هل تمضي تركيا اليوم نحو إعادة تشكيل موقعها الجيوسياسي كقوة مستقلة قادرة على كسر الضغوط الغربية وتطويق خصومها إقليمياً، أم أنها تقترب من مواجهة كبرى قد تعيد رسم توازنات المنطقة وتحدد مصير صعودها أو تراجعها في ظل تحولات دولية متسارعة ومعقدة جداً؟
ثمةَ لحظاتٌ في التاريخ تضيق فيها المسافةُ بين الحاضر والمصير، وتصبح خريطةُ
العالم مسودةً يُعاد رسمها بالدم والإرادة. نحن نعيش إحدى تلك اللحظات، فتركيا التي
تحمل في جيناتها إرثَ الخلافة وجغرافيةَ الإمبراطورية تجد نفسها اليوم في مفترق
الطرق الأكثر حسماً منذ معاهدة لوزان عام 1923. لكنها هذه المرة لا تفاوض على طاولة
الهزيمة التي صممتها نتائج الحرب العالمية الأولى، بل تتحرك من موقع القوة
المتنامية، وتبني ظهيرها الحضاري قبل أن تُجبَر على خوض معركة جديدة تعيدها إلى
دائرة التهميش السابقة.
لم يكن تحرك تركيا خلال العقدين الآخيرين في ليبيا والصومال وسوريا والعراق
وأذربيجان ضرباً من ضروب الطموح الإمبراطوري الرومانسي، بل من باب المصلحة الوجودية
الصرفة؛ فحدود مستقرة يسيطر عليها حلفاؤها خيرٌ ألف مرة من حدود ينخرها نفوذ
أعداءها. ففي ليبيا، جاء اتفاق الحدود البحرية عام 2019 إعلاناً صريحاً بأن تركيا
لن تسمح بتطويقها في البحر الأبيض المتوسط، وأن "الوطن الأزرق" ليس شعاراً خطابياً،
بل عقيدة أمنية قابلة للتطبيق. أما في الصومال، فثمة بُعد ديني وحضاري لا يُختزل في
تحليل المصالح الجيوسياسية الجافة، بل إنها تحاول إعادة بناء علاقتها مع عمقها
الإسلامي الذي قُطع في عقود التغريب القسري، لا بخطاب انفعالي، بل بالانخراط العملي
والبنية التحتية والوجود العسكري الصامت. لذلك عقبت صحيفة "معاريف" العبرية في أحد
مقالاتها على هذه التحركات بالقول إن تركيا "تسعى إلى تكثيف حضورها الإقليمي، مع
تركيزها على تحويل سوريا إلى منطقة نفوذ مباشر، والعمل ضمن قوة متعددة الجنسيات في
غزة، إلى جانب تعاونها مع حكومتي ليبيا لإبرام اتفاقية بحرية تمنحها موقعاً متقدماً
للسيطرة على المجال البحري في شمال وشرق البحر الأبيض المتوسط." وبالتكامل مع
تحركها الإستراتيجي في الخارج فإن تركيا نجحت أيضاً بعد محاولة انقلاب 2016 على
تطهير عمقها الداخلي وبناء هوية مجتمعية قادرة على دفع ثمن المواجهة، وكذلك أدارت
بحكمة ثورة في الصناعات العسكرية أضحت بسببها لديها إكتفاءً ذاتياً بنسبة تخطت
الـــ80% وهو تحول تُعزى أسبابه في الأساس إلى العقوبات الغربية السابقة على أنقرة
التي كانت تحاول حرمانها من أسباب القوة.
ولعل المفارقة الكبرى هي أن العقوبات التي أُريد بها تركيع تركيا أفضت إلى تحريرها
من التبعية. فحين أُغلق في وجهها باب الأسلحة الغربية، فتحت مصانعها الخاصة وأنتجت
طائرات "بيرقدار" التي غيّرت قواعد الحروب في الشرق الأوسط. فقد جاءت تركيا في
المرتبة الحادية عشرة عالمياً في تصدير الأسلحة بين 2020 و2024، مع زيادة بنسبة
103% في صادراتها الدفاعية. هذه ليست أرقاماً تجارية، بل رسالة جيوسياسية واضحة
حول المسار الذي تسير فيه تركيا الجديدة.
وبينما تعج وسائل الإعلام العبري بالتهديدات والتحركات التي تشير إلى محاصرة تركيا
والاستعداد لمواجهة قادمة معها، كشفت مصادر سورية أن الحكومة منحت وزارة الدفاع
التركية الموافقة على إنشاء قاعدةً عسكرية سيادية في تدمر بريف حمص، ستكون بحجم
قاعدة "رامشتاين" الأمريكية في ألمانيا، لتصبح واحدة من أكبر المنشآت العسكرية
التركية خارج حدودها. وأبلغت أنقرة القوى الكبرى، بما فيها الأمم المتحدة، بأنها
تعتبر القاعدة "أرضاً سيادية تركية"، محذِّرةً من أن أي استهداف لها سيُقابل برد
عسكري مباشر. هذا التحرك من تركيا يفسر على أنه تأسيس لقلعة استراتيجية تُغيّر
المعادلة الجوية على امتداد رقعة تمتد من الجولان إلى إيران. فإذا أقامت تركيا
قواعدها في ريف حمص، فإن المسح الراداري لهذه القواعد قد يصل إلى هضبة الجولان
المحتلة.
على هذه القاعدة تتحرك أيضاً تركيا لتبني شراكات أمنية إقليمية مع كلاً من السعودية
وباكستان ومصر، ولذلك نقل وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن الرئيس أردوغان بأن
رؤيته "أوسع وأكثر شمولاً"، وتهدف إلى إنشاء "منصة أكبر" تتجاوز إطار التحالفات
الثنائية. لذلك يمكن قراءة التحركات التركية في المنطقة ليس في سياق فقط تصفير
خلافاتها مع محيطها الإسلامي والعربي، بل إن ذلك يفهم في سياق الحاجة الموضوعية إلى
ظهير لا ينقلب في لحظة الاشتباك الفاصل.
وبينما تتحرك الدولة العبرية لحشد شرق المتوسط في مواجهة تركيا فإن الضغط الغربي
ينقلب ضد أنقرة بوتيرة لافتة. ففي حفل الذكرى الثمانين لصحيفة "دي تسايت" الألمانية
في هامبورغ يوم 19 أبريل 2026، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير
لايين أن على أوروبا أن "تُكمل تشكيل القارة الأوروبية حتى لا تخضع لتأثير روسيا أو
تركيا أو الصين." وحين اضطرت المفوضية إلى إصدار بيان تراجع في اليوم التالي،
وأوضحت المتحدثة باسمها باولا بينيو أن "تصريحات الرئيسة جاءت في سياق دول غرب
البلقان"، كان قد فات الأوان؛ إذ إن ما نطقت به فون دير لايين ليس زلةَ لسانٍ عابرة
بل جزء من حقيقة أن الغرب لا يزال يرى في تركيا منافساً حضارياً لا شريكاً
استراتيجياً. والتوقيت بالغ الدلالة؛ إذ كان حزب الحركة القومية المتحالف مع
أردوغان يجاهر بفكرة محور "روسيا-الصين-تركيا"، ويرى المحللون أن تصريح فون دير
لايين ربما كان رداً مباشراً، وإن جاء في غير محله، على هذه المغازلات الأوراسية.
لكن الصحفي اليساري الصهيوني ألون مزراحي فسر الضغط الأوروبي على تركيا في سياق
المسار الأكبر وهو رفض تركيا لاستخدام أراضيها لغزو بري لإيران وكذلك تأثيرها على
أذربيجان في هذا الملف، وإن كان هذا التفسير لا يزال في مساحة زمنية قريبة إلا أنه
لا يبتعد كثيراً عن كون بروكسل وأنقرة تقرآن الخريطة ذاتها من زاويتين متعاكستين،
وكلتاهما تستعد لما تعرف في قرارة نفسها أنه قادم.
تعقيباً على هذا الحراك المتسارع وصف المحلل الأمني الصهيوني، يوني بن مناحيم تركيا
بـ"العدو القادم"، مشيراً إلى قوة جيشها وعمق مؤسسات دولتها، داعياً إلى "اتخاذ
خطوات صارمة" تجاه أنقرة. وهذا الامر ترجمته الحكومة الصهيونية بالمصادقة توصيات
لجنة يعقوب ناجل التي أوصت بزيادة موازنة الدفاع 15 مليار شيكل تمهيداً للمواجهة
القادمة مع تركيا.
هذه الحرب الكلامية ليست مجردَ تشنج خطابي. فخلف الكلمات يتشكّل تحالف ثلاثي يهدف
بصراحة إلى تطويق تركيا من الجنوب، ففي ديسمبر 2025 انعقدت القمة الثلاثية العاشرة
التي جمعت نتنياهو ورئيس وزراء اليونان ورئيس قبرص، واختُتمت بإعلان مشترك ركّز على
تعميق التعاون في الأمن والدفاع البحري. لكن الصراع التركي مع اليونان يحمل أبعاداً
أعمق من أي حسابات ظرفية تحركها الدولة العبرية حالياً، فهو صراع مجبول بالتاريخ
الدموي والذاكرة العميقة. الحرب اليونانية-التركية التي أعقبت الحرب العالمية
الأولى، حين أرادت أثينا تقطيع الأناضول وتوزيع ما تبقى من السلطنة بين الحلفاء
المنتصرين. الذاكرة التركية لا تنسى أن اليونانيين كانوا يمشون في شوارع إزمير
بخيولهم وبساطيرهم العسكرية، فخرجوا منها بخفّي حنين. واليوم، حين تنشر أثينا خرائط
جديدة تفرض فيها سيادةً على مناطق تتجاوز حدودها الرسمية في بحر إيجه، وتمهّد
للإعلان عن توسيع مياهها الإقليمية إلى اثني عشر ميلاً، وهو ما قابله البرلمان
التركي سابقاً بقانون يصفه صراحةً بـ"إعلان الحرب" فإنها لا تُفاجئ تركيا، بل
تستفزّ ذاكرتها الحضارية. الرؤية اليونانية التي ترى في إيجه بحيرةً خاصة وتريد قصر
الحقوق البحرية لتركيا على سواحلها فحسب، حتى المياه الدولية تعتبرها يونانية، لا
تعكس منطقاً قانونياً دولياً، بل عقليةً إقصائية تحمل بذور مواجهة تحركها الدولة
العبرية كما يجري اليوم في المواجهة بين واشنطن وطهران. ما جرى خلال قمة القدس
المحتلة هو أن القرار اتخذ بمحاصرة عقيدة "الوطن الأزرق" التركية عبر مشاريع
تسليحية يونانية متقدمة تهدف لتقييد حركة القوات التركية في بحر إيجه وشرق
المتوسط.
حين ذكّر الرئيس أردوغان في أكتوبر 2024 بأن الدولة العبرية
“بعد
فلسطين ولبنان ستوجه أنظارها نحو تركيا"، لم يكن يُطلق خطاباً حشدياً، بل هو
الاستعداد لمواجهة قادمة هو يعرف حقيقة وقوعها، فقد فشلت محاولات تركيع المنطقة من
خلال مسارات التطبيع والضغط الاقتصادي وأنتجت معادلة صرح بها الكثير من النخب
العسكرية الصهيونية بعد السابع من أكتوبر مفاده بأن على الدولة العبرية أن تختار
بين مصيرها أو مصير أعدائها. وفي هذا الموقف نعود بالذاكرة إلى سبتمبر عام 2001
للتذكير بتصريح الجنرال ويسلي كلارك عن خطة الفوضى الخلاقة لتدمير سبع دول، وهي
العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وإيران، ستةٌ من هذه الدول تُحيط
بتركيا أو تقع في عمقها الاستراتيجي المباشر. الصدفةُ وحدها لا تصنع خرائط بهذا
التفصيل. ولا يمكن للدولة العبرية أن تجازف بالدخول في صدام ساخن مع تركيا بعيداً
عن الناتو والولايات المتحدة، لذلك هي تسعى لشيطنة تركيا أمام الكتلة الأوروبية
والدفع بحرب بالوكالة تشبه الحرب الروسية الأوكرانية بعد أن وأدت أنقرة مشروع
الأكراد من خلال المصالحة، وهزمت محاولة التركيع من خلال الحرب الاقتصادية وتجاوزت
أيضاً العقوبات العسكرية بثورتها الصناعية الكبرى. لذلك يجب القول إن تركيا اليوم
ليست تركيا التي جلست على طاولة "سيفر" عام 1920. إنها القوة العسكرية الثامنة في
العالم، التي تسيطر على بوابة لوجستية يمكنها إعادة تشكيل كلفة الوصول إلى شرق
المتوسط بأسره. لذلك ستكون المواجهة القادمة فرصة أمام تركيا لتكون سيدة مصيرها لا
حارسةً لحدود رسمها غيرها.