1. هل يمثّل تحالف مكة مجرد إطار لحماية الملاحة، أم أنه يفتح أمام تركيا بابًا أوسع لإعادة رسم نفوذها من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي، ومنافسة القوى الإقليمية على أمن الممرات البحرية وموازين القوة في المنطقة كلها؟
لا يمكن فَهْم الاهتمام التركي المتزايد باليمن والبحر الأحمر بمعزل عن الموقع الذي
شغلته هذه الجغرافيا في الحسابات التركية عبر التاريخ؛ فقد ارتبط اليمن منذ القرن
السادس عشر بالمجال الإستراتيجي للدولة العثمانية في البحر الأحمر، في مرحلةٍ كانت
فيها السيطرة على الممرات البحرية المؤدية إلى المحيط الهندي جزءًا من الصراع على
التجارة العالمية ومواجهة التوسُّع البرتغالي في البحار الشرقية.
وتشير دراسة أكاديمية بعنوان
«العلاقات
بين اليمن والدولة العثمانية والجمهورية التركية»،
نشرها مركز أتاتورك للبحوث؛ إلى أن التدخل العثماني في اليمن خلال القرن السادس عشر
ارتبط بصورة مباشرة بأهمية اليمن الاقتصادية والإستراتيجية، وبظهور التهديد
البرتغالي في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وكانت أُولى مراحل السيطرة العثمانية
على اليمن بين عامي 1538 و1636م.
وعليه، فإن دوافع السياسة التركية الحديثة تجاه اليمن تشكَّلت من تداخُل الإرث
العثماني، وطموح أنقرة إلى لَعِب دور إقليمي، وعلاقاتها السياسية والأيديولوجية
التاريخية مع التجمُّع اليمني للإصلاح، إلى جانب حسابات العلاقة مع السعودية وإيران
والإمارات.
غير أن القيمة الإستراتيجية لليمن بالنسبة إلى تركيا لا تنحصر في التفاعلات
السياسية الداخلية اليمنية، بل تتجاوزها إلى الموقع الجغرافي الذي يحتلّه اليمن على
الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، والذي يُمثّل جزءًا حيويًّا من الممر الملاحي الذي
يربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي. وتنبع هذه الأهمية من طبيعة المصالح العسكرية
والتجارية التركية؛ إذ تشير بيانات وزارة التجارة التركية لعام 2025 إلى أن حجم
التجارة الخارجية بلغ قرابة 639 مليار دولار، وهو حجم يجعل استقرار طرق النقل
البحري الدولية عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد التركي.
وفي أغسطس/آب 2026؛ أي عقب توقيع تحالُف مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا
وباكستان، انتقل الاهتمام التركي في المنطقة إلى مستوى أكثر وضوحًا في الخطاب
الرسمي. فقد صرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن إغلاق البحر الأحمر سيكون
له تأثير مباشر على تركيا، وربط -بصورة صريحة- بين الاهتمام التركي بأمن المنطقة
وبين المصالح التجارية التركية. ويكشف هذا التصريح أن أنقرة لا تتعامل مع باب
المندب باعتباره ملفًّا يمنيًّا منفصلًا، وإنما باعتباره جزءًا من أمنها التجاري.
مفاتيح النفوذ التركي في اليمن
اكتسبت العلاقات اليمنية التركية بُعدًا إستراتيجيًّا مع صعود حزب العدالة والتنمية
للسلطة، وتزايد اهتمام أنقرة بالعُمق والحاضنة الإسلامية كمنطقة نفوذ يمكن أن
تُوفِّر لها أدوات الحفاظ على مصالحها الإستراتيجية.
وتُوضّح دراسة للباحثة التركية
«أوم
غولسوم بولات»،
المنشورة في
«مجلة
مركز أتاتورك للبحوث»
عام 2017، أن انتهاء الوجود العثماني لم يلغِ الأهمية الجيوسياسية لليمن، وإنما
أدَّى إلى تحوُّل طبيعة العلاقة بين البلدين من علاقة إمبراطورية مباشرة إلى علاقة
دبلوماسية وسياسية.
ويكشف انعقاد منتدى تركيا-اليمن الأول في إسطنبول عام 2010، بالتعاون بين وزارة
الخارجية التركية ومركز دراسات الشرق الأوسط الإستراتيجية
«أورسام»
وغرفة تجارة إسطنبول، أن أنقرة كانت تنظر إلى اليمن باعتباره مجالًا يمكن تطوير
العلاقات معه.
لكنّ العامل الأكثر حساسية في العلاقة التركية-اليمنية يتمثّل في التجمُّع اليمني
للإصلاح، وتُقدّم دراسة نشرها معهد كارنيجي بعنوان
«المنفيون
على مضيق البسفور»
دليلًا أكثر وضوحًا على ذلك؛ إذ تشير إلى أن حزب الإصلاح اليمني أجرى في إسطنبول
عملية انتخاب قيادة جديدة، انتهت إلى اختيار صلاح باتيس، وأن إسطنبول أصبحت في تلك
المرحلة مركزًا لنشاط عددٍ من القيادات القَبَلية والحزبية اليمنية. وبذلك لم تكن
تركيا مجرد دولة تقيم فيها شخصيات يمنية بصورة فردية، بل أصبحت بيئة سياسية
وإعلامية وتنظيمية مُهمّة لجزء من المعارضة اليمنية الموجودة خارج البلاد.
وزادت أهمية هذه المسألة وضوحًا بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر/ أيلول
2014؛ فقد انتقلت شخصيات يمنية عديدة إلى الخارج، وكان من أبرزها شخصيات مرتبطة
بالإصلاح والكتلة السياسية المناهضة للحوثيين. ويشير الباحث اليمني فارس المسلم في
دراسة عن الإسلاميين اليمنيين في تركيا إلى أن مجتمع الإصلاح في إسطنبول نمَا بعد
انتقال قياداته وأعضائه إلى تركيا، وأصبح للحزب تنظيم اجتماعي داخل المدن التركية
التي تتركز فيها الجالية اليمنية.
ولتشخيص الموقف التركي يمكن اعتباره أحد مسارات أنقرة لفتح قنوات اتصال بالملف
اليمني وعدم رغبتها في التفريط بالملف اليمني؛ لكونه ملفًّا حيويًّا لعمقها
الإستراتيجي البحري والعسكري، وليس لاعتبارات أيديولوجية مرتبطة بالتقارب بين
التجمع اليمني للإصلاح والحزب الحاكم.
أما في الجانب العسكري، فإن الصورة أكثر تعقيدًا؛ ففي 26 مارس/ آذار 2015 أعلنت
وزارة الخارجية التركية رسميًّا دعمها للعملية العسكرية التي قادتها السعودية ضد
الحوثيين، وذكرت أن السعودية أبلغت أنقرة مسبقًا بالعملية. وبرَّرت تركيا موقفها
آنذاك برفض سيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة، واعتبرت العملية محاولة لإعادة
السلطة الحكومية المُعتَرف بها دوليًّا. وكان الموقف التركي من الحوثيين واضحًا
أيضًا على المستوى السياسي. ويعكس ذلك أن السياسة التركية في بداية الحرب جمعت بين
حساب أمني يتعلق بإيران والحوثيين، وحساب سياسي يتعلّق بالإصلاح، وحساب إقليمي
يتعلّق بالعلاقة مع السعودية.
ومِن ثَمَّ فإن التشخيص الأكثر دقة للعلاقة التركية-اليمنية يقوم على أربعة مستويات
متراكبة.
المستوى الأول تاريخي وثقافي، تستثمر فيه أنقرة الإرث العثماني والروابط الاجتماعية
والثقافية.
والمستوى الثاني جيوسياسي، يتعلق بموقع اليمن في باب المندب والبحر الأحمر والقرن
الإفريقي.
والمستوى الثالث سياسي-أيديولوجي، يتمثل في التقارب مع التجمع اليمني للإصلاح.
أما المستوى الرابع فهو إنساني ودبلوماسي، وقد تحوّل إلى أداة مستمرة للوجود التركي
في اليمن؛ من خلال
«تيكا»
والهلال الأحمر ودعم المستشفيات والمدارس وتوزيع المساعدات.
القوس البحري التركي
لا يبدو انضمام تركيا إلى
«تحالف
مكة»
مجرد استجابة لحاجة السعودية إلى مظلة دفاعية في مواجهة الهجمات الحوثية، ولا مجرد
محاولة لتأمين الملاحة في البحر الأحمر؛ فالمصالح التي تتحرك من خلالها أنقرة تبدو
أوسع من ذلك بكثير، وتمتد إلى إعادة تشكيل المجال الإستراتيجي الذي يربط شرق
المتوسط بقناة السويس والبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وبحر العرب وصولًا إلى
المحيط الهندي. وهذا ليس استنتاجًا قائمًا على قراءة خارجية فحسب؛ إذ كتب الباحث
التركي
«تونتش
دميرتاش»
في مركز
«سيتا»
أن
«الموضوع
الحقيقي»
لاتفاق مكة، بدلًا من الدفاع عن حدود السعودية، هو
«أمن
ممرات الطاقة والتجارة الممتدة من شرق المتوسط عبر السويس والبحر الأحمر وباب
المندب وخليج عدن وبحر العرب إلى المحيط الهندي».
وتكتسب هذه القراءة أهميتها؛ لأنها تنقل النقاش من حدود السعودية واليمن إلى
جغرافيا الممرات البحرية، فباب المندب بالنسبة إلى تركيا -كما أسلفنا سابقًا- ليس
مضيقًا يخصّ الحرب اليمنية وحدها، وإنما البوابة الجنوبية لسلسلة بحرية تبدأ من
المحيط الهندي وتنتهي في المتوسط التركي عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وهنا تكمن
النقلة النوعية في الموقف التركي؛ فأنقرة لا تريد فقط ممرًّا آمنًا لسُفنها، وإنما
تريد أن تكون طرفًا في صياغة القواعد الأمنية التي تحكم هذا الممرّ.
وفي هذا السياق، يصبح
«تحالف
مكة»
بالنسبة إلى تركيا إطارًا يسمح لها بالانتقال من التأثير السياسي والإنساني في
اليمن إلى الحضور الأمني غير المباشر .والأهم أن الاتفاق بدأ بالفعل في التحوُّل من
إعلان سياسي إلى بنية مؤسسية؛ فقد أكَّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بعد
اجتماع لجنة التخطيط الإستراتيجي والدفاع في 31 أغسطس/آب أن الاتفاق يمثل ثمرة
لفكرة
«المِلْكية
الإقليمية»
للأمن.
ووفقًا لما نشره مركز دراسات الشرق الأوسط -وهو مركز أبحاث تركي-؛ فإن تفسير
الاتفاق وفقًا للمسار التركي بأنه لا يقتصر على التزام دفاعي رمزي، وإنما يشمل
آليات للتشاور السياسي والعسكري، وتوسيع المناورات المشتركة، والتعاون في الصناعات
الدفاعية والتكنولوجيا والإنتاج المشترك.
وهذا هو العامل الذي يجعل التحالف مُهمًّا في الملف اليمني تحديدًا، فهو يمنح تركيا
غطاءً متعدد الأطراف للتحرّك في البيئة الأمنية المحيطة باليمن من دون إعلان تدخُّل
مباشر في الحرب، وتصبح الملاحة الدولية، وحركة التجارة، والتعاون مع السعودية؛
عناوين يمكن أن تتحرّك من خلالها أنقرة، بينما تظل قادرة على إعلان دَعْمها لوحدة
اليمن وسيادته والحل السياسي.
ويقول مركز سيتا للدراسات في تحليلٍ نشره أن السعودية تُمثّل مركز منظومة التحالف،
بينما تمثل باكستان الطرف الشرقي المُطِلّ على بحر العرب والمحيط الهندي، وتُمثّل
تركيا الطرف الغربي عبر شرق المتوسط وحضورها في إفريقيا. ولذلك فإن الاتفاق، وفق
القراءة التركية، ليس نقطة منفردة، وإنما جزء من جغرافيا أمنية بحرية جديدة.
ومن هنا يظهر البُعْد الإيراني؛ فإيران تملك ورقة إستراتيجية في مضيق هرمز، بينما
يمتلك الحوثيون -بحكم موقعهم وعلاقاتهم مع طهران-، قدرة على تهديد الطرف الآخر من
منظومة الممرات البحرية عند باب المندب.
وهنا يمكن القول: إن هرمز وباب المندب أصبحا مترابطين ضمن منظومة واحدة؛ فباب
المندب يمثل
«حلقة
حاسمة»
بين قناة السويس والمحيط الهندي، بينما يُمثّل هرمز بوابة رئيسية لتدفقات الطاقة.
وهكذا تستطيع تركيا، من خلال وجودها في أمن باب المندب، أن تُوازن جزءًا من النفوذ
الإيراني البحري ضمن حربها الباردة مع طهران، من دون أن تُعلن مواجهةً مباشرة مع
الإيرانيين.
أما الوجه الآخر للمعادلة فهو الدولة العبرية، فتركيا لا تنظر إلى البحر الأحمر
بمعزل عن شرق المتوسط؛ حيث تطوّرت شبكة تعاون صهيونية-يونانية-قبرصية في الطاقة
والأمن والربط البحري. وقد أشار
«فيدان»
نفسه إلى هذا التعاون خلال حديثه عن اتفاق مكة، واضعًا إياه في سياق الترتيبات
الأمنية القائمة في شرق المتوسط. وهنا تتجاوز المنافسة مسألة التحالفات العسكرية
إلى صراع على الطاقة والموانئ والممرات التجارية والبنية التحتية البحرية.
وكذلك فإن تحالف مكة يمتدّ لتوفير إرث من الشرعية للأتراك في سياق الحرب الباردة مع
الإمارات التي استطاعت خلال العقد الماضي بناء شبكة متدرّجة من الحضور المينائي
والأمني على امتداد القرن الإفريقي والبحر الأحمر وخليج عدن، تتفاوت طبيعتها بين
التشغيل المباشر والاستثمار طويل الأجل والحضور العسكري أو النفوذ عبر الشركاء
المحليين، ولذلك يمكن اعتبار هذا التحالف ليس فقط مظلة من أجل حماية أمن أعضائه، بل
هو درع أمني وعسكري هدفه تطهير المسار البحري للتجارة الدولية من أيّ تدخُّل أو
نفوذ صهيوني إماراتي مشترك، لا سيما وأن تلك الموانئ استُخْدِمَت لتمويل عمليات
عسكرية لمليشيات الدعم السريع في السودان، وشكَّلت بؤرة للوجود الصهيوني في الصومال
وتحوَّلت لنطاقات نفوذ عسكرية وليس تجارية تتصادم مع الرؤية التركية في المنطقة.
الغياب المصري والردع التركي
عدم انضمام مصر لتحالف مكة حتى الآن ليس تفصيلًا هامشيًّا؛ فدخولها كان سيمنح
التحالف مفتاح السويس، ويصل بصورة مباشرة بين البحر الأحمر وشرق المتوسط، لكنّه في
المقابل قد يضع القاهرة داخل بنية دفاعية جديدة يصعب فصلها عن توازناتها القائمة،
وفي المقابل، يؤكّد الخطاب الرسمي للخارجية التركية أن مصر
«شريك
طبيعي»
لتركيا.
وهنا تظهر المفارقة الإستراتيجية: مصر هي الدولة التي يمكن أن تجعل تحالف مكة قوة
بحرية مكتملة، لكنّها أيضًا الدولة الأكثر ارتباطًا بمنظومات أمن وطاقة تجعل
الانضمام إليه قرارًا شديد التعقيد. فهي تتحكّم في قناة السويس وترتبط في شرق
المتوسط باتفاقيات حساسة مع الدولة العبرية واليونان وقبرص، فيما ترتبط اقتصاديًّا
وأمنيًّا بالإمارات والولايات المتحدة.
ومِن ثَمَّ، فإن غياب مصر يُبقي قناة السويس خارج البنية المؤسسية للتحالف، ويترك
لتركيا مساحة لبناء حضورها جنوب القناة والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، دون أن تصبح
بالضرورة جزءًا من الترتيبات المصرية-اليونانية-القبرصية-الصهيونية في المتوسط.
وعند جمع هذه المستويات، تظهر الخريطة الأوسع، إيران تمتلك أوراق هرمز وباب المندب
عبر حلفائها؛ الدولة العبرية واليونان وقبرص يبنون شبكة أمن وطاقة في شرق المتوسط؛
الإمارات تُوسِّع حضورها في الموانئ والممرات؛ مصر تُمسك بقناة السويس وتقف عند
نقطة التقاء البحرين؛ بينما تحاول تركيا وَصْل قوتها في المتوسط بحضورها في الصومال
والبحر الأحمر وشراكتها مع السعودية وباكستان.
ومن هنا فإن
«تحالف
مكة»
بالنسبة إلى أنقرة لا ينبغي اختزاله في تأمين السعودية أو حماية الملاحة، بل يمكن
قراءته باعتباره أداة لإعادة تموضع تركيا داخل النظام البحري الممتد من المحيط
الهندي إلى شرق المتوسط. فاليمن وباب المندب يُوفّران المدخل، والقرن الإفريقي
يمنحها نقطة ارتكاز، والسعودية تُوفّر العُمق الخليجي، وباكستان تفتح المجال نحو
المحيط الهندي، بينما تمنح تركيا نفسها الطرف المتوسطي لهذا القوس.
وبهذا المعنى، فإن الرهان التركي الأبعد ليس السيطرة على اليمن، وإنما منع احتكار
خصومها للممرات البحرية التي تربطها بجنوب آسيا، وبناء عُمْق إستراتيجي في مواجهة
النفوذ الإيراني جنوبًا، وشبكات الدولة العبرية واليونان وقبرص والإمارات غربًا، مع
الحفاظ على مساحة حركة في اتجاه قناة السويس وشرق المتوسط.
وإذا نجحت أنقرة في تحويل اتفاق مكة من إطار سياسي إلى بنية دفاعية عملية؛ فإنها
ستكون قد انتقلت من موقع الدولة التي تتأثر بأمن الممرات إلى موقع الدولة التي
تشارك في صياغته. وهنا يصبح باب المندب، بالنسبة إلى تركيا، ليس مجرد مضيق يقع على
هامش الصراع اليمني، وإنما إحدى العُقَد التي يمكن من خلالها إعادة رسم مجال النفوذ
التركي من البحر الأحمر إلى المتوسط.
ولذلك يُفسّر الموقف المصري بأنه أقرب إلى سياسة تحوُّط إستراتيجي منه إلى رفض
لمبدأ التعاون الإقليمي؛ فالقاهرة تُدرك أن انضمامها سيمنح التحالف ثِقَله الجغرافي
الكامل، لكنّها تدرك أيضًا أن التحالف يتَّجه من إطار سياسي إلى بنية دفاعية مؤسسية
تتضمَّن آليات للردع والدفاع الجماعي وتعاونًا عسكريًّا وصناعيًّا متقدمًا. ولذلك
قد ترى مصر أن الانضمام للتحالف يضعها أمام التزامات عسكرية وسياسية تتجاوز هامش
الحركة الذي تُتيحه لها صِيَغ التعاون المَرِنَة.
وبذلك تُواجه القاهرة معادلة دقيقة؛ عنصرها الأهم الانضمام إلى تحالف مكة الذي قد
يُعزّز أمنها في البحر الأحمر كونها من أبرز المتضررين من سيطرة الحوثي على مضيق
باب المندب، لكنّه قد يربطها إستراتيجيًّا بمحور دفاعي جديد؛ يُبْعِدها عن الوقوف
في المنطقة الرمادية، والابتعاد عنه يترك قناة السويس خارج البنية المؤسسية الناشئة
لأمن البحر الأحمر، وربما يسفر عن قطيعة في العلاقات مع المملكة العربية السعودية.
لذلك تبدو مصر حريصة على إبقاء الباب مفتوحًا، مع الاحتفاظ بمسافة تسمح لها
بالموازنة بين تركيا والسعودية وباكستان من جهة، وشبكات شرق المتوسط والولايات
المتحدة والدولة العبرية من جهة أخرى.
وبناءً على مجمل ما سبق، يمكن استنتاج أن انضمام تركيا إلى تحالف مكة، وما قد
يُتيحه من حضور أوسع في اليمن، يحمل مجموعة من المكاسب الإستراتيجية المتداخلة؛
أولها: توفير غطاء إقليمي ومؤسسي للحضور التركي في البحر الأحمر، وثانيها: الاقتراب
من باب المندب، والمشاركة بصورة أكبر في ترتيبات أمن أحد أهم الممرات البحرية
الدولية، وتوسيع أسواق الصناعات الدفاعية والتعاون التكنولوجي مع السعودية
وباكستان، فضلًا عن منح تركيا عمقًا إقليميًّا وشبكة شركاء أوسع.
ومن منظور جيوسياسي، قد يُوفّر هذا الانتشار لأنقرة قدرة أكبر على موازنة شبكات
النفوذ الإيرانية والإماراتية والصهيونية في المنطقة.
وعليه، فإن المكسب الأبعد الذي تستخلصه الدراسة يتمثل في إمكانية انتقال تركيا
تدريجيًّا من موقع الدولة المتأثرة بأمن القوس البحري الممتد من المتوسط إلى المحيط
الهندي إلى موقع المشارك في تشكيل ترتيباته الأمنية والسياسية والاقتصادية.