• - الموافق2026/06/09م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
جزيرة سازان.. ألبانيا تنتفض في مواجهة التغلغل الصهيوني

تحولت القضية الفلسطينية والمقاومة الباسلة في غزة إلى عدسة كاشفة تعيد من خلالها الشعوب قراءة خرائط النفوذ والهيمنة في العالم. وفي ألبانيا اليوم، تتقاطع ذاكرة التاريخ مع مخاوف الحاضر لتفتح جبهة جديدة في مواجهة التغلغل الصهيوني.


شهدت العقود الأخيرة تحولات جوهرية في خرائط الصراع الدولي وبنيته الجيوسياسية، فلم يعد الرفض الشعبي والأكاديمي للمشروع الصهيوني محصوراً في النطاق الجغرافي المباشر لفلسطين التاريخية أو محيطها الإقليمي والعربي، بل امتدت تموجات "طوفان الأقصى" لتحدث ارتدادات بنيوية عميقة في الوعي الجمعي العالمي، مفرزة بؤراً جديدة للمواجهة السياسية، والإعلامية، والشعبية في مناطق وعواصم ظلت لعقود طويلة خارج رادارات الحسابات المباشرة للصراع

وفي قلب هذه التحولات المتسارعة، تبرز منطقة البلقان، وتحديداً جمهورية ألبانيا، كأحدث ساحات الاشتباك الاستراتيجي بعد الكشف عن حزمة مشاريع استثمارية وعقارية ضخمة يقودها صهر الرئيس الأمريكي ، الصهيوني جاريد كوشنر، برفقة زوجته اليهودية إيفانكا ترامب، في جزيرة "سازان" الاستراتيجية ومناطق ساحلية بالغة الحساسية البيئية والأمنية مثل محمية "فجوزا-نارتة" وشبه جزيرة "زدريتيل".

هذا التحول المفاجئ تجاوز في أدبيات التحليل السياسي المعاصر حدود الجدل الاقتصادي التقليدي حول الفوائد السياحية وفرص العمل، ليتشكل كمعركة سيادية كبرى تمس الأمن القومي، والهوية الوطنية، والموقع الجيواستراتيجي لألبانيا في معادلة التوازن بين القوى الدولية بحوض البحر الأبيض المتوسط

ومن هنا، يتبلور في الأفق حالة مقاومة شعبية ومدنية واعية ترفض تمدد النفوذ الإسرائيلي عبر بوابات "الرأسمالية النيوليبرالية المتصهينة"، وتتوجس من تحويل العمق البلقاني إلى جبهة خلفية أو ملاذ إسناد أمني ولوجستي للمشروع الصهيوني المأزوم في بيئته الأصلية، وهو ما يفرض قراءة تفكيكية معمقة لأبعاد هذا الصراع الناشئ وسياقاته التاريخية والسياسية والبيئية.

·                    صهينة الجغرافيا .

تكمن الخطورة الأولى لمشروع كوشنر في الطبيعة الجغرافية الفائقة الأهمية لجزيرة سازان، فالجزيرة لا تمثل مجرد قطعة أرض صخرية معزولة أو مهجورة في البحر الأدرياتيكي، بل هي نقطة الارتكاز المهيمنة والجاثمة بالقرب من مضيق أوترانتو، وهو الممر المائي الاستراتيجي والمنفذ البحري الوحيد الذي يربط بين البحر الأدرياتيكي والبحر الأبيض المتوسط، ويفصل جغرافياً بين إيطاليا وألبانيا

وفي هذا السياق الجيوسياسي، تكتسب أطروحات وتحليلات الباحثة والكاتبة الأيرلندية إيلي نيك آن تساوير وزناً أكاديمياً استثنائياً، حيث تؤكد في قراءاتها للملف البلقاني أن السيطرة على جزيرة سازان تعني عملياً امتلاك مفاتيح الرقابة العسكرية واللوجستية على أحد أهم الممرات البحرية في جنوب أوروبا، مما يتيح للجهة المهيمنة عليها الإشراف المباشر على خطوط الملاحة الحيوية، وحركات سلاح البحرية، وقنوات الإمداد الحساسة بين وسط أوروبا وشرق المتوسط وشمال إفريقيا.

هنا تسقط ورقة الاستثمار السياحي المحض لتكشف عن عملية إعادة تموضع جيوسياسي مستترة، حيث تتحول صناعة الفنادق والمنتجعات الفاخرة بمليارات الدولارات إلى غطاء محتمل لتثبيت حضور استخباري وأمني طويل الأمد لشبكات النفوذ المرتبطة باليمين الأمريكي المتصهين والمنظومة الأمنية الإسرائيلية في منطقة شديدة الحساسية والتعقيد التاريخي.

وما يغذي ريبة النخب الأكاديمية والشعبية في ألبانيا تجاه هذا المشروع هو التاريخ الحربي والعسكري الفريد لجزيرة سازان، فخلال حقبة الحكم الشيوعي الراديكالي للزعيم أنور خوجة، تحولت هذه الجزيرة إلى قاعدة عسكرية مغلقة ومحصنة بالكامل لحماية البلاد من أي هجوم خارجي

وتضم الجزيرة في أحشائها شبكة معقدة للغاية من الملاجئ المحصنة ضد الأسلحة النووية والكيميائية، والأنفاق السرية الممتدة تحت الأرض وتحت مياه البحر، بالإضافة إلى مخازن الذخيرة والمنشآت اللوجستية العسكرية التي صممت بعناية فائقة للصمود أمام حصار بحري وطويل الأمد

إن السعي الحالي للاستحواذ على جزيرة تمتلك هذه المواصفات العسكرية وتحويلها إلى منتجعات خاصة يثير تساؤلات مشروعة حول الوظيفة المستقبلية لهذه البنية التحتية التحت-أرضية، حيث يتوجس خبراء الأمن القومي الألباني من إمكانية إعادة تأهيل هذه الأنفاق والملاجئ لاستخدامات أمنية، أو لوجستية، أو استخباراتية، أو كقواعد تنصت متقدمة تخدم مصالح أطراف خارجية وعلى رأسها إسرائيل، بعيداً عن الرقابة السيادية للدولة الألبانية التي تعاني من هشاشة المؤسسات وضعف الاقتصاد أمام تدفقات الأموال الأجنبية الضخمة.

وتأتي هذه التخوفات متناغمة مع قراءة تاريخية واعية يربط من خلالها المحتجون الألبان بين مشروع سازان وبين أفكار وتصورات سبق أن طرحها جنرالات ومسؤولون أمنيون في تل أبيب حول ضرورة إنشاء "نقاط إسناد لوجستية وملاذات آمنة خارج فلسطين المحتلة"، يمكن اللجوء إليها أو الاعتماد عليها كقواعد بديلة في حال اندلاع حروب إقليمية واسعة وشاملة تؤدي إلى شلل المطارات والموانئ في فلسطين المحتلة وتهدد عمق الكيان الصهيوني

وتتحول الجغرافيا في هذه المعادلة من مجرد مساحة طبيعية إلى أداة سياسية بامتياز، ويصبح الاستثمار العقاري واجهة مقبولة دولياً لتمرير حضور أمني مستدام، مما يفسر حالة الغضب العارم التي تجتاح الأوساط الألبانية الرافضة لتسليع جغرافيتها وتحويل قلاعها العسكرية السابقة إلى مناطق نفوذ مستقطعة تخدم استراتيجيات الهيمنة الأجنبية على حساب السيادة الوطنية.

·                    الجذور التاريخية .

لا ينطلق الرفض الشعبي الألباني للمشاريع الراهنة من مجرد قراءة سطحية للحاضر أو تخوفات آنية من مشاريع البناء، بل يستند إلى وعي عميق بالتاريخ يعود إلى وثائق أرشيفية بالغة الخطورة كشفت عنها ونشرتها صحيفة "هآرتس" العبرية، والتي تؤكد أن ألبانيا لم تكن غائبة عن أحلام وتخطيط الحركة الصهيونية العالمية قبل الاستقرار النهائي على أرض فلسطين

وفي ثلاثينيات القرن العشرين، وخلال فترة البحث المحموم للحركة الصهيونية عن خيارات جغرافية متعددة ومتاحة لإقامة الكيان اليهودي الموعود (مثل مخططات أوغندا في إفريقيا، والأرجنتين في أمريكا الجنوبية، وليبيا في شمال إفريقيا)، درست أوساط صهيونية نافذة بجدية بالغة إمكانية إقامة "وطن قومي لليهود في ألبانيا". 

واستندت تلك التقارير والدراسات الميدانية آنذاك إلى تقييمات إيجابية جداً لخصوبة الأراضي الزراعية الألبانية وإمكاناتها الاقتصادية الواعدة، وقدرتها الطبيعية على استيعاب أعداد هائلة من المهاجرين اليهود القادمين من أوروبا دون إثارة صدامات مسلحة فورية نظراً لانخفاض الكثافة السكانية في ألبانيا في تلك الحقبة، بل وطرحت الوثائق تصوراً متكاملاً لإقامة كيان يهودي يبدأ بامتيازات اقتصادية مستدامة ويتطور لاحقاً إلى وطن قومي وسيادي بالكامل في قلب القارة الأوروبية.

ورغم أن حركة التاريخ وظروف الحرب العالمية الثانية ومخرجات "وعد بلفور" وجهت البوصلة الصهيونية بالكامل وبشكل نهائي نحو أرض فلسطين، إلا أن الكشف عن وجود هذه الدراسات والمخططات التاريخية أعاد صياغة الوعي الألباني المعاصر بصورة جذريّة؛ إذ بات ينظر إلى تحركات جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب بعين الريبة والشك الشديد، وبوصفها إحياءً متجدداً لملفات قديمة وجذور جيوسياسية ممتدة تهدف إلى قضم السيادة الألبانية عبر بوابة المال والاستثمار، وتحقيق التغلغل الصهيوني ذاته الذي رُسمت خطوطه الأولى قبل قرن من الزمان

ويزداد هذا الشعور الجمعي بالخطر عندما يوضع الملف في سياق شخصية جاريد كوشنر نفسه، الذي ارتبط اسمه بأخطر المشاريع السياسية والاقتصادية المثيرة للجدل في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، وعلى رأسها هندسة "صفقة القرن" ورعاية "اتفاقيات أبراهام" للتطبيع، وهي السياسة القائمة في جوهرها على عقيدة نيوليبرالية متطرفة تتبنى مبدأ "تسليع الأرض والتاريخ" وتحويل الصراعات الوجودية وحقوق الشعوب إلى صفقات تجارية وعقارية تُعرض في بورصات الأموال والشركات العابرة للقارات.

إن نقل هذه الدبلوماسية العقارية البراقة من الشرق الأوسط إلى البلقان، وبتسهيلات وترحيب صريح من حكومة رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، يمثل محاولة واضحة لإعادة هندسة خرائط النفوذ الإقليمي وتوسيع رقعة التغلغل الإسرائيلي الأمريكي المشترك في منطقة البلقان، مستغلين في ذلك حاجة البلاد الماسة للتنمية الاقتصادية وتدفق رؤوس الأموال لفرض وقائع جيوسياسية جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً، وهو ما جعل جزيرة سازان رمزاً لصراع تاريخي وسيادي أكبر بكثير من حدودها الجغرافية الصغيرة، وتحول الرفض الشعبي من مجرد اعتراض على مشروع عقاري وسياحي إلى مواجهة مباشرة ضد مشروع هيمنة يمتلك أدوات ناعمة وخطيرة.

·                    ألبانيا ليست للبيع

أمام هذا التهديد الوجودي المتخفي في زي الاستثمار الفاخر، تبلورت حركة احتجاجية شعبية ومدنية واسعة في ألبانيا اتخذت من الرفض القاطع لمشاريع كوشنر منطلقاً لها، محاكية في روحها وجوهرها حركات المقاومة العالمية ضد التمدد الاستعماري والصهيوني وتصفية سيادة الدول الصغرى

وقد تجلى هذا الرفض في نزول آلاف المتظاهرين والجماهير والنخب الطلابية والبيئية إلى شوارع العاصمة تيرانا والمدينة الساحلية فلورا، رافعين شعارات حاسمة تعبر عن وعي سياسي عميق بالخلفيات الاستعمارية للمشروع، مثل "ألبانيا ليست للبيع" و"إيفانكا ارحلي"، معبرين بصوت مرتفع عن أن القضية تتعلق بالدفاع عن كيان بلادهم، وكرامتها الوطنية، وسيادتها على أراضيها الحساسة قبل أن تتعلق برفض مشروع عقاري أو فندقي بعينه

ولم يقتصر هذا الحراك الشعبي على البعد السياسي المباشر، بل تداخل بذكاء مع البعد البيئي لإنتاج رمزية نضالية فريدة وعميقة الدلالة عُرفت في وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية بـ "ثورة الفلامنجو"؛ فالمشاريع الاستثمارية المقترحة لا تستهدف جزيرة سازان فحسب، بل تمتد لتشمل محميات طبيعية ساحلية نادرة تعد الموائل الحيوية والملاذات الآمنة لطيور الفلامنجو الوردية والنظم البيئية الهشة المهددة بالدمار والاندثار الكامل جراء تشييد المجمعات الخرسانية الفاخرة، لتتحول هذه الطيور الوديعة في المسيرات الاحتجاجية إلى رمز وطني للسيادة المهددة أمام غول الرأسمالية والمال الأجنبي المرتبط بالصهيونية.

إن الكيان الصهيوني، الذي يواجه في المرحلة الراهنة أزمة شرعية وصورة دولية هي الأسوأ والأعنف في تاريخه منذ عام 1948 نتيجة لحرب الإبادة والجرائم الموثقة في قطاع غزة والشرق الأوسط والتي نزعت عنه غطاء المظلومية التاريخية، يجد نفسه اليوم أمام موجة جديدة وغير مسبوقة من الرفض الشعبي والمدني خارج حدود الشرق الأوسط تماماً، حيث تضرب هذه الموجة جهوده الاستراتيجية الرامية إلى إيجاد بيئات حليفة وملاذات بديلة في شرق أوروبا ومنطقة البلقان

وإذا ما استمرت الاحتجاجات الألبانية في التمدد والاتساع والتحول إلى وعي بلقاني جماعي، فإن منطقة البلقان مرشحة بقوة للتحول إلى جبهة سياسية وشعبية متقدمة تضاف إلى جبهات الرفض العالمية المتنامية ضد المشروع الصهيوني، مؤكدة للرأي العام الدولي أن معادلة التغلغل عبر "المال أولاً، ثم النفوذ الاستخباري، ثم فرض الأمر الواقع قسراً على الأرض" لم تعد صالحة للمرور أو القبول في وعي الشعوب الحرة التي قررت التصدي لها وحماية سيادتها الوطنية قبل أن تصبح أمراً واقعاً يربط مصيرها بعجلة استعمارية مأزومة.

أعلى