• - الموافق2026/06/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
بِنْيَة إقليمية جديدة للشرق الأوسط: الفرص والمخاطر

هل تقود التحركات الإقليمية الحالية إلى ولادة محور جديد يعيد رسم موازين الشرق الأوسط، أم أن تضارب المصالح والضغوط الدولية والخلافات الداخلية سيجعل المشروع حبيس التصريحات السياسية؟


أثارت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان موجةً جديدةً من الحيرة والتساؤلات؛ عندما قال بأن «بنية أمنية إقليمية من باكستان إلى الخليج، تضم تركيا والسعودية ومصر ودول الخليج، وقد تنضم إليها إيران والكيان الصهيوني لاحقًا؛ بشرط اعتراف تل أبيب بدولة فلسطينية على حدود 1967».

تأتي الحيرة والعجب ليس فقط في ضمّ إيران لاحقًا إلى هذه البِنْية، ولكن في أن الاحتلال الصهيوني قد يجد مكانًا داخل هذا التحالف إذا اعترف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، على حدّ تعبير وزير الخارجية التركي، الذي اعتبر أن أمن الكيان الغاصب سيَحْظَى حينها بدعم دول المنطقة.

وقال فيدان: «إن عودة العلاقات مع تل أبيب أو انضمام تركيا إلى اتفاقات «إبراهيم» يظل مرهونًا بوقف قتل الفلسطينيين، ورفع القيود المفروضة على وصول سكان غزة إلى الغذاء والمأوى والدواء والمياه»، مؤكدًا أن «أنقرة لا تمانع العودة إلى العلاقات الطبيعية إذا تحققت هذه الشروط، لكنها تتمسك بحل الدولتين أساسا لأيّ تسوية».

فماذا يقصد فيدان بتلك التصريحات؟

هل يريد بها أن دول المنطقة سوف تتعايش مع الدولة الصهيونية مع وجود دولة فلسطينية؟ أم أن تصريحاته تلك للمناورة؛ لأنه يدرك جيدًا أن المشروعين: الإيراني والصهيوني حتمًا سيتصادمان مع مشروع الأُمَّة الإسلامية، والذي يحمل رايته أهل السُّنة، خاصةً أن رجال السياسة في الكيان الصهيوني لا يَملّون الحديث عن حُلمهم في شرق أوسط جديد، كما أن الإيرانيين بمجرد استعادة قوتهم بعد التصادم مع أمريكا والصهاينة لن يتخلوا عن حُلم الإمبراطورية الفارسية الشيعية؟

فأيهما يَقصد فيدان؟

الواقعية الجديدة

يُعدّ اقتراب الواقعية الكلاسيكية الجديدة، والذي يجري استخدامه الآن في العلوم السياسية، والذي صاغه جديون روز؛ هو التطور الأحدث لمنهج الواقعية الذي يجري استخدامه في التحليل السياسي، وهو مستخدم بكثرة لتفسير مثل هذه الحالات المعقَّدة؛ لأنه يستطيع تفسير كيف يمكن للمناورة اللفظية أن تكون أداة لبناء محور جيوسياسي صلب على أساس الهوية.

وذلك من خلال مستويين:

المستوى الأول هو البنيوي الخارجي: والذي يرى المنطقة كساحة صراع وتنافس بين مشاريع تبحث عن السيادة مثل المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني، وهنا تظهر حاجة الدول العربية والإسلامية القوية لتوازن القوى عبر الكتلة الجغرافية والديموغرافية (المحور السُّنّي).

أما المستوى الثاني وهو الداخلي: والذي يرى أن صانع القرار ليس مجرد آلة تُطبِّق توازن القوى، بل يَستخدم التصريحات الدبلوماسية والمناورات اللفظية كفلاتر وأدوات تكتيكية لتمرير الإستراتيجية الكبرى، دون إثارة صدام مُبكّر مع القوى الدولية أو الإقليمية.

فأكبر ميزة لاستخدام هذا الاقتراب أنه لا يرى الدول كمجرد أحجار شطرنج تُحرّكها القوى الخارجية تلقائيًّا، بل يرى أن الضغوط الدولية تَمُرّ عبر مصفاة، أو حزام ناقل يتكون من إدراك صانع القرار، والحسابات الداخلية للدولة، والقدرة على استغلال أدوات الدبلوماسية والمناورة.

والآن سنحاول اختبار ذلك الاقتراب وتطبيقه على البنية المقترَحة للشرق الأوسط من جانب وزير الخارجية التركي:

أولًا: البيئة الجيوسياسية للأزمة

وهذا هو المستوى الخارجي في الاقتراب المستخدَم.

حيث يفترض هذا المستوى أن البيئة الدولية والإقليمية تفرض ضغوطًا وتهديدات لا يمكن لأيّ دولة تجاهلها.

وإذا نظرنا إلى خارطة الشرق الأوسط، نجد أن توزيع القوى يضع الكتلة السُّنية (تركيا، السعودية، مصر، الخليج، ومعه العمق الباكستاني) أمام مشروعين هجوميين يتنازعان السيادة، ويُشكّلان ضغطًا راسخًا هائلًا، هذا الضغط يتمثل في عدة أمور:

1-ضغط المشروع الصهيوني التوسعي؛ فلم تَعُد عواصم المنطقة تنظر إلى كيان الدولة الصهيونية بوصفها دولة تبحث عن الأمن فقط، بل باتت تُدرك بشكل عميق أنها مصدر لعدم الاستقرار الإقليمي الشامل. ومع استمرار المأساة والدمار في قطاع غزة والضفة الغربية، والعمليات العسكرية الممتدة، أصبحت هناك قناعة راسخة لدى دول المنطقة، وفي مقدمتها تركيا والسعودية وباكستان، بأن الطموح الصهيوني يتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، ويُهدّد الأمن القومي المباشر لهذه الدول.

2-ضغط الصراع الأمريكي-الإيراني وأزمة المضائق؛ فالمنطقة تعيش تحت وطأة التصعيد المستمر والضربات المتبادَلة، لا سيما بعد أزمة إغلاق مضيق هرمز التي رفعت أسعار الطاقة عالميًّا. هذا التوتر يَفْرض ضغطًا متصاعدًا على اقتصاد تركيا وباكستان، ويُهدّد خطط التنمية الخليجية (مثل رؤية السعودية 2030).

3-ضغوط النظام الدولي (إدارة ترمب والأمر الواقع)؛ فالولايات المتحدة تضغط بقوة على دول المنطقة. وتكشف التقارير الصحفية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أجرى اتصالات هاتفية مكثّفة مع قادة المنطقة للضغط على تركيا ودول أخرى للانضمام إلى اتفاقات «إبراهيم»، وللتطبيع المجاني مع الدولة الصهيونية لدمجها في منظومة أمنية برعاية واشنطن، دون حلّ القضية الفلسطينية.

فالنظام الإقليمي في حالة فوضى عارمة، والكتلة الإقليمية الرئيسية (النواة السنية) تجد نفسها مُجبَرة على التحرُّك لحماية ذاتها من الضغوط الأمريكية، والتغوُّل الصهيوني، وشبح الحرب الإيرانية المدمرة.

ثانيًا: مصفاة صانع القرار والمناورة

وهذا هو المستوى الثاني في هذا الاقتراب.

هنا يظهر جوهر الواقعية الكلاسيكية الجديدة؛ فكيف ترجَم هاكان فيدان (كصانع قرار ومُخطّط إستراتيجي) هذه الضغوط الخارجية؟ وكيف استنفر بقية الدول السُّنيَّة لمجابهة هذه الضغوط؟

من الواضح أن تركيا لم تستسلم للضغط الأمريكي للتطبيع، ولم تنخرط في مواجهة عسكرية مباشرة.

بدلًا من ذلك، قامت بما يمكن اعتباره قَوْلَبة الرّدّ التركي عبر خطاب إستراتيجي يُحقّق التوازن والمناورة من خلال ثلاثة أبعاد:

1-هندسة النواة الصلبة (المحور الثالث غير المعلن)؛ عندما يطرح فيدان منصة أمنية تمتد جغرافيًّا وديموغرافيًّا من باكستان إلى الخليج، وتضم تركيا والسعودية ومصر، فهو يُعِيد إحياء فكرة الكتلة الحرجة التي تمتلك الجغرافيا، والكثافة البشرية، والقدرة العسكرية (باكستان النووية، تركيا والتصنيع العسكري المتطور، السعودية والثقل المالي والديني، مصر والجيش التقليدي الأكبر).

وهنا الحساب الداخلي التكتيكي يتمثّل في إدخال باكستان في التصوُّر الأمني للشرق الأوسط؛ الأمر الذي يمنح المحور عمقًا إستراتيجيًّا هائلًا، مع حرص صانع القرار على فَصْل هذا التعاون عن الصراعات الآسيوية (مثل الصراع الباكستاني الهندي)؛ لضمان عدم إزعاج الشركاء الخليجيين الذين لديهم علاقات اقتصادية ضخمة مع نيودلهي.

2-استخدام الشرط التعجيزي درعًا دبلوماسيًّا ضد أمريكا والكيان؛ ويتبلور هذا الأمر، حين قال فيدان: «يمكن للكيان الانضمام لاحقًا بشرط اعترافه بدولة فلسطينية على حدود 1967»؛ فإنه يطبق مناورة سياسية بارعة؛ فهو يعلم يقينًا أن البنية السياسية الداخلية للدولة الصهيونية في الوقت الحالي مستحيل أن تقبل بحدود 1967 أو التخلي عن الأراضي. وبالتالي، فإن الرمي بهذا الشرط هو إحراج سياسي وإقصاء دبلوماسي مشهود.

ولذلك كأن تركيا تقول لأمريكا ولإدارة ترمب: نحن لسنا راديكاليين، ونحن منفتحون على نظام أمني يشمل الجميع، والكرة الآن في ملعب الدولة الصهيونية.

هذا يحمي تركيا والسعودية ومصر من الضغوط الدولية، ويُظْهِر الكيان كطرف رافض للسلام والاندماج الإقليمي، وفي نفس الوقت يمنح النواة السُّنية المُبرّر الشرعي لبناء نسقها الأمني الخاص بمعزل عن الكيان الصهيوني.

3-احتواء إيران تكتيكيًّا بدلًا من الصدام معها، وتشمل المناورة التركية كذلك طرح إمكانية انضمام إيران للمنصة عندما تعود الأمور إلى طبيعتها. وهذا الأمر يعكس رؤية مشتركة بين تركيا والسعودية. فصُنّاع القرار في البلدين هنا يدركون أن تكلفة الصدام مع إيران مُدمّرة، وأن الاحتواء الدبلوماسي أفضل.

وتتطابق هذه الرؤية مع الوساطة الحالية التي تقودها باكستان وقطر بدعم تركي وسعودي لتخفيف حدة الصراع بين أمريكا وإيران؛ حيث تشير التقديرات الدبلوماسية إلى أن التوصل لاتفاق لإنهاء الاشتباك الأمريكي الإيراني، وإعادة فتح مضيق هرمز مسألة وقت في خضم المناورات بين البلدين.

فمسألة ضم إيران للمحور، هي في حقيقتها تأتي في وقتٍ صارت فيه إيران في أضعف أوقاتها، وفي نفس الوقت لاحتواء تمدُّدها واستكمال لقطع أذرعها في المنطقة العربية.

التنسيق بين دول المحور

ولعل السؤال الأهم في هذا السياق هو: كيف تدير دول هذا المحور معًا (تركيا، السعودية، باكستان) هذا الواقع؟

تُظهر أدوات الاقتراب الذي نستخدمه، أن هذه الدول تنسِّق خطواتها بشكلٍ غير صاخب، وتتجنَّب -بقدر الإمكان- الإعلان والدعاية، بناءً على المصالح المشتركة:

فالسعودية، تتمسك بذات المقاربة التركية (لا تطبيع ولا دمج للكيان دون دولة فلسطينية مستقلة)، وهي تُعيد إحياء مبادرة السلام العربية لعام 2002، ولكن بلغة القوة والتكتل الإقليمي هذه المرة.

أما تركيا، فتقدم في هذه المحور أوراق اعتمادها كقوة صناعية ودفاعية قادرة على تزويد دول الخليج ومصر بالتكنولوجيا العسكرية، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة والأنظمة الدفاعية المتطورة لتقليل الاعتماد الحصري على الغرب.

وفي النهاية باكستان، والتي تبحث عن استقرار اقتصادي عبر استثمارات خليجية، وفي المقابل تُقدِّم الثقل الردعي والأمني الذي يحتاجه المحور في مواجهة أيّ تهديدات عابرة للحدود.

بناءً على هذا التطبيق النظري والذي لم يُختَبر بعدُ واقعيًّا، نجد أن تصريحات الوزير التركي ليست مجرد «يوتوبيا» أو رغبة صادقة في العيش المشترك مع الكيان الصهيوني، بل هي غطاء دبلوماسي عالي الذكاء، يُصاغ بلغة مقبولة دوليًّا، ليُمهّد الطريق لبناء القوة الذاتية للمحور السُّني في مواجهة المشاريع الأخرى.

خاصة أن المحور السُّني يتميز بإمكانيات كبيرة وشاملة عند مقارنته بالمحورين الآخرين:

فالمحور الإيراني: يملك ترابطًا أيديولوجيًّا و«ميليشياويًّا»، لكن قدراته الاقتصادية محدودة. 

والمحور الصهيوني: يملك تفوقًا تكنولوجيًّا ودعمًا أمريكيًّا، لكن عُمقه الديموغرافي والجغرافي ضيّق.

وهنا تأتي فرصة المحور السُّني المقتَرح، والذي يمتلك توازنًا بين المال والسلاح والديموغرافيا والجغرافيا.

ولكن ما هي التحديات التي تُواجه دول المحور السُّني لاستكمال مشروعهم؟

تحديات المشروع السني

إذا نظرنا إلى هذا المحور السُّني المقترح سنكتشف بسرعة أن بناء هذا التكتل الجيوسياسي ليس نزهة سياسية. فالواقعية الجديدة التي نستخدمها في فَهْم وتقييم دور المحور وخططه، تُحذّرنا دائمًا من أن الإستراتيجيات الكبرى للدول غالبًا ما تتعثر أو تتباطأ بسبب نوعين من العوائق؛ ضغوط خارجية تجعل التنسيق معقدًا، وكوابح داخلية (اقتصادية وسياسية وأيديولوجية) داخل الدول نفسها تعمل كأحجار عثرة تمنع تحويل الأفكار الطموحة إلى واقع صلب.

المستوى الأول: التحديات الخارجية

هذا المستوى يركّز على البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بالدول الخمس (تركيا، السعودية، مصر، الخليج، باكستان)، والتي تفرض قيودًا موضوعية على اندماجهم، منها:

1-غياب التعريف الموحّد للمصدر الأول للتهديد: في العلوم السياسية، لا تنجح التحالفات العسكرية والأمنية المستدامة إلا إذا اتفقت الدول على مَن هو العدو المشترك؟ وهنا تكمن الثغرة الكبرى في هذا المحور:

بالنسبة لتركيا: التهديد الأول هو الحركات الانفصالية الكردية، والصراع على غاز شرق المتوسط.

بالنسبة للسعودية والخليج: التهديد الوجودي المباشر يأتي من أذرع إيران الصاروخية وميليشياتها، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

بالنسبة لمصر: التهديد الإستراتيجي ينحصر في حدودها الغربية (ليبيا)، وأمن البحر الأحمر، والقضية الفلسطينية، وملف سدّ النهضة.

بالنسبة لباكستان: هاجسها الوجودي الدائم هو الهند، وحدودها الغربية المضطربة مع أفغانستان.

هذا التباين يجعل من الصعب جدًّا صياغة عقيدة أمنية دفاعية مشتركة؛ فلن تحارب باكستان في البحر الأحمر، ولن تُرسل دول الخليج جيوشها لشرق المتوسط.

2-معضلة التحالفات المتضاربة واختراق القوى العظمى: هذه الدول التي تُشكِّل نواة المشروع السُّني ليست معزولة، بل هي جزء من شبكة تحالفات دولية مُعقّدة ومتناقضة في كثير من الأحيان.

فعلى سبيل المثال، إدارة الرئيس ترمب تضغط في اتجاه مخالف تمامًا؛ هي لا تريد محورًا سُنيًّا مستقلًّا يُقصِي الكيان الصهيوني، بل تريد دَمْجه كقائد تكنولوجي وأمني للمنطقة عبر اتفاقات «إبراهيم» لمواجهة إيران.

3-غطرسة المشروع الصهيوني: الكيان الصهيوني اليوم لا يتصرَّف كدولة تبحث عن جيران، بل كقوة إمبراطورية هجومية تُعيد رسم خرائط المنطقة بالقوة المسلحة. ويتباهى زعماء الكيان بقدرتهم على الحسم العسكري المطلق، وسَحْق خصومهم في غزة، وتوجيه ضربات قاصمة في لبنان، واختراق الساحة السورية أمنيًّا وعسكريًّا دون رادع.

وهذا التمدُّد الصهيوني يُمثّل تهديدًا حتميًّا يقترب من حدود الأناضول؛ حيث تسعى دولة الكيان لإعادة تفكيك الجغرافيا السورية ودعم كيانات انفصالية على حدود تركيا الجنوبية لإشغالها وإضعافها.

هذا الاستعلاء العسكري يجعل الدولة الصهيونية ترفض تمامًا شرط فيدان (العودة لحدود 1967)، فهي ترى نفسها أقوى من أن تُملي عليها دول المنطقة شروطًا للدمج.

المستوى الثاني: التحديات الداخلية والوسيطة

وهي المصفاة الداخلية التي تحدثنا عنها؛ حيث تعاني الجبهات الداخلية لهذه الدول من أزمات تَحُدّ من قدرتها على تمويل وتمرير مشروع إقليمي بهذا الحجم:

1-التحدي الأول: يتمثل في الهشاشة الاقتصادية التي تُعدّ قيدًا إستراتيجيًّا؛ فأيّ مشروع جيوسياسي طموح يحتاج إلى رافعات مالية هائلة ومستدامة. لكن الواقع الاقتصادي لعصب هذا المحور يبدو مأزومًا؛ فكل من مصر وباكستان، تعاني من أزمات اقتصادية وهيكلية حادة، وضغوط تضخمية، واعتماد ثقيل على القروض الدولية (صندوق النقد) والمساعدات أو الاستثمارات الخليجية. هذا الوضع الاقتصادي يجعل قرارهما السياسي الخارجي عُرْضة للمساومة والضغوط، ويمنعهما من تحمُّل تكلفة أيّ مُغامرة جيوسياسية غير مضمونة النتائج.

دول الخليج (المُموّل المحتمل): رغم وفرتها المالية، إلا أنها تُركّز بشكلٍ حذر على خطط التحول الداخلي، ولم تَعُد مستعدة لتقديم شيكات على بياض، لتمويل محاور عسكرية دون عوائد إستراتيجية واقتصادية مباشرة ومضمونة.

2- ويأتي التحدي الثاني، وهو الشرخ الخليجي ومحور الإمارات؛ فالذي ينظر إلى الواقع الخليجي، فإنه يستنتج بسهولة بأنه لا يمكن التعامل مع الجبهة الخليجية ككتلة واحدة؛ فالإمارات تبنَّت إستراتيجية معاكسة تمامًا، وتنظر بريبة إلى هذا المحور المقترح.

فالإمارات وضعت نفسها في محور عابر للأقاليم يضم (الهند والكيان الصهيوني واليونان)، وهو محور يضرب مصالح دول النواة السُّنية مباشرةً؛ فمشروع الممر الاقتصادي (الهند-الخليج-أوروبا عبر الكيان) يعزل تركيا، والتحالف الإماراتي مع اليونان يضغط على أنقرة في ملف غاز المتوسط، والتحالف مع الهند يثير حساسية باكستان.

والإمارات تخشى من أيّ تكتل تقوده دول ذات كثافة بشرية ضخمة، مما يجعل الموقف الإماراتي حجر عثرة حقيقي يحرم المحور من إجماع خليجي مالي وسياسي حاسم.

3-أما المعضلة الثالثة فتتمحور حول الثقة البينية والتنافس التاريخي على القيادة؛ فتاريخ العلاقات بين بعض أقطاب المحور، يعاني مما يسمّى في العلاقات الدولية بـ«إرث الشك»؛ فكل دولة من هذه الدول ترى في نفسها القائد الطبيعي للعالم الإسلامي أو السُّني.

هذا التنافس المكتوم على مَن يقود المحور، قد يُحوِّل التحالف من أداة موازنة للخارج إلى ساحة لتصفية الحسابات والنفوذ الداخلي.

4-أما التحدي الرابع فهو الفجوات الأيديولوجية؛ فرغم طيّ صفحة الخلافات الظاهرية، إلا أن هناك تباينًا جوهريًّا في النظرة لدور بعض الاتجاهات الدينية. فهناك دول في المحور لديها مقاربة تحتضن أو تتسامح مع هذه التيارات كأدوات نفوذ، بينما ترى فيها دول أخرى من المحور تهديدًا أمنيًّا داخليًّا مباشرًا. هذا الشرخ الأيديولوجي قد ينفجر عند أول محطة خلاف حول ترتيب الأوضاع في دول عربية مضطربة (مثل ليبيا أو سوريا أو اليمن).

عمومًا، ونظرًا لاختلاف التصورات من دولة إلى أخرى؛ يمكن اعتبار أن هذا المحور يفتقر إلى حد كبير إلى البُعْد الأيديولوجي المتماسك والموحّد مثل المشروع الإيراني، وفي نفس الوقت لا يحصل على الدعم الأمريكي غير المشروط مثل المشروع الصهيوني.

الخلاصة

بناءً على هذه التحديات، نرى أن صانع القرار الإقليمي يدرك هذه السلبيات جيدًا. ولذلك، فإن سقف التوقعات من تصريحات بعض المسؤولين في دول المحور، لا يجب أن يرتفع لرؤية حلف «ناتو» سُنّي، أو اندماج عسكري كامل، بل سيبقى في حدود منصة تنسيق مرنة؛ يتم اللجوء إليها للمناورة الدبلوماسية الجماعية ضد الضغوط الأمريكية والصهيونية، دون الاضطرار لدفع أثمان داخلية أو اقتصادية لا تُطيقها ميزانيات ومنهجيات هذه الدول أو جبهاتها الداخلية.

 

 

أعلى