وسلم توضح أنه لجأ إلى الصلاة عند الهم.
وبهذا الاستشهاد يمكن للأم أن تحث أبناءها على إرسال الصدقات لأهل غزة وقراءة سورة
الكهف يوم الجمعة، ليصبح الخوف وقوداً للطاعة.
الأم حصن الأمان في عالم يموج بالمخاوف، تبقى الأم الحصن الحصين الذي يلجأ إليه
الأطفال.إنها
"حارسة القلوب" التي تربط الدنيا بالآخرة، تعلم أبناءها أن الدنيا دار ابتلاء، وأن
{إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.
بنبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم:
"النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ"، فالأم مفتاح جيل يواجه الفتن بالإيمان.