• - الموافق2026/07/19م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
تركيا.. صفحة جديدة في العلاقات والتحالفات مع الغرب

بينما تتبدل خرائط القوة في الشرق الأوسط وأوروبا، تتحول تركيا من دولة مثيرة للجدل داخل الناتو إلى شريك يسعى الغرب لاستعادته. فهل تمثل قمة أنقرة بداية تحالف جديد يعيد رسم موازين القوى، أم مجرد هدنة مؤقتة تفرضها التحولات الدولية؟


أحيانًا لا تكون أهمية القمم الدولية فيما يُقال داخل قاعات الاجتماعات بل فيما تكشفه من تحولات تجري بهدوء في خلفية المشهد، فقمة حلف الناتو التي استضافتها أنقرة لم تكن مجرد مناسبة بروتوكولية جمعت قادة الدول الأعضاء، بل بدت وكأنها محطة انتقل فيها النقاش من إدارة الأزمات إلى إعادة ترتيب أولويات الحلف وشبكة علاقاته، في ظل بيئة دولية تتغير بوتيرة متسارعة.

ففي وقت تتواصل فيه الحرب في أوكرانيا وتعيش منطقة الشرق الأوسط تداعيات المواجهة الأخيرة مع إيران، جاءت القمة محمّلة بملفات تتجاوز الإطار العسكري التقليدي؛ من زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي واتفاقيات صناعية بمليارات الدولارات إلى مؤشرات على تحسن العلاقات بين أنقرة وواشنطن بعد سنوات من التوتر يقابلها قلق إسرائيلي متزايد من مسار هذا التقارب، وبين هذه الملفات جميعًا برزت تركيا بوصفها الدولة المضيفة للقمة وفي الوقت نفسه أحد أبرز الأطراف الحاضرة في النقاشات المتعلقة بمستقبل الحلف، وهو ما منح القمة اهتمامًا تجاوز حدود الناتو إلى مجمل توازنات الشرق الأوسط.

مخرجات قمة الناتو في أنقرة

اختُتمت القمة السادسة والثلاثون لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بإصدار بيان ختامي حمل مجموعة من القرارات التي تعكس توجهًا جديدًا للحلف في التعامل مع البيئة الأمنية الدولية المتغيرة.

وأكد البيان التزام الدول الأعضاء بالمادة الخامسة من معاهدة الناتو والتي تنص على أن أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يُعد اعتداءً على جميع أعضاء الحلف، مجددًا التأكيد على وحدة الموقف الأطلسي في مواجهة التهديدات المشتركة.

كما أعلن الحلف خلال القمة بأنقرة عن اتفاقيات دفاعية جديدة تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار تشمل توريد معدات عسكرية وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية وتسريع برامج الابتكار والإنتاج المشترك بين الدول الأعضاء، في خطوة تعكس التحول من مرحلة التخطيط إلى مرحلة توسيع القدرات العسكرية بصورة عملية.

ولم يقتصر البيان على الجانب الأوروبي بل تطرق أيضًا إلى ملفات الشرق الأوسط، حيث أكد الحلف أن إيران "لا ينبغي أن تمتلك سلاحًا نوويًا" داعيًا طهران إلى احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز، في ظل استمرار التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.

كما جدد الحلف التزامه بدعم أوكرانيا معلنًا تخصيص 70 مليار يورو خلال عام 2026 تشمل المساعدات العسكرية والتدريب والدعم اللوجستي، مع التعهد بالحفاظ على مستوى الدعم نفسه خلال عام 2027.

وجاء البيان ليؤكد كذلك أن الحلف يسعى إلى إزالة العوائق أمام التجارة الدفاعية بين أعضائه وتوسيع التعاون الصناعي، بما يضمن قدرة أكبر على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.

ترامب يتعهد برفع العقوبات عن تركيا وتمرير صفقة الطائرات

شهدت القمة تطورًا لافتًا في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة بعدما أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" عزمه رفع العقوبات المفروضة على تركيا، إلى جانب إعادة النظر في ملف صفقة بيع مقاتلات F-35 لها، وقال ترامب خلال فعاليات القمة إن أردوغان "صديق عزيز" واصفًا إياه بأنه "قائد قوي يحب بلاده ويقوم بعمل رائع"، مشددًا على أن تركيا تمثل أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة داخل حلف الناتو.

من جانبه أعرب أردوغان عن ثقته في التوصل إلى قرار إيجابي بشأن الطائرات، مؤكدًا أن ملف F-35 ليس جديدًا، وصرح للصحفيين خلال مؤتمر صحفي ثنائي مع ترامب داخل القصر الرئاسي بأنقرة أنه قد حصل على وعد بتسلم 5 طائرات من طراز F-35 من الولايات المتحدة.

وتزامن ذلك مع تقارير لوكالة رويترز كشفت أن الإدارة الأمريكية أخطرت الكونغرس رسميًا بعزمها بيع محركات طائرات لتركيا بقيمة تتجاوز 700 مليون دولار، وهي محركات ستستخدم في تشغيل المقاتلة التركية المحلية "قآن" في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على تحسن التعاون الدفاعي بين البلدين.

ورأى مراقبون أن هذه التطورات تعكس محاولة لإعادة بناء الثقة بين أنقرة وواشنطن بعد سنوات من الخلافات التي بدأت عقب شراء تركيا منظومة S-400 الدفاعية الروسية في عام 2020.

إسرائيل تفتح حربًا إعلامية على تركيا وتتعرض لخيبة أمل

أثارت المؤشرات الأمريكية الإيجابية تجاه تركيا ردود فعل واسعة في إسرائيل، حيث عبر عدد من المسؤولين الإسرائيليين عن مخاوفهم من احتمال حصول أنقرة على مقاتلات F-35.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن تركيا "لا ينبغي أن تحصل على مقاتلات إف-35"، معتبرًا أن ذلك قد يؤثر في توازن القوى بالمنطقة.

كما نقلت القناة 14 الإسرائيلية عنه قوله إن أردوغان "يدعو إلى تدمير إسرائيل واحتلال القدس"، مضيفًا أن "نظامًا كهذا لا ينبغي أن يحصل على هذه الطائرات".

بينما قال وزير المالية الإسرائيلي "بتسلئيل سموتريتش" إن إسرائيل تستعد لكل سيناريو يتعلق بإمكانية مواجهة عسكرية مع تركيا، مؤكدًا أن تل أبيب تأخذ هذه الاحتمالات على محمل الجد.

أما وزير شؤون الشتات الإسرائيلي "عميحاي شيكلي" فاعتبر أن العلاقة الوثيقة بين ترامب وأردوغان تمثل مصدر قلق بالنسبة لإسرائيل، واصفًا هذا التقارب بأنه "شديد الإشكالية".

وفي السياق ذاته كتب المحلل العسكري أمير بوحبوط في موقع "والا" العبري أن بيع المقاتلات الشبحية الأمريكية لتركيا قد يمثل "تغييرًا لقواعد اللعبة" ناقلًا عن مصدر أمني إسرائيلي قوله: "لا يوجد فراغ في الشرق الأوسط؛ فعندما تضعف إيران، تزداد تركيا قوة".

وتزامنت هذه الأجواء مع إلغاء وزير الحرب الأمريكي "بيت هيغسيث" زيارته المقررة إلى إسرائيل، وهي الزيارة التي كانت ستبحث ملفات إيران ولبنان إضافة إلى قضية انضمام تركيا مجددًا إلى برنامج مقاتلات F-35، وهو ما أثار تساؤلات داخل الأوساط الإسرائيلية حول توقيت الإلغاء ودلالاته السياسية.

أبرز تصريحات أردوغان في ختام القمة

في المؤتمر الصحفي الختامي تناول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مجموعة واسعة من الملفات السياسية والعسكرية، وأكد أن مشروع "الوطن الأزرق" يمثل خيارًا استراتيجيًا بالنسبة لتركيا، قائلًا: "بالنسبة لنا الوطن الأزرق موضوع مهم جدًا وسنواصل استخدام هذا المسمى".

كما شدد على أن تركيا اتخذت الخطوات اللازمة للوصول إلى هدف الحلف المتمثل في تخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي بحلول عام 2030.

وكشف أردوغان عن تخصيص 24 مليار دولار إضافية لمشروع "القبة الفولاذية"، مؤكدًا أنه سيكون أحد أبرز عناصر الدفاع الجوي والصاروخي في المنطقة.

وفيما يتعلق بصفقة مقاتلات F-35، قال أردوغان إن الرئيس الأمريكي تبنى "نهجًا إيجابيًا" تجاه تركيا معربًا عن أمله في استكمال هذا المسار.

كما انتقد اعتراضات إسرائيل واليونان على حصول بلاده على هذه الطائرات، قائلًا للصحفيين -الذين سألوا عن موقف تركيا من هذه الاعتراضات- إن مثل هذه المواقف "لا مكان لها في عالمي"، ومؤكدًا أن تركيا من حقها الحصول على ما تحتاجه من منظومات دفاعية.

كما دعا الرئيس التركي إلى إزالة القيود المفروضة على التعاون الدفاعي بين أعضاء الحلف، معتبرًا أن توسيع الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا يمثلان ضرورة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة، وهو طرح انسجم مع النقاشات التي شهدتها القمة حول تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية للحلف.

ملف إس-400 يعود إلى الواجهة بعد القمة

بالتوازي مع أجواء التقارب التي ظهرت في العلاقات التركية الأمريكية خلال القمة، عاد ملف منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400 إلى واجهة الاهتمام مجددًا لكن هذه المرة من زاوية مختلفة.

فقد نقلت وكالة "بلومبيرغ" عن مسؤولين مطلعين أن تركيا تجري مشاورات مع روسيا بشأن إمكانية نقل منظومات S-400 إلى دولة ثالثة، في خطوة يُنظر إليها على أنها قد تساهم في معالجة إحدى أبرز نقاط الخلاف بين أنقرة وواشنطن، وتمهّد الطريق أمام استئناف مشاركة تركيا في برنامج مقاتلات F-35 ورفع ما تبقى من القيود الأمريكية المرتبطة بهذا الملف.

وبحسب المعلومات المتداولة فإن تركيا لا تشغّل المنظومة حاليًا رغم احتفاظها بها ضمن مخزونها العسكري، فيما أكد المتحدث باسم الكرملين "ديميتري بيسكوف" وجود اتصالات بين موسكو وأنقرة بشأن هذا الموضوع، واصفًا إياه بأنه يدخل في نطاق "مجال بالغ الحساسية" مع استمرار المشاورات بين الجانبين.

كما أشارت صحيفة "حرييت" التركية إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في نقل المنظومات إلى دولة خليجية إلا أنه لم يصدر حتى الآن أي إعلان رسمي يؤكد التوصل إلى اتفاق نهائي أو يحدد الجهة التي قد تنتقل إليها المنظومات.

ويأتي تجدد الحديث عن هذا الملف بعد التطورات التي شهدتها قمة أنقرة وخاصة إعلان ترامب استعداده لرفع العقوبات عن تركيا وإعادة النظر في ملف مقاتلات F-35، الأمر الذي دفع مراقبين إلى اعتبار أن ملف S-400 قد يكون أحد أبرز الملفات التي ستحدد شكل العلاقات الدفاعية بين تركيا والولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة، إذا ما تمكن الطرفان من إيجاد صيغة توازن بين التزامات تركيا داخل حلف الناتو وعلاقاتها الدفاعية مع روسيا.

كلمة أخيرة

عكست قمة أنقرة أن حلف الناتو يقف أمام مرحلة جديدة تختلف في أولوياتها عن العقود السابقة، فإلى جانب التأكيد على الردع الجماعي برزت قضايا مثل توسيع القاعدة الصناعية الدفاعية وزيادة الإنفاق العسكري وتسريع الابتكار باعتبارها ركائز أساسية لما بات يُوصف بمرحلة "الناتو 3,0".

وفي الوقت ذاته أظهرت القمة أن موقع تركيا داخل الحلف يشهد تطورًا لافتًا سواء من خلال استضافتها لاجتماعات مفصلية أو عبر النقاشات المتعلقة بالتعاون الدفاعي أو بروز ملفات مثل مقاتلات F-35 والعقوبات الأمريكية، كما كشفت ردود الفعل الإسرائيلية أن هذه التطورات تُتابَع باهتمام في المنطقة لما قد تحمله من انعكاسات على موازين القوى الإقليمية.

وبغض النظر عن سرعة تنفيذ ما أُعلن في أنقرة، فإن القمة تركت انطباعًا بأن الحلف يسعى إلى إعادة صياغة أولوياته بما يتناسب مع بيئة أمنية أكثر تعقيدًا، وأن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا عمليًا لقدرة الدول الأعضاء على ترجمة التعهدات السياسية إلى سياسات دفاعية واقتصادية مشتركة، وفي هذا السياق تبدو أنقرة مرشحة لأن تظل إحدى الساحات الرئيسية التي ستتقاطع فيها ملفات الأمن الأوروبي والصناعات الدفاعية وتوازنات الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.

أعلى