• - الموافق2026/06/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الجغرافيا البحرية في الشرق الأوسط.. وتأثيرها في تشكيل النظام الدولي

هل تغيّرت وسائل الهيمنة عبر الزمن، أم تبدّلت أسماؤها فقط؟ وكيف يكشف التاريخ أن السيطرة على العقول والثقافة قد تكون أخطر من السيطرة على الأرض، وأن الوعي هو خط الدفاع الأول؟


في قلب النظام الدولي المعاصر لم تَعُد الجغرافيا البحرية مجرد خلفية صامتة لحركة التجارة، بل أصبحت البِنْية التحتية لعسكرة الاقتصاد الدولي؛ حيث في أوقات الصرعات تتحوَّل الممرات البحرية من مضائق وقنوات إلى «عُقد اختناق إستراتيجية» تتحكّم في تدفُّق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وتُعيد تشكيل توازنات السياسة الدولية بصورة مستمرة.

وتشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، إلى أن نحو ٨٠٪ من حجم التجارة العالمية يتم عبر النقل البحري، فيما تَمُرّ نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية عبر عدد محدود من المضائق الحساسة التي تقع ضمن حدود العالم الإسلامي، مثل هرمز وباب المندب وملقا والسويس وجبل طارق والبسفور والدردنيل، وهو ما يجعل أيّ اضطراب في هذه النقاط كفيلًا بإحداث ارتدادات فورية في أسعار النفط والتأمين والشحن وسلاسل التوريد العالمية، بما ينعكس مباشرةً على معدلات التضخُّم واستقرار الأسواق المالية في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.

هذا الوضع لم يتشكَّل فجأة، بل هو امتداد تاريخي طويل بدأ منذ القرن التاسع عشر حين أدركت الإمبراطورية البريطانية أن السيطرة على البحار تعني السيطرة على العالم، وأن نقاط الاختناق البحرية هي المفاتيح الحقيقية للهيمنة الإمبراطورية. فقد شكَّلت قناة السويس بعد افتتاحها عام ١٨٦٩م التحوُّل الجوهري في الجغرافيا السياسية العالمية؛ إذ اختصرت المسافة بين أوروبا وآسيا وأصبحت شريانًا مركزيًّا يربط الهند بمراكز القرار في لندن، ما دفَع بريطانيا إلى فرض سيطرة مباشرة على القناة عام ١٨٨٢م، وإلى بناء شبكة ممتدة من النفوذ البحري شملت جبل طارق وعدن وسنغافورة، ونتيجة لذلك أُطلق عليها لقب «الإمبراطورية التي لا تَغيب عنها الشمس».

وقد عبّر المفكر البحري الأمريكي ألفريد ثاير ماهان عن هذه الرؤية مبكرًا حين أكَّد أن السيطرة على البحر تعني السيطرة على التجارة، وأن السيطرة على التجارة تعني السيطرة على الثروة العالمية، وهو ما جعل الممرات البحرية جزءًا من «عقيدة القوة الإمبراطورية» التي حكمت القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

غير أنّ هذا النموذج الإمبراطوري بدأ بالتآكل تدريجيًّا بعد أزمة تأميم قناة السويس عام ١٩٥٦م، حين أعلن جمال عبد الناصر نقل ملكية القناة إلى السيادة المصرية، ما أدَّى إلى العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا والدولة العبرية بهدف استعادة السيطرة على الشريان الإستراتيجي، لكنّ الجيش المصري أقدم على تعطيل القناة؛ من خلال إغراق السفن القديمة في القناة، الأمر الذي أوقف حركة الملاحة، وأجبر الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على التدخل لإنهاء الازمة، وتُرجِم لاحقًا -بحسب عدد من المؤرخين مثل نيل فيرغسون-، إلى لحظة فاصلة في التاريخ الإمبراطوري البريطاني؛ حيث بدأت بريطانيا تفقد قدرتها على فرض الإرادة الإمبريالية على الممرات العالمية، وتحوَّلت من قوة إمبراطورية مباشرة إلى قوة ذات نفوذ قومي يعتمد على الشراكة والتحالفات، مع استمرار احتفاظها بنقاط إستراتيجية مثل مضيق جبل طارق الذي ظل يمثّل رمزًا لاستمرارية الوجود البحري البريطاني في غرب المتوسط، ويُعدّ بوابة البحر المتوسط نحو المحيط الأطلسي الذي تَعْبر من خلاله عشرات الآلاف من السفن التجارية بين جنوب أوروبا وشمال إفريقيا.

ومع صعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية، أُعِيد إنتاج نظام السيطرة على الممرات البحرية، ولكن بصيغة مختلفة تقوم على مفهوم «حرية الملاحة»، الذي ارتبط عمليًّا بانتشار عسكري أمريكي بلغ وفق إحصائيات من الكونغرس ما بين 500 إلى 750 قاعدة تنتشر في 80 دولة حول العالم؛ لضمان التحكم في تدفقات التجارة العالمية دون الحاجة إلى احتلال مباشر للمضائق.

كما أنشأت الولايات المتحدة شبكة قواعد بحرية تمتدّ من الخليج العربي إلى المحيط الهندي وشرق إفريقيا وشرق آسيا؛ بحيث أصبحت قادرة على التأثير في أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم مثل مضيق هرمز وباب المندب وملقا وقناة السويس عبر الأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في البحرين، والذي يُشكّل مركز العمليات البحرية الأمريكية في الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

في هذا الإطار تتداخل مسارات التمدُّد البحري الصهيوني مع التحوُّلات الأعمق في بنية الأمن البحري في القرن الإفريقي والبحر الأحمر؛ حيث لم يَعُد حضور الدولة العبرية يُقْرَأ فقط ضمن نطاق شرق المتوسط أو التعاون الثنائي مع الولايات المتحدة، بل ضمن منظومة أوسع من «إعادة التموضع العسكري» في نقاط الاختناق البحرية المرتبطة مباشرةً بأمن التجارة العالمية والطاقة.

وقد شكّل التحول الدبلوماسي الأخير في ٢٠٢٥- ٢٠٢٦م، المتمثل في اعتراف الدولة العبرية بإقليم صوماليلاند دولةً مستقلة -بخلاف الإجماع الأممي- نقطة انعطاف مُهمّة في هذا السياق؛ إذ رافق هذا الاعتراف فتح قنوات تعاون أمني واستخباراتي غير مُعلَنة بالكامل، تُركّز على الموانئ المُطِلّة على خليج عدن، ومراقبة حركة الملاحة قرب مضيق باب المندب، وهو أحد أهم الممرات التي تَمُرّ عَبْرها ما بين ١٠٪ إلى ١٢٪ من التجارة العالمية البحرية وفق تقديرات مراكز بَحْث متخصصة في الملاحة الدولية.

وتشير تقارير منشورة في صحف ومراكز بحثية صهيونية؛ منها صحيفة جيروزاليم بوست، إلى أن هذا التقارب مع صوماليلاند ارتبط ببحث الدولة العبرية عن «موطئ قدم لوجستي أو استخباراتي محتمل» على الساحل المجاور لليمن، بما يُتيح مراقبة أنشطة الحوثيين، وتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، وهو ما فُهِمَ في الأدبيات الإستراتيجية على أنه جزء من سياسة «التموضع البحري المتقدم»، وليس إنشاء قواعد مُعلَنة تقليدية؛ حيث يتم التركيز على البنية الاستخباراتية، وأنظمة الرصد البحري، والشراكات الأمنية غير المباشرة بدلًا من الانتشار العسكري الكثيف.

ونظرًا للأهمية العسكرية للممرات البحرية؛ فإننا يمكن هنا التطرُّق أيضًا إلى تقاطع المصالح الغربية المترابطة؛ فقد بدأت في العقود الأخيرة حالة من التعاون والمناولة -إن صحّ التعبير- بين الدولة العبرية والولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويظهر ذلك من خلال التكامل العملياتي غير المباشر بين الولايات المتحدة والدولة العبرية؛ إذ أصبحت القيادة المركزية الأمريكية الإطار العملياتي الذي يجمع الطرفين منذ نقل تبعية الجيش الصهيوني عام ٢٠٢١م من أوروبا إلى الأسطول الأمريكي الخامس، ما أتاح إدراجه في نفس البيئة التشغيلية التي يُديرها الأسطول الخامس الأمريكي في الخليج والبحر الأحمر. هذا لا يعني تبعية تنظيمية، بل اندماج وظيفي في مجال الوعي البحري المشترك، وتبادل المعلومات الاستخباراتية البحرية، والتنسيق في حماية خطوط الملاحة، خصوصًا في هرمز وباب المندب، ومكَّنت تلك الخطوة البحرية الصهيونية من الإبحار من إيلات باتجاه باب المندب وحتى بحر العرب تحت مظلة الأسطول الأمريكي الخامس.

كما تتقاطع هذه المعادلة مع بُعْد آخر يتعلّق بالقرن الإفريقي وإريتريا، التي سبق أن ارتبط اسمها في الأدبيات الأمنية بوجود صهيوني غير مُعلَن أو محدود في إطار مراقبة حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يَعْكس نمطًا متكررًا من «الانتشار عبر النقاط الهشَّة سياديًّا»، بدل إنشاء قواعد تقليدية واسعة النطاق، وهو نمط ينسجم مع إستراتيجية القوى الكبرى في إدارة الممرات البحرية الحساسة. ويتقاطع ذلك مع شبكة وجود عسكري في عدة دول إفريقية، ومنها جيبوتي؛ حيث تتمركز فيها قواعد أمريكية وفرنسية وصينية ويابانية، إضافةً إلى منشآت لوجستية متعدّدة، وتشير تقديرات إلى أن عدد القواعد والمواقع العسكرية الأجنبية في محيط باب المندب يتجاوز بشكل تقريبي ما بين ٣٠ إلى ٤٠ منشأة رئيسية بين قواعد بحرية وجوية ومراكز دعم لوجستي وموانئ استخدام مشترك، ما يجعلها واحدة من أكثر النقاط عسكرةً في العالم بالنسبة لمساحتها الجغرافية. هذا التمركز الكثيف لا يعكس فقط أهمية الممر، بل يعكس تحوُّل البحر الأحمر إلى فضاء «إدارة أمن جماعي غير متكافئ»، تتصدّره واشنطن، بينما تتحرك بقية الأطراف ضمن شبكات تنسيق أو مصالح جزئية.

ويكتسب هذا المشهد بُعدًا أكثر تعقيدًا عند ربطه بالتوترات في شرق المتوسط؛ حيث يتداخل الدور الصهيوني مع التحالفات البحرية الإقليمية في سياق تنافسي متصاعد مع تركيا، التي تُشرف بدورها على مضيقَي البوسفور والدردنيل بعد أن استعادت السيادة عليهما بموجب اتفاقية مونترو عام 1936م، والتي منحت تركيا صلاحيات بالتحكم في حركة السفن الحربية في المضائق، وأكسبها هذا الأمر تأثيرًا كبيرًا خلال الحرب الأوكرانية الروسية، وجعلها الوسيط الأكثر تأثيرًا في الحرب.

وقد أعادت هذه الحرب إبراز الدور الجيوسياسي للممرات التركية ضمن منظومة الطاقة الأوروبية، في ظل التحولات الحادة في تدفقات النفط والغاز وإعادة رسم خرائط الإمداد. وهذا الأمر جعل الدولة العبرية تنشط في عقد تحالفات؛ منها «منتدى غاز شرق المتوسط» الذي جمع تحت مظلته الإمارات ومصر واليونان وقبرص، بالإضافة إلى الدولة العبرية لحشد أكبر قوة ممكنة لمنع تركيا من تطوير عقيدة «الوطن الأزرق» التي تحوَّلت مؤخرًا إلى مشروع قيد الدراسة يتعلق بفرض السيادة على جزر البحر المتوسط.

وتشير تحليلات صادرة عن «أتلانتك كانسل» إلى أن شرق المتوسط بات يمثل «مسرحًا متعدد الطبقات للصراع البحري»؛ حيث تتداخل فيه اعتبارات الطاقة مع الأمن والردع البحري والاصطفافات الدولية، بما يُحوِّل الجغرافيا البحرية من مجرد فضاء اقتصادي إلى ساحة إعادة تشكيل مستمرة لتوازنات القوى الإقليمية والدولية.

أما في مضيق هرمز، فإن الوجود العسكري الأمريكي يُشكّل العامل الأكثر تأثيرًا في ضبط التوازنات البحرية؛ حيث تعمل القوات البحرية الأمريكية ضمن الأسطول الخامس على ضمان السيطرة الأمنية على حركة التجارة العالمية في المضيق باعتباره الورقة الأكثر أهمية في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. لذلك يمكن أن تُرسّخ مكانته مستقبلًا بصفته أحد أكثر «نقاط الاختناق البحرية» حساسية واستدامة في النظام الدولي، لا باعتباره ممرًّا جغرافيًّا فحسب، بل بوصفه بنية حاكمة داخل منظومة الطاقة والتجارة العالمية. فمع استمرار اعتماد الأسواق العالمية، ولا سيما الآسيوية، على تدفقات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي، يظل المضيق جزءًا لا يمكن الاستغناء عنه في معادلة الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يجعل أيّ تحوُّل جذري في وَضْعه الأمني أو الوظيفي خيارًا عالي التكلفة وغير مُرجّح في المدى المنظور.

على الجانب الآخر من العالم الإسلامي؛ تسيطر إندونيسيا وسنغافورة على مضيق ملقا ذي الأهمية الاستثنائية في الصرع الصيني الأمريكي؛ حيث تعتمد الصين بشكلٍ كبير على هذا الممر لنقل وارداتها من الطاقة من الشرق الأوسط وإفريقيا، ما يجعل أَمْنه جزءًا من أمنها القومي.

وقد أدَّى ذلك إلى تصاعد التنافس البحري بين بكين وواشنطن في المحيطين الهندي والهادئ؛ حيث تعمل الولايات المتحدة على تعزيز وجودها البحري في المنطقة ضمن إستراتيجية «احتواء بحري»؛ تهدف إلى ضمان تحوُّل ملقا إلى نقطة ضغط إستراتيجية على الاقتصاد الصيني. لذلك توجد العديد من التصريحات الصادرة عن وزير الدفاع الأمريكي السابق «لويد إستون» ووزير الخارجية السابق «أنتوني بليكن» أشارت إلى أن مضيق ملقا جزء من «البنية الحيوية للنظام التجاري العالمي»، وليس مجرد ممر إقليمي، ولذلك يتم إدراجه ضمن عقيدة حرية الملاحة الأمريكية التي تهدف إلى منع أيّ قوة إقليمية، وخاصةً الصين، من تحويله إلى أداة ضغط اقتصادي أو جيوسياسي.

إن المعطيات الراهنة التي تُظهر أن الممرات البحرية في العالم الإسلامي من أهم مصادر القوة العسكرية، وأهم ساحات تشكيل النظام الدولي منذ عقود؛ تكشف أيضًا عن حالة من الضعف والوهن التي أصابت العالم الإسلامي وحرَمته مِن أهمّ مراكز نفوذه وسيطرته، لذلك ينبغي أن يكون التنافس المحموم في البحر المتوسط أو في القرن الإفريقي أو في بحر العرب من مسبّبات ومُعزّزات استنهاض هيمنة إسلامية وعربية جامعة لسدّ هذه الثغرة تحت مظلة كيانات إسلامية وعربية جامعة تُجنِّب الشعوب تلك الهيمنة الغربية التي تحكم مصائر الشعوب المسلمة ومصادر رزقها وأسباب قوتها من خلال السيطرة على هذه المضائق والممرات.

 

 

أعلى