• - الموافق2026/06/11م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
حرب لمدة ٢٤ ساعة!... الفوز للجميع

كيف يمكن لحربٍ خاطفة استمرت 24 ساعة فقط أن تمنح جميع أطرافها شعوراً بالنصر؟ ولماذا سارع المتحاربون إلى إطفاء النيران سريعا بعد إشعالها؟ لقد كشفت هذه الجولة وجهاً مختلفاً للصراع يتجاوز ساحات القتال إلى معادلات البقاء والسلطة.


عودة الحرب بين إسرائيل وإيران لمدة 24 ساعة، ثم توقفها، يطرح العديد من الأسئلة، خاصة أمام من يريدون فهم المواجهة الممتدة بين إيران وكل من أمريكا والكيان الصهيوني، والتي بدأت منذ أكثر من ثلاثة أشهر بين قصف متبادل وهدنة وإغلاق لمضيق هرمز.

ولعل السؤالين المطروحين في هذا السياق هما:

لماذا بدت تلك المواجهة وكأنها خارج سياق التهدئة والتفاوض بين أطراف الصراع الحالي؟

وما هو موقف ترامب الحقيقي من التصعيد؟

لكي نستطيع الإجابة على هذين السؤالين، لابد في البداية من تتبع ما حدث في هذا المواجهة الأخيرة بدقة.

ماذا حدث؟

فقد بدأت تلك المواجهة بإعلان الكيان الصهيوني نيته في قصف ضاحية بيروت الجنوبية، إثر استمرار حزب الله قصفه لشمال فلسطين، حينها أعلنت إيران أنها سترد بقصف الكيان إذا أقدم على تلك الفعلة.

وتدخل الرئيس الأمريكي ترامب وقال إنه أرغم رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتانياهو على وقف الانتقام من بيروت مقابل توقف الحزب عن قصف شمال فلسطين.

ولكن خروج نعيم قاسم زعيم حزب الله، وإعلانه عدم التزامه بوقف قصف شمال فلسطين، دفع الكيان الصهيوني إلى قصف الضاحية الجنوبية لبيروت رغم تحذيرات أمريكا.

وردت إيران بإطلاق صواريخ على الكيان، تم إسقاطها، وبعضها أسقط فوق سوريا.

وبعدها رد جيش الكيان الصهيوني بشن هجوم بالصواريخ على20 موقعًا وسط وغرب إيران.

وتدخل الحوثي بمعادلة التصعيد المتبادل، بإطلاق صاروخين من اليمن نحو الكيان.

ثم أعادت إيران الكرة، بإطلاق دفعة جديدة من الصواريخ باتجاه الكيان (تم إسقاطها كلها).

ورد الكيان مرة أخرى بشن هجوم آخر على إيران استهدف أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية وفي النهاية، أعلن ترامب، أن على الكيان وإيران وقف إطلاق النار فورًا.

واستمر ترامب قائلاً، بينما الحصار على إيران سيظل قائمًا وبكامل قوته وفعاليته حتى يتم التوصل إلى اتفاق نهائي.

وردت إيران وأعلنت وقف عملياتها، في حين، قال الكيان أنه سيوقف غاراته على إيران بطلب من الرئيس ترامب، بينما سيواصل عملياته في جنوب لبنان، وتعهد بضرب ضاحية بيروت الجنوبية إذا استهدف حزب الله شمال فلسطين المحتلة.

كل ذلك مع مواصلة حزب الله استهدافه القوات الصهيونية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية.

وصرح نتنياهو: بأن مهمتنا لم تنته بعد مع حزب الله، وأتعهد بأنه لن تكون لإيران أسلحة نووية، فالنظام الإيراني تراجع عن مهاجمتنا بعد ردنا عليه...على حد قوله.

وهنا نأتي إلى السؤال الأهم، كيف نفهم ما حدث من ضربات متبادلة، ثم التوقف عنها؟

لكي نستطيع إدراك أبعاد تلك الجولة وخلفياتها، يمكننا استخدام أحد الاقترابات المستخدمة في تحليل السياسة الخارجية، وهو اقتراب (اللعبة ذات المستويين) للمفكر السياسي روبرت بوتنام.

يفترض هذا الاقتراب أن صانع القرار في السياسة الخارجية لا يتحرك في فراغ دولي فقط، بل هو لاعب يجلس على طاولتي شطرنج في وقت واحد:

الطاولة الدولية (المستوى الأول): حيث يتفاوض أو يتصارع مع القوى الخارجية.

الطاولة الداخلية (المستوى الثاني): حيث يواجه ضغوط الرأي العام، مراكز القوى، النخب الحاكمة، والوضع الاقتصادي داخل دولته.

المعادلة الأساسية هنا هي: أي حركة يقوم بها القائد على الطاولة الدولية يجب أن تخدم (أو على الأقل لا تؤذي) موقفه على الطاولة الداخلية، والعكس صحيح.

ويستخدم هذا الاقتراب أدوات تحليلية محددة:

١-مساحة التوافق أو الفوز

وهي مجموعة الخيارات السياسية المتاحة لصانع القرار والتي تحظى بقبول القوى الداخلية، وفي نفس الوقت يمكن فرضها أو قبولها دولياً. كلما ضاقت هذه المساحة، ركّز القائد على المناورات القصيرة والخاطفة.

٢-الإشارات الاستراتيجية الرمزية

وهي أدوات غير لفظية (مثل قصف محدد المدة، إغلاق مؤقت لممر مائي)، فمثل هذه الاشارات لا تهدف إلى تدمير الخصم مادياً، بل تهدف إلى إرسال رسالة مشفرة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك وتثبيت خطوط حمراء جديدة دون الدخول في حرب شاملة.

٣-الإدراك وسوء الإدراك

وهي أداة تدرس كيف يرى القادة نوايا الطرف الآخر بناءً على الصورة الذهنية المسبقة وليس الحقائق الصلبة. هنا نركز على شخصية القائد وسيكولوجية صنع القرار.

٤-تكلفة التراجع وتكلفة الاستمرار

وهي حسابات الأرباح والخسائر السياسية (وليس العسكرية فقط) لصانع القرار أمام جمهوره الداخلي في حال قرر المضي قدماً أو الانسحاب.

بناءً على هذا الاقتراب، لا نعود ننظر إلى إيران أو أمريكا أو الكيان الصهيوني ككتل صماء تحركها القوة العسكرية الفظة، بل كأنظمة معقدة، تحركها حسابات البقاء السياسي الداخلي والتوازنات الإقليمية.

وبناء على هذا الاقتراب يمكن تفسير مواقف الأطراف الثلاثة على النحو التالي:

الموقف الإيراني

ويمكن تلخيصه بمحاولة الموازنة بين الردع الدولي والاستقرار الداخلي.

حيث تنطلق الحسابات الإيرانية من ضرورة التوفيق بين صورتها كقوة إقليمية قادرة على تحدي الخصوم، وبين كلفة الصراع التي قد تهدد تماسكها الداخلي.

ففي الساحة الدولية (المستوى الأول): وبعد ثلاثة أشهر من القصف المتبادل والضغط الممتد الذي شمل إغلاق مضيق هرمز، رأت طهران أن استعراض القوة لمدة 24 ساعة يمثل إشارة استراتيجية رمزية كافية. فالهدف لم يكن إبادة الخصم عسكرياً، بل إثبات القدرة على إلحاق ضرر فادح بأسواق الطاقة العالمية وبالعمق الصهيوني، إذا ما استمر الخنق الاقتصادي عليها.

والاستمرار في الحرب بعد هذه المدة كان سيعني الخروج من مساحة الفوز الدولية (وهو في نظرها الصمود)، لأنه سيتجاوز قواعد الاشتباك ويستدعي رداً أمريكياً عسكرياً واسعاً ومباشراً لا ترغب فيه طهران.

أما على الطاولة الداخلية (المستوى الثاني): يواجه صانع القرار الإيراني وضعاً اقتصادياً واجتماعياً حرجاً يتسم بالهشاشة، وتحت وطأة العقوبات المستمرة.

فالتيار المحافظ والنخبة الحاكمة بحاجة ماسة إلى صورة حزم وقوة لرفع معنويات الجبهة الداخلية وتأكيد شرعية النظام، وهو ما وفرته الـ 24 ساعة من المواجهة النارية.

لكن في المقابل، فإن الدخول في حرب شاملة ومفتوحة قد يؤدي إلى تدمير البنية التحتية واهتزاز الوضع المعيشي للمواطنين، مما يرفع من تكلفة الاستمرار ويخلق بيئة خصبة للاضطرابات الداخلية التي قد تهدد بقاء النظام نفسه. لذلك، كان الانسحاب السريع خطوة عقلانية لإغلاق نافذة الخطر بمجرد تحقيق الهدف الرمزي.

موقف ترامب

وهو يتراوح بين الردع الحذر، وتجنب الانفجار الاقتصادي.

فترامب يتحرك تحت وطأة ضغوط داخلية صارمة تحكم كل تحركاته الخارجية، مما يجعل مواقفه المعلنة تختلف عن حساباته الحقيقية وراء الكواليس.

فعلى الساحة الداخلية (المستوى الثاني)، وهو المحرك الأساسي والأقوى لترامب؛ فقد صعد إلى السلطة بناءً على وعود واضحة لجمهوره ومموليه برفع شعار أمريكا أولاً، وإنهاء التورط في الحروب اللانهائية، والتركيز على نمو الاقتصاد الأمريكي. وبالتالي فإن حدوث حرب إقليمية واسعة ومستمرة في الشرق الأوسط يعني بقاء مضيق هرمز مغلقاً، وهو ما يترجم فوراً إلى قفزة جنونية وغير منضبطة في أسعار النفط والتضخم العالمي، مما يشكل كابوساً سياسياً يقوض شعبيته ويهدد استقراره السياسي داخلياً.

وعلى الساحة الدولية (المستوى الأول): يحتاج ترامب إلى الحفاظ على هيبة الولايات المتحدة كقوة عظمى، وتأمين حرية الملاحة الدولية، وحماية حليفه الاستراتيجي في المنطقة.

ولعل هذا التناقض بين مستويي اللعبة، يدفع ترامب إلى سلوك استراتيجية الردع بدون تورط. فهو يرحب بضربة خاطفة ومكثفة تكسر الاندفاعة الإيرانية وتجبرها على فتح المضيق، ولكنه في ذات الوقت يضع خطوطاً حمراء صارمة لمنع تحول هذا التصعيد إلى حرب برية شاملة أو صراع مفتوح يضطر الجيش الأمريكي للانخراط فيه، وهو ما يفسر ضغطه لإيقاف الحرب فور انتهاء الـ 24 ساعة.

موقف الكيان الصهيوني

وهو بين معضلة ترميم الردع وحدود الاعتماد الخارجي، حيث يمثل الكيان الصهيوني طرفاً أصيلاً يعيش أزمة توازن حادة بين رغبته في حسم المواجهة لصالحه، وبين استنزاف جبهته الداخلية واعتماده العضوي على الحليف الأمريكي.

فعلى الساحة الداخلية (المستوى الثاني): تعيش النخبة الحاكمة في الكيان تحت ضغط هائل من جبهة داخلية مستنزفة اجتماعياً واقتصادياً بعد أشهر من المواجهات واضطراب الملاحة في هرمز وتصاعد أزمة المستوطنين والنازحين.

فهناك انقسام عميق: جزء من الجمهور واليمين المتطرف يطالب بضربة قاضية تنهي التهديد الإيراني لترميم صورة الردع المتآكلة، بينما تدرك القيادة العسكرية والأمنية أن العمق الصهيوني لا يمتلك القدرة على تحمل حرب استنزاف شاملة ومباشرة مع إيران تُشل فيها الحياة تماماً. من هنا، كانت الـ 24 ساعة بمثابة متنفس لتقديم صورة نصر استعراضية تداوي جراح الداخل دون دفع الثمن الباهظ لحرب طويلة.

على الطاولة الدولية (المستوى الأول): يهدف الكيان إلى تفكيك نفوذ إيران الإقليمي، وإنهاء معادلة إغلاق المضيق. لكن تحقيق هذا الهدف يصطدم بمحدد خارجي حاسم، وهو عدم قدرته على خوض حرب إقليمية شاملة بمعزل عن الدعم الأمريكي العسكري والدبلوماسي واللوجستي الكامل.

وحين وضعت أمريكا (مدفوعة بحسابات ترامب الداخلية) فيتو واضحاً ضد أي تصعيد يجر المنطقة لحرب شاملة، وجد الكيان نفسه مجبراً على كبح جماح عمليته العسكرية؛ فالخروج عن مظلة الحليف الأمريكي في هذا التوقيت يُعد خياراً شديد الخطورة على طاولته الدولية.

خلاصة المشهد

وفقاً للرؤية السابقة، فإن حرب الـ 24 ساعة لم تكن حدثاً عشوائياً، بل كانت نقطة التقاء اضطرارية، تقاطعت عندها مساحات الحركة المتاحة للاعبين الثلاثة؛ حيث حقق كل طرف بجرعة التصعيد الخاطفة هذه مكسباً رمزياً يرضي به حساباته على طاولته الداخلية، وتراجع الجميع فوراً قبل أن تفرض حسابات الطاولة الدولية كلفة تدميرية تفجر جبهاتهم الداخلية.

أعلى