ما الذي يقف وراء السقوط المفاجئ للمخا، أهو ضعف التنسيق وتعدد الولاءات داخل معسكر الشرعية، أم قدرة الحوثيين على استثمار الانقسامات، أم أن الحسابات الإقليمية والدولية كانت العامل الأثقل في حسم المشهد العسكري والسياسي في اليمن؟
مثَّل السقوط المفاجئ لمدينة المخا اليمنية الساحلية بهذه السرعة غير المتوقّعة في
أيدي الحوثيين، شجونًا كبيرًا لدى أبناء اليمن وشعوب المنطقة، خاصةً أنه قبلها
مباشرةً تحدَّثت الأنباء عن خُطَط على وشك التنفيذ أعدّتها الحكومة الشرعية لليمن
لتحرير صنعاء من الاحتلال الحوثي، وقطع الذراع الإيراني في أرض اليمن.
فما خلفيات الاندفاع المفاجئ لقوات الحوثي، وسقوط المخا والشريط الساحلي وجزر باب
المندب، هل جاءت العملية كاستباق لنوايا الحكومية الشرعية بتحرير اليمن؟ أم أن
دافعها هو السيطرة على الملاحة في باب المندب بالرغم من أن الحوثيين قد أثبتوا من
قبل، تحكُّمهم في المضيق بمجرد وجودهم في ميناء الحديدة؟ أم أن الأمر يتعلق بدوافع
أخرى دولية وإقليمية وراء هذا الهجوم؟
ولكن لنبدأ بشرح الأهمية الإستراتيجية لمدينة المخا.
مدينة صغيرة في قلب جغرافيا إستراتيجية
المخا مدينة وميناء يمني، تقع على الساحل الغربي لليمن في محافظة تعز، وبالقرب من
المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. تبعد المدينة نحو 100 كيلو متر غرب مدينة تعز، وحوالي
75 كيلو مترًا شمال مضيق باب المندب، الأمر الذي منَحها أهمية تجارية وإستراتيجية
كبيرة.
أما تقديرات السكان فتختلف باختلاف الحدود الإدارية وسنة الإحصاء؛ فقد أشارت بيانات
التعداد لعام 2004 إلى نحو 26 ألف نسمة للمديرية، بينما تُورد مصادر أخرى أرقامًا
أعلى لاحقة، تصل إلى نحو 62 ألف نسمة. لذلك لا يمكن اعتماد رقم واحد بوصفه تعدادًا
حديثًا نهائيًّا، ولا سيما بسبب النزوح والتغيُّرات التي فرضتها الحرب اليمنية.
أهمية المخا لا تأتي من حجم المدينة أو عدد سكانها، وإنما مِن موقعها في مثلث
جغرافي يجمع الساحل الغربي اليمني، وباب المندب، وطرق الملاحة في البحر الأحمر،
فضلًا عن كونها منفذَ تعز الساحلي وميناءً تاريخيًّا مهمًّا.
ولكنّ السيطرة عليها لا تعني بالضرورة السيطرة على باب المندب نفسه.
فالتحكم العسكري المؤثر في باب المندب يعتمد على القدرة على السيطرة أو التأثير في
ثلاثة مكوّنات جغرافية رئيسية:
1-الساحل الغربي لليمن: خصوصًا المناطق التي تسمح بإقامة قواعد ومواقع صاروخية
ورادارية ومراقبة بحرية، وتوفّر عمقًا لوجستيًّا للقوة الموجودة هناك.
2-الجزر والمواقع البحرية: وعلى رأسها جزيرة ميون (بريم) الواقعة في مدخل باب
المندب، وهي ذات أهمية استثنائية؛ لأنها تتوسط المضيق وتقسمه إلى ممرين بحريين.
3-المرتفعات المطلة على الساحل: لأنها تُوفّر ميزة الارتفاع للمراقبة والاستطلاع،
ويمكن أن تمنح القوة المسيطرة قدرة أكبر على رصد الحركة البحرية والتأثير فيها.
وبالفعل سيطر الحوثيون على اثنين من المكونات الثلاثة؛ وهما: الساحل والجزر،
ويتبقّى لهم المرتفعات والتي تدافع عنها قوات الشرعية بشراسة.
ولكن كيف سقطت المخا؟
شهدت مدينة المخا تحوُّلات عنيفة في موازين القوى منذ عام 2014؛ حيث مثَّلت في
البداية نقطة ارتكاز إستراتيجية استولى عليها الحوثيون لتأمين العمق الجغرافي
وتهديد الملاحة، قبل أن يفقد الحوثي سيطرته عليها في عام 2017 لصالح القوات
المشتركة والتحالف العربي؛ نتيجةَ التفوق الجوي الكاسح، وعزل المدينة تكتيكيًّا،
واستغلال الجغرافيا الساحلية المكشوفة التي أفقدت الحوثيين ميزة حرب العصابات.
أما السقوط الأخير لمدينة المخا، فقد بدأ منذ الثالث من سبتمبر الماضي، حين أطلق
الحوثي هجومًا بريًّا واسع النطاق في غرب محافظة تعز وعلى طول ساحل البحر الأحمر.
كان الهدف الإستراتيجي المُعلَن والمباشر لهذا الهجوم هو قطع طريق (تعز-المخا)
الإستراتيجي، لعزل المدينة تمامًا عن أيّ إمدادات عسكرية من العُمق الحكومي.
حاولت قوات مجلس القيادة الرئاسي امتصاص الصدمة واستعادة المبادرة بشنّ هجوم مضادّ.
ونجحت القوات الحكومية خلال يومين في استعادة بعض الأراضي والسيطرة على عدة قمم
جبلية حاكمة جنوب وغرب تعز، وأسفر القتال في اليومين الأولين فقط عن سقوط أكثر من
120 قتيلًا من الطرفين.
وبحلول يوم ٦ سبتمبر أعلنت قوات الحكومة استعادة مديرية حيس وتقدمها في غرب تعز.
وفي يوم ٧ سبتمبر، أعلن مساعد وزير الدفاع اليمني (عبر التلفزيون الحكومي) أن قرار
تحرير صنعاء اتُّخِذَ وحُسِمَ الأمر، وتحدَّث متحدثون عسكريون عن هدف استعادة صنعاء
كعاصمة لكل اليمنيين، وصاحب ذلك ارتفاع وتيرة عمليات الجيش اليمني التابع للحكومة
الشرعية على جبهات الجوف والبيضاء وتعز والحديدة.
لقد أعطى التقدم التكتيكي للقوات الحكومية في 5 و6 سبتمبر انطباعًا إعلاميًّا
خاطئًا بوجود هجوم حكومي واسع.
لكنّه بحلول يوم 8 سبتمبر، ظهر أن التقدم الحكومي لم يتحوَّل إلى اختراق إستراتيجي،
بسبب وعورة التضاريس واعتماد الحوثيين على الكمائن الدفاعية، الأمر الذي مهَّد
الطريق للاختراق الحوثي الكبير في الوازعية في 9 سبتمبر، وصولًا إلى اجتياح المخا
في 10 سبتمبر.
ولم يقتصر الأمر على المخا، بل تقدَّمت قوات الحوثي على طول الشريط الساحلي، ووصلت
إلى ذباب وجزر حنيش ومناطق حول باب المندب، لتعلن السيطرة عليه، وفي ظرف أيام
قليلة، سيطر الحوثي على ما يقرب من ٦٠٠٠ كيلو مربع.
هنا ظهر السؤال الكبير، لماذا انهارت القوات اليمنية أمام الحوثيين في الساحل
الغربي بهذه السرعة؟
هذا السؤال هو الذي بات يتردّد على لسان كثير من المتابعين للشأن اليمني والذين
كانوا يأملون في سقوط سريع للذراع الإيراني في جنوب الجزيرة العربية كما حدث مع
ذراعها في سوريا.
فقد أثارت سرعة انسحاب القوات التي يقودها طارق صالح والتي تُعرَف باسم المقاومة
الوطنية، (والتي من المفترض أنها موالية للحكومة اليمنية) من جبهات المخا وحيس
والخوخة، وصولًا إلى فقدان مواقع واسعة في الساحل الغربي، تساؤلات حول الأسباب التي
أدَّت إلى هذا التراجع، خصوصًا في ظل امتلاك القوات المنسحبة أعدادًا كبيرة من
المقاتلين، قدَّرتها قناة الجزيرة بنحو ٥٠ ألف مقاتل كانوا موجودين في منطقة المخا.
لمعرفة أسباب الهزيمة يجب علينا تحليل ثلاثة عناصر:
الأول:
مكونات قوات الحكومة الشرعية، والتي تتصدَّى للمشروع الحوثي.
الثاني:
أسباب الانتصارات التي حقَّقها الحوثي من قبل.
الثالث:
العامل الخارجي، وتجاذبات القوى الإقليمية والدولية.
القوات الموالية الشرعية اليمنية
هناك ملاحظة منهجية عند التحدُّث عن الجيش اليمني وفِرَقه، هو تجنُّب وصفها بأنها
وحدات متجانسة ذات ولاء واحد، فهذا الأمر غير دقيق.
فالقوات التابعة للحكومة المُعتَرَف بها دوليًّا تتكون من الجيش النظامي التابع
لوزارة الدفاع المقسم على مناطق اليمن، وتشكيلات مسلحة أُنشئت خلال الحرب ثم أُلحقت
اسميًّا بالحكومة، وقوات محلية جنوبية وساحلية احتفظت بدرجة كبيرة من الاستقلال.
لذلك فإن الولاء الفعلي في اليمن متعدّد المستويات: ولاء رسمي للحكومة، وولاء شخصي
للقائد، وانتماء مناطقي أو قبلي، ثم ارتباط بالجهة الإقليمية المموّلة.
وبالرغم من أن إعادة الهيكلة التي قادتها المملكة السعودية في بداية هذا العام إلا
أنها لم تُنْهِ هذه الازدواجية تمامًا.
وعند استعراض القوات التي تساند الشرعية اليمنية والمؤثرة في القتال الحالي نجد
الآتي: ثلاث مناطق عسكرية للجيش اليمني من أصل سبع مناطق عسكرية (لأن هناك المنطقة
العسكرية الأولى والثانية والتي تتولَّى تأمين الجنوب اليمني والعاصمة المؤقّتة،
والسادسة والسابعة في الشمال، ولكنّها لا تشارك في القتال الحالي)، كما نجد ثلاث
فِرَق محسوبة ضمنًا من الجيش، ولكنها مستقلة عنه:
1-المنطقة العسكرية الثالثة
وتنتشر في مأرب وشبوة، ومقرّها مأرب، وتُعدّ من أهم مراكز القوة العسكرية التابعة
للحكومة. وتضم وحدات من الجيش وقوات قبَلية وقوى شعبية مرتبطة بحزب الإصلاح، وتمتلك
خبرة طويلة في مواجهة الحوثيين.
وتتمثل قوتها في التماسك النسبي، والخبرة القتالية، والدافع القوي للدفاع عن مأرب،
التي تُمثّل مركزًا سياسيًّا وعسكريًّا للحكومة في شمال اليمن. أما ضعفها فيكمن في
أن قواتها لم تتحوَّل إلى قوة مناورة موحدة تستطيع تنسيق هجوم متزامن مع جبهات
الساحل وتعز والجوف.
وقد دعمتها السعودية بصورة أساسية، في حين ظلت الإمارات تنظر بحذر إلى نفوذ الإصلاح
داخلها، ولا سيما في مأرب.
2-المنطقة العسكرية الرابعة
تغطّي عدن ولحج وأبين والضالع وتعز، ومقرها عدن. وهي ليست قوة متجانسة، بل تجمع
وحدات من الجيش النظامي مع تشكيلات جنوبية ومحلية مختلفة.
ففي تعز يوجد نفوذ قوي لقوى شعبية مرتبطة بالإصلاح، إلى جانب المقاومة المحلية
وتشكيلات سلفية وعسكرية أخرى. أما في عدن ولحج وأبين، فقد كان نفوذ المجلس
الانتقالي والقوات التي دعمتها الإمارات أكبر تاريخيًّا من نفوذ وزارة الدفاع
المركزية.
وتعاني هذه المنطقة تضاربًا واضحًا في الأولويات؛ فالإصلاح يُركّز على الحفاظ على
وحدة اليمن ومواجهة الحوثيين، بينما تعطي قوى جنوبية الأولوية لاستعادة دولة الجنوب
أو انتزاع حكم ذاتي واسع. وقد جعل هذا التباين تنسيق العمليات بين عدن وتعز والساحل
الغربي أمرًا صعبًا.
3-المنطقة العسكرية الخامسة
تنتشر في شمال غرب اليمن والساحل القريب من الحديدة، لكنها لا تُمثّل وحدها جميع
القوات التي كانت تدافع عن المخا. فقد كانت المدينة تعتمد بدرجة كبيرة على القوات
المشتركة في الساحل الغربي، التي تضم المقاومة الوطنية وألوية العمالقة وقوات
المقاومة التهامية.
تتمتع المنطقة بأهمية إستراتيجية بسبب قُربها من الحديدة والبحر الأحمر، إلا أن
قواتها لم تكن دائمًا تحت قيادة عملياتية واحدة، كما تداخلت صلاحياتها مع تشكيلات
الساحل المدعومة من الإمارات والسعودية.
أما الفِرَق المستقلة عن الجيش الحكومي، ولكنها تنّسق معه إلى حدّ ما فهي:
أ-المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح
ويُطلق عليها أحيانًا قوات حراس الجمهورية، وهي ليست جزءًا تقليديًّا من المناطق
العسكرية السبع، بل هي تشكيل ساحلي مستقلّ نسبيًّا، يقوده طارق صالح، وأنشئ بدعم
إماراتي لمواجهة الحوثيين.
وتتكون بدرجة كبيرة من ضباط وجنود سابقين في الجيش والحرس الجمهوري، ومن عناصر
مرتبطة بالمؤتمر الشعبي العام وعائلة الرئيس السابق علي عبد الله صالح. وهي تعلن
مُعارضتها للحوثيين وتمسُّكها بوحدة اليمن، ولذلك تختلف عن المجلس الانتقالي
الجنوبي ذي التوجُّه الانفصالي.
وتتمثل نقاط قوتها في القيادة المركزية، والانضباط النسبي. أما نقاط ضعفها فتتمثل
في اعتمادها الكبير على التمويل الخارجي وعلى شخصية قائدها، فضلًا عن احتفاظها
بقيادة مستقلة عن وزارة الدفاع.
وكانت الإمارات راعيها الأساسي في التأسيس والتسليح، ثم دخلت في ترتيبات أقرب إلى
السعودية بعد تغيُّر موازين النفوذ الإقليمي.
ب-ألوية العمالقة
تُعدّ ألوية العمالقة من أبرز القوات الهجومية في المعسكر الحكومي. وهي تتكوّن
أساسًا من مقاتلين جنوبيين ذوي توجه سلفي مدخلي، واكتسبت خبرة كبيرة في معارك
الساحل الغربي ومأرب وشبوة.
ولاؤها مُركَّب؛ فهي معادية للحوثيين من منطلق ديني وسياسي، وذات تكوين جنوبي،
ونشأت بدعم إماراتي، ثم دخلت في ترتيبات تمويل وإدارة أقرب إلى السعودية.
وتمتلك قوات العمالقة قدرة عالية على الهجوم والحركة، لكنّها ليست بالضرورة قوة
مُوحَّدة الولاء. فإذا خاضت معركة تراها دفاعًا عن الجنوب أو عن الممرات البحرية،
فإنها تقاتل بكفاءة عالية؛ أما إذا طُلِبَ منها الاندماج في مشروع طويل لاستعادة
صنعاء تحت قيادة مركزية يهيمن عليها الإصلاح، فقد يتراجَع حماسها السياسي.
جـ-المقاومة التهامية
وهي تتكوّن من مقاتلين ينتمون إلى مناطق تهامة الواقعة على البحر الأحمر، وتتمثل
أولوياتها في تحرير الساحل وحماية سكانه ومصالحه المحلية.
وهي أقل ارتباطًا بالمشاريع السياسية الكبرى في صنعاء أو الجنوب، ولذلك يمكن وصف
توجهها بأنه محلي تهامي بالدرجة الأولى. لكنها تعتمد على الدعم الخارجي، كما أن
قدرتها على العمل المستقل محدودة مقارنةً بالمقاومة الوطنية والعمالقة.
التوصيف الدقيق لهذه الِفرَق الثلاثة الأخيرة: العمالقة، والمقاومة الوطنية،
والمقاومة التهامية، أنها قوة شبه عسكرية موالية للحكومة، لكنّها مستقلة تنظيميًّا
عن الجيش النظامي.
وهناك فرقة عسكرية جديدة، تُعرَف باسم قوات درع الوطن، أنشأتها السعودية لإعادة
ترتيب القوة في الجنوب وموازنة النفوذ الإماراتي السابق، ولاستيعاب قوات المجلس
الانتقالي الجنوبي.
وتنتشر عناصرها في مناطق جنوبية، منها حضرموت والمهرة ولحج والضالع وعدن.
وتتبنَّى هذه القوات رسميًّا دعم مجلس القيادة الرئاسي والحفاظ على وحدة اليمن.
وتتمثل نقطة ضعفها في حداثة تكوينها وعدم اختبار جميع وحداتها في معارك كبيرة ضد
الحوثيين. كما أن انتشارها في مناطق ذات هويات محلية قوية قد يثير مقاومة سياسية أو
اجتماعية.
ولكن كيف أسهم ذلك التنوع في سقوط المخا؟
يمكن تفسير إسهام عامل تعدُّد قوات الشرعية في سقوط المخا بثلاثة عوامل رئيسية:
أولًا: تعدُّد القيادات، فقد كانت في الساحل قوات المقاومة الوطنية والعمالقة
والمقاومة التهامية ووحدات من الجيش ودرع الوطن، لكنّها لم تعمل دائمًا تحت غرفة
عمليات وطنية واحدة.
ثانيًا: اختلاف الأولويات، فطارق صالح يدافع عن الساحل وعن مشروع الجمهورية
المعادية للتوجهات الثورية، والعمالقة يركزون على العمل الهجومي ومصالح الجنوب،
بينما تركّز القوات التهامية على حماية مناطقها، في حين تنظر وحدات الجيش إلى مأرب
وتعز وصنعاء باعتبارها ساحات مركزية.
ثالثًا: الاعتماد على القرار الخارجي، فقد مرَّت الرواتب والتسليح والإسناد الجوي
غالبًا عبر جهات إقليمية. وعندما لم يصل الدعم في الوقت الحاسم، لم تكن القيادة
الساحلية تملك قدرة مستقلة على تعويض النقص أو سد الثغرات.
فالمعسكر الحكومي اليمني لم يكن جيشًا واحدًا بقدر ما كان ائتلافًا عسكريًّا، جمَع
قوًى متباينة في الأصل، ووَحَّدها العداء للحوثيين دون أن يُوحِّدها مشروع سياسي أو
قيادة عملياتية واحدة.
فسقوط المخا يكشف فشل التكامل والقيادة الموحدة أكثر مما يكشف غياب المقاتلين أو
السلاح؛ فالقوات كانت موجودة، لكن قرار استخدامها وأولوياتها ومصادر إسنادها لم تكن
موحدة. وقد استغل الحوثيون هذه الثغرة وشنّوا هجومًا مركزًا على جبهة كانت تعاني
أصلًا من التعدُّد والانقسام.
ولكن هل تمكَّن الحوثيون من شراء ولاء بعض قيادات المقاومة الوطنية، خاصةً أن لهم
خبرات واسعة في هذا النوع من القدرة على تغيير الولاءات، وتمدُّدهم العسكري الواسع
تاريخيًّا اعتمد على هذا النوع من الشراء، وما مستوى هذا الاختراق إن وُجِدَ؟ هل
كان على مستوى القيادة العليا لهذا الفصيل العسكري؟ وهل كان للإمارات دَوْر في هذا
التوجه؟
انتصارات الحوثيين السابقة
إحدى الأدوات التي تُمكّننا من فَهْم سرّ سقوط المخا في أيدي القوات الحوثية، هي
العودة للتاريخ القريب نُطِلّ من خلاله على انتصارات الحوثيين السابقة، والعوامل
التي أدَّت إلى تحوُّلهم من جماعة صغيرة في محافظة صغيرة وهي صعدة، إلى فصيل يسيطر
على من ٣٠ إلى ٣٥٪ من مساحة اليمن، ويعيش على تلك المساحة من ٦٠ إلى ٦٥٪ من سكان
اليمن.
وإذا استعرضنا على سبيل المثال بعضًا من العوامل التي أدَّت إلى سقوط العاصمة صنعاء
وما بعدها في أيديهم عام ٢٠١٤، سنجد الآتي:
العامل الأول: هو استمالة الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، والذي أبعدته ثورة
شعبية عن الحكم
لقد كان التحالف بين الحوثيين وصالح العامل الحاسم. فقد كان الطرفان عدوَّيْن خلال
حروب صعدة، لكنهما التقيا بعد 2011 في هدف مشترك: إضعاف حكومة هادي والقضاء على
نفوذ وزير الدفاع الأسبق علي محسن والقوى الثورية اليمنية.
لم يكن التحالف بالضرورة اتفاقًا أيديولوجيًّا، بل كان تحالف مصلحة وانتقام وإعادة
توزيع للقوة.
فعلي عبد الله صالح كان يمتلك نفوذًا في حزب المؤتمر، وشبكات قَبَلية، وضباطًا
سابقين في الحرس الجمهوري والأمن. وقد وفَّرت هذه الشبكة للحوثيين معلومات عن مواقع
الوحدات، ونقاط ضعفها، وقياداتها، ومدى استعدادها للقتال.
وتشير وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن «صالح» كان قد وزّع أسلحة على ألوية في الحرس
الجمهوري وزعماء قبليين، لاستخدامها لاحقًا في شراء الولاءات السياسية، كما اعتبرت
أن له دورًا في تسهيل التوسع العسكري الحوثي.
العامل الثاني: استغلال غضب الضباط
لقد شعر ضباط كثيرون، خصوصًا المرتبطين بالحرس الجمهوري، بأن إعادة هيكلة الجيش بعد
2011 استهدفتهم لمصلحة خصومهم. كما اعتبر بعضهم أن الرئيس هادي والذي أتت به
انتخابات حرة، هو من أضعف مواقعهم أو أخرج قياداتهم من السلطة.
واستغل الحوثيون هذا الشعور، وقدّموا أنفسهم كقوة تطيح بخصوم صالح، لا كعدوّ مباشر
لكل الضباط السابقين. ولهذا تعاون معهم بعض الضباط لأسباب سياسية أو انتقامية، حتى
إن لم يكونوا حوثيين عقائديًّا.
العامل الثالث: استمالة القبائل
كان للقبائل دور حاسم لأن شمال اليمن لا يُحكَم بالقوة العسكرية وحدها. وقد اتبع
الحوثيون سياسة تجمع بين التحالف، والمال، والضغط، وإعادة تشكيل الزعامة القبلية.
فتحالف الحوثيون مع مشايخ ووجهاء ناقمين على الثورة أو على نفوذ آل الأحمر. كما
استفادوا من خصومات قبلية قديمة، ومن رغبة بعض الزعماء في استعادة نفوذ فقدوه خلال
المرحلة الانتقالية.
وقد ساعدت شبكة صالح، ولا سيما علاقاته داخل قبائل حاشد وغيرها، على تحييد أو
استمالة أطراف قبلية كانت قادرة نظريًا على عرقلة التقدم نحو صنعاء، وما بعد صنعاء
مثل: التفاوض مع القيادات المحلية قبل الهجوم، واستغلال الانقسامات بين الجيش
والقبائل والأحزاب، وتقديم ضمانات لبعض المسؤولين، وإغراء الوحدات بالرواتب أو
المناصب، واستخدام القوة المركزة ضد مراكز المقاومة.
ففي الحديدة، مثلًا، استفاد الحوثيون من انهيار السلطة المركزية وضعف الدفاعات، ثم
سيطروا على الميناء ومؤسسات المحافظة. أما في إب وذمار والبيضاء ومناطق أخرى، فقد
سبق التوسع العسكري فيها تفاوضٌ محلي أو تحييدٌ للخصوم أو استقطابٌ لبعض الزعامات.
ولكن هل انقسامات وألاعيب الداخل هي فقط المؤثرة على ما حدَث؟
الصراعات الإقليمية والدولية
عندما ننتقل إلى عامل آخر أدَّى إلى سقوط المخا، وهو العامل الخارجي، وما يدور في
المنطقة من صراعات، نجد أننا نتحدَّث عن ثلاثة صراعات يُفترَض أنها أثَّرت بشكلٍ
كبير على تصعيد الحوثي الأخير، ومِن ثَمَّ تُمكِّنا من فَهْم ما جرى وما سيجري:
هناك الصراع الأمريكي الإيراني، والحصار الذي تفرضه أمريكا على إيران، والتي ترد
على ذلك بإغلاق مضيق هرمز.
ويوجد أيضًا الرد الإماراتي على فقدان نفوذها في اليمن كموقع مُهمّ لنفوذها
ولتوسعها الجيوسياسي، وذلك عندما أجبرتها المملكة على الخروج من اليمن وموانيها.
ويوجد أيضًا الضغط الأمريكي على السعودية واستخدام ورقة الحوثي لتطبيع العلاقات مع
الكيان الصهيوني والدخول في الاتفاقيات «الإبراهيمية».
فهذه ثلاثة افتراضات يمكن مناقشة كل منها في كيفية تأثيرها على تحرُّك الحوثي
الأخير.
الفرضية الإيرانية
ليس هناك أدنى شك أن الحوثي هو ذراع إيرانية ضمن إستراتيجيتها للهيمنة على المنطقة،
ولذلك فإنّ مبادرة الحوثي للقتال هذه المرة والاستيلاء على المخا، ومِن ثَمَّ باب
المندب يجب أن يُنظَر إلى دوافعها وتحقيقها لمصالح إيرانية قابلة للقياس على
مستويين:
المستوى الأول: ورقة ضغط بديل لهرمز
بمكر وذكاء استطاعت الإدارة الأمريكية نزع الورقة الأقوى لإيران في صراعها مع
أمريكا وهو مضيق هرمز.
فبالرغم من أن الضربات العسكرية الأمريكية حيَّدت قدرات إيران القيادية والبحرية
والجوية، فردَّت إيران بإغلاق مضيق هرمز كورقة ضغط.
ولكن الذي غيَّر المعادلة حقًّا هو الحصار الاقتصادي البحري الأمريكي، والذي خنَق
صادرات النفط الإيرانية وعزلها ماليًّا، فجعل إغلاق المضيق عبئًا على إيران أكثر
منه رافعة. لذلك بات رفع الحصار الاقتصادي هو المكسب الأهم لإيران، بينما ترى
واشنطن أن استمراره هو الورقة الأقوى لإجبار طهران على فتح المضيق وتقديم تنازلات.
بالتزامن مع فَقْد إيران لورقة هرمز، تحدَّثت تقارير صحفية بأن الحرس الثوري
الإيراني وجَّه الحوثيين إلى التصعيد، ووعد بتمويل وسلاح وضباط إضافيين، في خطوةٍ
تهدف لفتح جبهة ثانية تُخفِّف وطأة الحصار الأمريكي على موانئ إيران وناقلاتها.
المستوى الثاني: عزل السعودية
لقد رفض ترامب طلبًا سعوديًّا للمشاركة بضربات جوية ضد الحوثي، وتحدثت تقارير
أمريكية عن لقاء جرى بين الحوثيين والأمريكان في مسقط، وقال ترامب نفسه: «إن
الحوثيين تعهّدوا بعدم ضرب السفن كلها بما فيها السفن «الإسرائيلية» إلا السعودية».
إذن، جزء من منطق الهجوم الحوثي بتوجيه إيراني على باب المندب هو إنتاج تفاهُم
أمريكي حوثي يحمي الملاحة العالمية ويستثني السعودية، هذا الأمر يخدم إيران بتفكيك
التحالف وضمان بقاء الرافعة البحرية بيد إيران، وفي نفس الوقت تحجيم أيّ دور سعودي
قيادي في المنطقة، ووضع تحالفاتها كتحالف مكة أمام اختبار صعب.
الفرضية الإماراتية
تقوم فرضية التدخل الإماراتي غير المباشر في سقوط المخا، على أن الإمارات بعد أن
أُجبرت على الانسحاب من جنوب اليمن وإخلاء مواقعها ووقف دعمها للجنوبيين
الانفصاليين، ربما استخدمت نفوذها على قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح
للضغط على المملكة، وإجبارها على إعادة الاعتراف بالدور الإماراتي في الساحل
والموانئ والجزر. ولا تعني تلك الفرضية بالضرورة أن الإمارات أرادت انتصار الحوثيين
نهائيًّا، بل أن تقدّمهم ربما استُخدِم أداة لإفشال الترتيبات السعودية الجديدة.
الموقف الإماراتي هنا قد لا يكون تواطؤًا إيجابيًّا، بل هو رفع لليد، وحياد سلبي
مقصود، يترك السعودية في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع نتائج انفرادها بالملف اليمني.
وهناك عدة عوامل تُرجّح هذه الفرضية:
أولًا:
كانت المخا مركزًا رئيسيًّا لقوات طارق صالح، وهي قوات أُنشئت بدعم إماراتي،
واحتفظت بهيكل قيادة وتمويل مستقل عن وزارة الدفاع اليمنية.
ثانيًا:
وقع الانسحاب بصورة مفاجئة، وتحدَّث مقاتلون وصحفيون عن أوامر عبر اللاسلكي
بالانسحاب، وعن فرار وحدات من المقاومة الوطنية، الأمر الذي دفَع قوات العمالقة
والتهامية للانسحاب. وإذا ثبت أن الانسحاب كان قرارًا صادرًا عن القيادة، فسيكون من
الصعب تفسيره بهزيمة ميدانية عادية فقط.
ثالثًا:
ظهرت تقارير عن تسجيلات أو أوامر منسوبة إلى طارق صالح، وعن خلافات حول حقيقة
الانسحاب: هل كان إعادة انتشار، أم انسحابًا مفروضًا، أم نتيجة اختراق للاتصالات؟
كما نُشرت روايات عن استدعاء طارق صالح إلى الرياض للتحقيق بعد سقوط الساحل، وهو ما
يُوحي بوجود حيرة حول مسؤوليته وعلى مستقبل قواته.
رابعًا:
تزامَن سقوط المخا مع تقارُب إيراني إماراتي مُعلَن؛ إذ قال الرئيس الإيراني
بزشكيان، عقب لقائه ولي عهد أبوظبي في 13 سبتمبر (بعد سقوط المخا بيومين): إن
الجانبين اتفقا على طَيّ صفحة الماضي، والتطلع إلى علاقات وثيقة ومستقبل مشترك.
مع ذلك، لا توجد حتى الآن وثيقة علنية تثبت أن الإمارات أمرت طارق صالح بالانسحاب،
أو نسَّقت مباشرةً مع الحوثيين، أو دفعتهم إلى السيطرة على المخا. كما أن سقوط
المدينة أضرّ بالمصالح الإماراتية البحرية نفسها، وقد يكون نتيجة فشل في التقدير
الإماراتي أو صراع إقليمي خرج عن السيطرة.
لذلك فالخلاصة الأدق هي أن القرائن تُرجِّح احتمال تدخُّل إماراتي غير مباشر أو
تعطيل متعمَّد للقوة الساحلية، لكنها لا تُثبت تعاونًا إماراتيًّا مباشرًا مع
الحوثيين.
الفرضية الأمريكية
تقوم الفرضية على أن الولايات المتحدة أرادت استخدام التهديد الحوثي للسعودية كي
تدفعها إلى قبول ترتيبات أمنية أمريكية جديدة، تتضمَّن المُضِي في تطبيع العلاقات
مع الكيان الصهيوني، بإعادة تنشيط ممر الهند، عن طريق ربط الخليج بالمتوسط عبر
الأردن والكيان وميناء حيفا.
كانت السعودية قد بدأت، بحسب تقارير صحفية عديدة عام 2026، دراسة بدائل للممر تمر
عبر سوريا وتركيا بدلًا من الكيان الصهيوني، بسبب حرب غزة؛ حيث اشترطت المملكة
اتخاذ خطوات عملية لإقامة دولة فلسطينية.
وتتضمَّن هذه الترتيبات التي تريدها أمريكا من السعودية أيضًا، الحدّ من اعتماد
السعودية على الصين وتركيا والمسارات البرية البديلة.
وكان سقوط المخا والجزر القريبة من باب المندب مفيدًا لهذا الضغط؛ لأنه جعل
السعودية أمام تهديد مباشر لموانئها وشحناتها المتّجهة إلى آسيا.
ومما يرجّح هذه الفرضية، امتناع أمريكا عن تقديم دعم عسكري مباشر للسعودية ضد
التقدم الحوثي، رغم إدانتها تهديد الملاحة. وذكرت تقارير أن إدارة ترامب، بعد
لقاءات مع ممثلي الحوثيين، واتصالات مباشرة أو غير مباشرة عبر عُمان، فضّلت
الاعتماد على ضماناتهم بشأن سلامة الملاحة بدل الدخول في حرب جديدة معهم.
حتى إن ترامب ذكر مباشرة لفوكس نيوز: «إن الولايات المتحدة في تواصل مستمر مع
الحوثيين، وقد وافقوا على عدم قتالنا».
وأجرت وكالة رويترز استقصاءً عن هذه الاتصالات وفحواها، وبحسب خمسة مصادر تحدثت
لرويترز، فإن مسؤولين أمريكيين اجتمعوا مباشرةً مع ممثلين عن الحوثيين في سلطنة
عمان، بحسب ثلاثة من المصادر داخل السفارة الأمريكية في مسقط، وساعدت الحكومة
العمانية في ترتيبه.
وبحسب مصدرين، أبلغ الحوثيون الأمريكيين أنهم لا ينوون مهاجمة السفن الأمريكية،
وأنهم ملتزمون باتفاق وقف إطلاق النار الذي توصلوا إليه مع واشنطن عام 2025،
وأبلغوا الجانب الأمريكي أنهم لن يهاجموا السفن التابعة للكيان أيضًا، ولا السفن
التجارية الأخرى، باستثناء السفن التابعة لدولة واحدة وهي السعودية.
ووفق إنتليجنس أون لاين، فإن رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل يهدف إلى
دَفْع المملكة إلى طلب مساعدة رسمية من الحكومة «الإسرائيلية».
ومما صبّ في تعزيز هذه الفرضية أيضًا، ما جرى في لقاء على بودكاست من اعترافٍ لافتٍ
للناشط الجمهوري الأمريكي الشهير تاكر كارلسون، بحسب ما ذكره، فإن ترامب أبلغه قبل
اندلاع الحرب مع إيران بنحو أسبوعين بأن الأهداف الحقيقية للحرب تتمثل في عدة أمور؛
منها: تقليص قوة ونفوذ دول الخليج العربي.
لذلك فإن إطلاق يد الحوثي يدفع لتحقيق هذا الهدف، وهو إضعاف السعودية التي بمثابة
الدولة الكبرى في الخليج، وإشغالها بقتال الحوثي.
ولا يلزم أن تكون أمريكا قد أمرت الحوثيين بالسيطرة على المخا. يكفي وفق الفرضية،
أن تكون قد امتنعت عن رَدْعهم في الوقت الحاسم.
إن ما يجري في اليمن خطير على حاضر ومستقبل أهل السُّنة في المنطقة، الأمر الذي
يُوجِب تكاتف الجميع ونَبْذ الأهواء والتنافس، وإعادة التموضع الإستراتيجي، لتمييز
كتلة سُنّية قوية تُعيد للأمة الإسلامية دَوْرها وريادتها العالمية كخير أُمّة
أُخرجت للناس.