هل آن الأوان لإعادة قراءة تاريخ الكتابة البارزة للمكفوفين بإنصاف، والاعتراف بإسهام زين الدين الآمدي الذي سبق برايل بقرون، بعيدًا عن الروايات الشائعة، واستنادًا إلى المصادر التاريخية والشواهد العلمية الموثقة التي تستحق المراجعة؟
إذا وضعنا تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع، والتي أكَّد فيها استعداده للجلوس مع
الجميع لحل أزمة لبنان، ورفضه الحلول المجتزأة، جنبًا إلى جنب مع إعلان الرئيس
التركي أردوغان، قبل ذلك بأيام، أن أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، وبعد هاتين
الإشارتين السورية والتركية، دخل الرئيس الأمريكي على نفس الموجة ليُدلي بعدة
تصريحات لافتة، يشيد مرة بقوة أحمد الشرع وإنجازاته، ومرة أخرى يمدح أردوغان ودوره،
ويُلمّح بأنه سيتخذ خطوة تجعل تركيا سعيدة جدًّا، فيما يتعلق بطلباتها العسكرية،
مشيرًا إلى دور تركيا المحوري كعضو قوي في حلف الناتو.
كلام الرئيسين، وردُّ ترمب عليه، يُوحي بأننا بصدد إرهاصات صفقة يجري بلورتها بين
الرئيس الأمريكي ترمب، وكلّ من سوريا وتركيا، وربما أطراف أخرى.
وممّا يُعزّز الحديث عن صفقة، بنود الاتفاقية الأمنية التي عُقِدَت مؤخرًا بين
لبنان والكيان الصهيوني برعاية أمريكية؛ حيث ورد في أحد بنودها:
«تطلب
حكومة لبنان دعم الشركاء الدوليين، ولا سيما العرب، تحت قيادة الولايات المتحدة
لتحقيق هذه النتيجة»؛
حيث فهم الكثيرون بأنه تلميح بتدخُّل سوري بغطاء عربي تركي، إذا فشلت الحكومة
اللبنانية وحدها في نزع سلاح حزب الله.
ولعل المخاوف التي يُبديها أركان الحكومة الصهيونية في تصريحاتهم المتتالية، والتي
يُعبِّرون فيها عن وجود شيء يجري خلف الكواليس لا يعلمون به، بين كل من تركيا
وسوريا والخليج من جانب، وأمريكا من جانب آخر، تُعزّز من احتمالات أن هناك صفقة
سياسية كبرى يجري طَبْخها على نار هادئة.
هذه الصفقة يبدو أنها لن تقتصر على منطقة جغرافية محددة، بل ستمتد من لبنان إلى
العراق إلى غزة، وبالطبع سوريا، وربما اليمن.
ومن الواضح أيضًا أنها لن تقتصر على السياسة فقط، بل ستتعداها إلى الاقتصاد ومجالات
أخرى.
ولكن ما ملامح هذه الصفقة المرتقبة، وما الخطوط العريضة لها؟
الصفقة الكبرى
هذا المصطلح ليس نظرية بالمعنى الدقيق، مثل اقترابات الواقعية أو البنائية في
التحليل السياسي، وإنما هو مفهوم استخدمه عدد كبير من مُنظّري العلاقات الدولية
والمفاوضات لوصف التسويات الشاملة بين أطراف متنافسة. لذلك لن تجد مُؤسِّسًا واحدًا
له، بل تطوَّر عبر عدة مدارس.
أبرز مَن استخدم أو طوَّر هذا المفهوم:
1-هنري كيسنجر، فالرجل لم يضع نظرية باسم الصفقة الكبرى، لكنه مِن أكثر مَن مارَسها
ونظَّر لفكرة ربط الملفات. ففي كتابه
«الدبلوماسية»،
وفي مذكراته عن
«إدارة
نيكسون»؛
شرح كيف يمكن ربط قضايا الأمن والتجارة والتحالفات في صفقة واحدة، وكانت سياسة
الانفراج مع الاتحاد السوفييتي مثالًا على ذلك.
2-عالِم السياسة روبرت أكسلرود، من خلال أعماله في نظرية الألعاب، والتي يُفسِّر من
خلالها كيف تنشأ صفقات طويلة الأمد بين الخصوم؛ في حال إذا أصبحت المكاسب
المتبادَلة أكبر من استمرار الصراع.
3-عالِما السياسة إيفو دالدر وتشارلز كوبتشان، اللذان اعتبرا أن الولايات المتحدة،
عندما تُواجه نزاعات مُعقَّدة، فإن معالجة كل قضية على حدة قد لا تكون فعَّالة،
لذلك قد يكون الحل هو بناء صفقة إستراتيجية واسعة تشمل عدة أطراف وعدة قضايا في
وقتٍ واحد. فعلى سبيل المثال، في نقاشاتهما حول الشرق الأوسط وأوروبا، أشارا إلى أن
نجاح أيّ ترتيب أمني يحتاج إلى إدخال جميع اللاعبين الأساسيين في إطار تفاوضي واحد؛
بحيث يحصل كلّ طرف على جزء من مطالبه.
4-السياسي والمفكر زبيغنيو بريجنسكي، فقد ناقش في كتاب
«رقعة
الشطرنج الكبرى»
فكرة إعادة ترتيب التوازنات الكبرى، وإن لم يستخدم دائمًا مصطلح الصفقة الكبرى، إلا
أن تحليلاته تقوم على المنطق نفسه.
الفكرة المشتركة بين كلّ هؤلاء وغيرهم، يمكن تلخيصها في أربع نقاط:
1-الاتفاقات الجزئية غالبًا لا تُنْهِي الصراعات المزمنة.
2-القضايا الدولية مترابطة، ولا ينبغي التفاوض عليها بصورة منفصلة.
3-يجب أن يحصل كلّ طرف على مكسب أساسي حتى يَقبل التسوية.
4-الهدف ليس حل أزمة واحدة، وإنما إعادة بناء التوازن الإقليمي أو الدولي.
ولكن ما هي عناصر الصفقة الكبرى التي يمكن استخدامها لكي نستطيع أن نُحلّل
الترتيبات المتوقع حدوثها؟
لا يوجد نموذج مُوحَّد متفق عليه، لكن من مراجعة الأدبيات يمكن استخلاص العناصر
التالية:
أولًا:
الأطراف، ونعني بهم اللاعبين الرئيسيين، سواء كانوا دولًا أو قوى إقليمية أو قوى
عظمى أو فاعلين من غير الدول أحيانًا.
ثانيًا:
المصالح الجوهرية، ونعني بها ما الذي يَعتبره كل طرف غير قابل للتنازل، مثل الأمن،
والنفوذ، والاقتصاد، والشرعية، والتكنولوجيا، والطاقة، وغيرها.
ثالثًا:
الملفات المرتبطة، وهو العنصر الأهم.
فبدلًا من التفاوض على ملف واحد، يجري ربط عدة مناطق جغرافية، مثل لبنان وسوريا
والعراق وغزة، أو ربط ملفات، مثل العقوبات والتسليح والتطبيع وإعادة الإعمار. بحيث
يصبح التنازل في ملف مقابل مكسب في ملف آخر.
رابعًا:
المقايضات، فكل طرف يُقدّم شيئًا، ويحصل على شيء.
مثلًا (مثال نظري فقط)، تركيا: تعاون أمني مقابل صفقة طائرات إف-35، وسوريا:
ترتيبات أمنية مقابل تمدُّد سيادتها في أنحاء الدولة، والكيان الصهيوني: ترتيبات
حدودية مقابل ضمانات أمنية.
خامسًا:
الضمانات، فأيّ صفقة كبيرة تحتاج إلى ضمانات، سواء كانت أمريكية أم دولية أم
عسكرية.
سادسًا:
آليات التنفيذ، مثل: لجان مشتركة، وقوات مراقبة، وجداول زمنية، ومراحل تنفيذ.
سابعًا:
المستفيدون والمتضرّرون، أيّ صفقة تُعيد توزيع القوة، لذلك يجب تحليل: مَن يربح؟
ومَن يخسر؟ ومَن قد يحاول إفشالها؟
تطبيق الإطار التحليلي
يمكن تطبيق عناصر تحليل مفهوم الصفقة الإستراتيجية على وضع المنطقة الحالي، لكن
ينبغي أن نُميِّز بين المعطيات المؤكدة والاستنتاجات التحليلية؛ لأننا لا نملك حتى
الآن دليلًا علنيًّا على وجود صفقة كبرى مكتملة. لذلك سيكون التحليل مبنيًّا على
فَرْضية: إذا كانت هناك صفقة جيوسياسية قيد التشكّل، فما ملامحها وفق العناصر التي
سبق أن تحدثنا عنها؟
1- اللاعبون الرئيسيون
- الولايات المتحدة: الطرف الذي يملك أدوات الضغط والضمانات العسكرية والاقتصادية.
- تركيا: القوة الإقليمية الأكثر حضورًا في الجغرافيا.
- سوريا، تحت إدارة أحمد الشرع: حيث تسعى إلى مد السيطرة على كامل أراضيها، وتحقيق
نمو اقتصادي، واستعادة الدور الإستراتيجي للدولة السورية.
- الكيان الصهيوني: والذي يريد استعادة هيبة الدولة، واستغلال الطوفان لتحقيق الردع
للدولة الصهيونية بمفهومه الجديد.
- دول الخليج، وخاصة السعودية وقطر والإمارات: وواضح تشابك مصالحها مع كثير من
ملفات المنطقة.
الفاعلون من غير الدول: مثل حزب الله وحركة حماس وبعض الفصائل العراقية.
2- المصالح الجوهرية
لكل طرف خطوط حمراء وأهداف أساسية:
فالولايات المتحدة، تريد تقليص النفوذ الإيراني، والحفاظ على أمن الكيان، وفي نفس
الوقت تقليل الانخراط العسكري المباشر مع الإبقاء على نفوذها في المنطقة، للانتقال
إلى ملف أهم بالنسبة إليها، وهو احتواء الصين.
أما تركيا، فتريد توسيع دورها بوصفها القوة الإقليمية الرئيسية في المنطقة، وفي نفس
الوقت تحقيق مكاسب اقتصادية.
أما سوريا فأهدافها تتمحور حول رفع العقوبات، واستعادة السيطرة على الأراضي في
الجنوب، التي توغل فيها الصهاينة بعد التحرير، وإزالة العوائق أمام تنفيذ مشاريع
إعادة الإعمار.
والكيان الصهيوني، يريد إبعاد التهديدات المسلحة عن حدوده، واستمرار حملته لإضعاف
النفوذ الإيراني، ومواجهة المشروع السني الجديد، مع ضمان ترتيبات أمنية طويلة
الأمد.
3- الملفات المرتبطة
إذا كانت هناك صفقة، فمن المرجَّح أنها لا تتعلق بملف واحد، بل تربط عدة ملفات
معًا، مثل:
- مستقبل الجنوب السوري.
- السلاح غير الخاضع للدولة في لبنان.
- الفصائل المُسلَّحة في العراق.
- سيطرة الحوثي في اليمن.
- غزة وترتيبات ما بعد الحرب.
- إعادة إعمار سوريا.
- التعاون العسكري الأمريكي-التركي.
- مشاريع الطاقة والنقل الإقليمية.
هذا الترابط هو ما يُميِّز الصفقة الكبرى عن الاتفاقات المحدودة.
4-المقايضات
تُمثّل المقايضات جوهر أيّ صفقة جيوسياسية كبرى؛ إذ لا تقوم مثل هذه الصفقات على
انتصار طرف وهزيمة آخر، وإنما على تبادل تنازلات ومكاسب بين الأطراف الرئيسية، بما
يُحقّق الحد الأدنى من مصالح كل منها.
وفي الحالة الراهنة، يمكن افتراض أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحصول على ترتيبات
أمنية جديدة، وأهمها السماح بإيجاد نوع من التمدُّد السني أو التخويف به، لتَحُدّ
من النفوذ الإيراني في المشرق، وتضمن أمن الكيان الصهيوني، وتُخفّف، في الوقت نفسه،
من الحاجة إلى انخراط عسكري أمريكي مباشر في المنطقة. وفي المقابل، قد تكون مستعدة
لتقديم حوافز سياسية واقتصادية، مثل إلغاء ما تبقَّى من العقوبات المفروضة على
سوريا، والسماح بالبدء الحقيقي في مشاريع إعادة الإعمار، إلى جانب الاستجابة لبعض
المطالب التركية المتعلقة بالتعاون العسكري أو الصناعات الدفاعية، إذا رأت أن ذلك
يخدم أهدافها الإستراتيجية.
أما تركيا، فيبدو أن أولويتها تتمثل في معالجة هواجسها الأمنية على حدودها
الجنوبية، ولا سيما ما يتعلق بالقوى الكردية المسلحة، إلى جانب تثبيت مكانتها
بوصفها شريكًا رئيسيًّا في صياغة الترتيبات الأمنية الجديدة في المشرق. وفي
المقابل، قد تكون مستعدة للقيام بدور أكبر في تثبيت الاستقرار داخل سوريا،
والمساهمة في تنفيذ الترتيبات الأمنية والإقليمية التي يتم التوافق عليها، خاصةً في
لبنان وغزة.
وبالنسبة لسوريا، فإن المصلحة الأساسية تتمثل في فتح الباب أمام تحويل مشاريع إعادة
الإعمار وعودة الاستثمارات إلى واقع ملموس. وفي المقابل، قد يُطلَب منها التعاون في
ملفات أمنية وإقليمية، وإعادة تنظيم علاقاتها مع الأطراف الإقليمية بما يتوافق مع
التوازنات الجديدة التي قد تفرزها الصفقة.
أما الكيان، فمن المُرجَّح أنه يُركّز على الحصول على ضمانات أمنية طويلة الأمد،
تَحُول دون تمركز قوى معادية على حدوده، وتَحُدّ من قدرات الجهات المسلحة التي
يراها مصدرًا للتهديد. وفي المقابل، قد يُبدي استعدادًا للقبول ببعض الترتيبات
السياسية أو الأمنية الإقليمية؛ إذا رأى أنها تحقق هذه الأهداف.
ولكن هذه المقايضات دائمًا تخضع للضغوط وموازين القوى، والصراع بين أطراف الصفقة
للاستحواذ على أوراق القوة لوضعها على منضدة المقايضة.
5- الضمانات
أيّ صفقة جيوسياسية بهذا الحجم لا يمكن أن تقوم على الثقة وحدها، بل تحتاج إلى
منظومة ضمانات تجعل كل طرف مطمئنًا إلى أن الأطراف الأخرى ستلتزم بما تعهَّدت به.
وفي الحالة التي نحن بصددها، يمكن تصوُّر الضمانات على النحو التالي:
تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الأولى كضامن رئيسي لتنفيذ الترتيبات الأمنية.
وتأتي تركيا في المرتبة الثانية، بقدرتها على التأثير في الحكومة السورية الجديدة،
والتأثير على إيران لضبط أذرعها، وكذلك التأثير على حماس.
وتشكل المنظومة الخليجية أيضًا ضامنًا مهمًّا في تمويل مشاريع إعادة الإعمار،
وأيضًا في توفير الغطاء السياسي العربي.
6- آليات التنفيذ
الصفقة الكبرى لا تُنفَّذ دفعة واحدة، وإنما على مراحل.
غالبًا سيكون التسلسل كالآتي:
المرحلة الأولى:
تتضمَّن وقف التصعيد العسكري، وتثبيت خطوط التماس، وبناء الثقة.
المرحلة الثانية:
تشمل ترتيبات أمنية، وضبط الحدود، وإعادة انتشار بعض القوات، ومعالجة قضية السلاح
خارج سلطة الدولة.
المرحلة الثالثة:
وتتكون من إطلاق مشاريع إعادة الإعمار، وفتح الاستثمارات، وتطبيع تدريجي للعلاقات.
المرحلة الرابعة: وتتلخص في بناء نظام إقليمي جديد للتعاون الأمني والاقتصادي.
7- الرابحون والخاسرون
هذا العنصر بالغ الأهمية؛ لأن كل صفقة كبرى تُعيد توزيع النفوذ.
أولًا: الرابحون المحتملون
- الولايات المتحدة إذا نجحت في خفض التوتر دون زيادة انخراطها العسكري.
- تركيا إذا حصلت على دور مُعترَف به في الأمن الإقليمي، وتقدَّمت في ملفاتها
الأمنية والاقتصادية.
- سوريا إذا استطاعت إخراج جيش الاحتلال من الشريط الذي توغَّل فيه، وانطلقت مشاريع
إعادة الإعمار، ونجحت في السيطرة على المجموعات المتمردة.
- دول الخليج إذا انخفضت المخاطر الأمنية، وتهيَّأت لها بيئة أكثر استقرارًا
للاستثمار.
- لبنان إذا أفضت الترتيبات إلى تعزيز سلطة الدولة وتحسين الوضع الاقتصادي.
ثانيًا: الخاسرون المحتملون
إذا افترضنا أن الصفقة تستهدف إعادة توزيع النفوذ، فقد تتراجع مكاسب بعض الأطراف
مقارنةً بالوضع الحالي.
أول الخاسرين هي إيران؛ إذا تضمَّنت الترتيبات تقليص نفوذها الإقليمي، وذراعها
الأكبر؛
«حزب
الله»،
خاصةً إذا اتجهت العملية نحو حَصْر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وبعض الفصائل
المسلحة في العراق إذا أصبح وجودها خارج مؤسسات الدولة غير مقبول، ومثلها ما سيتم
في اليمن من تقليص نفوذ الحوثي.
لكن يبقى هذا احتمالًا تحليليًّا، وليس نتيجة مؤكدة؛ لأن تفاصيل أيّ تفاهمات غير
مُعلَنة قد تختلف.
الواقع على الأرض
ممّا يُعزّز إرهاصات تلك الصفقة: الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى
الولايات المتحدة، وسيكون هناك وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في أمريكا في
الوقت نفسه.
ويُنتَظَر أن يُرتّب السفير الأمريكي توم باراك (والذي يُنظَر إليه بأنه عرّاب
الصفقة الكبرى)، اجتماعًا بين الأطراف الثلاثة: الأمريكي والسوري والعراقي.
وتتحدَّث تقارير صحفية أمريكية بأن
«باراك»
يعمل على تشكيل محور اقتصادي أمريكي يربط العراق بسوريا (وفي مرحلة ثانية لبنان
والأردن، ثم الخليج).
وقد بدأ العراق بالفعل في تشغيل خط بري ينقل النفط العراقي من الحدود مع سوريا إلى
موانئ سوريا على المتوسط.
وهذا ما يطمح إليه باراك، بإيجاد نفوذ أمريكي بالمنطقة يتجاوز البُعْد العسكري
والأمني إلى البُعد الاقتصادي طويل المدى، على حساب النفوذ الإيراني.
وقد رأينا في الأسابيع الماضية عودة الشركات الأمريكية إلى قطاع الطاقة السوري.
فالاهتمام الأمريكي لا يقتصر على إعادة تشغيل بعض الحقول، بل يمتد إلى إعادة بناء
قطاع الطاقة بالكامل.
ثم جاء البيان المشترك بين رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، والمبعوث الرئاسي
الأمريكي توم باراك، والذي حمل إشارات تتجاوز العلاقة الثنائية بين بغداد وواشنطن.
فالبيان لم يركز فقط على الملفات الأمنية، مثل نزع سلاح الجماعات المسلحة، وحَصْر
السلاح بيد الدولة العراقية، بل تضمَّن قائمة واضحة بأسماء شركات ومشاريع أمريكية،
وإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك - بانياس.
وهذا الخط ليس مجرد أنبوب لنقل النفط، بل مشروع إستراتيجي يربط حقول شمال العراق
بالساحل السوري على البحر المتوسط.
وإذا عاد إلى العمل، فسيفتح للعراق منفذًا جديدًا لتصدير النفط بعيدًا عن إيران
ومضيق هرمز، ويسهّل أيضًا الرقابة الدولية على التصدير العراقي، بعيدًا عن استخدام
إيران للعراق لتصدير نفطها بشكل غير قانوني، ويُعيد لسوريا أحد أهم أدوارها
الاقتصادية، وهو دور دولة العبور ومركز تصدير الطاقة.
لذلك فإنه من المنتظر أن يكون الاجتماع الثلاثي في أمريكا هو، في حقيقته، حفل توقيع
أمريكي سوري عراقي على هذه المشاريع المشتركة.
فإذا نجحت هذه المشاريع، فقد لا تكون النتيجة مجرد إعادة تشغيل بعض الحقول أو إصلاح
خط أنابيب قديم، بل إعادة رسم خريطة الطاقة في المشرق، وعودة سوريا لتكون جزءًا من
شبكة الطاقة الإقليمية الممتدة من حقول العراق إلى البحر المتوسط، وتشمل لبنان
والأردن، ضمن دائرة نفوذ أمريكي جديد يرسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، يتطلب
استقرارًا حقيقيًّا في المنطقة.
الصفقة بين المُحرّكات والمُعطّلات
فرص حدوث هذه الصفقة الجيوسياسية الكبرى لا يمكن قياسها بـ«نعم»
أو
«لا»،
بل تُحلَّل عبر ميزان حساس يُوازن بين قوة الدوافع المُحرِّكة، وثقل الكوابح
المُعطِّلة.
هناك ثلاثة محركات ذاتية:
1-الولايات المتحدة (التوقيت الانتخابي وحسابات القوة العظمى)
المأزقان اللذان يواجههما ترمب يُفسِّران تمامًا سبب رغبته في إنجاز صفقة سريعة
وحاسمة:
أولهما: العامل الزمني الداخلي (انتخابات نوفمبر): فمع اقتراب انتخابات التجديد
النصفي للكونغرس؛ يدرك ترمب أن استمرار التوترات المفتوحة مع إيران، أو الانزلاق
نحو مواجهة عسكرية غير محسوبة، يُمثّل ثغرة سياسية قد يستغلها خصومه. وإنهاء هذا
الملف عبر هندسة إقليمية بديلة يمنحه إنجازًا دبلوماسيًّا ضخمًا يُقدّمه للناخب
الأمريكي.
وثاني تلك العوامل، الاستدارة الإستراتيجية نحو الصين، فمن منظور إستراتيجي شامل،
يظلّ الشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا منطقة استنزاف للموارد. والتفرغ لاحتواء الصين
في المحيطين الهندي والهادئ يتطلب تفريغ الحقيبة الشرق أوسطية، وتفويض ملفاتها
الأمنية لقوى إقليمية موثوقة ومستقرة، وهو ما تُحقّقه هذه المقايضة.
2- سوريا (إعادة بناء الدولة وبَسْط السيادة)
تُمثّل الصفقة بالنسبة للرئيس
«الشرع»
أداة مركزية لسيادة الدولة الجديدة، وتثبيت أركانها:
فالشرع يُدرك أن استعادة شرق الفرات (خزان الثروة النفطية والزراعية لسوريا)، لا
يمكن أن تتم عبر صدام عسكري شامل ومُكلّف مع قوات سوريا الديمقراطية
«قسد»
المدعومة أمريكيًّا. فالصفقة توفّر له مسارًا سياسيًّا برعاية أمريكية لاستكمال
عملية دمج قسد (المتعثرة) في هيكلية الجيش السوري ومؤسسات الدولة، مما يُعِيد شريان
الحياة الاقتصادي لسوريا.
كما أن استعادة السيطرة على الجنوب وضبط الجبهة مع الكيان الصهيوني؛ تُنهي الذرائع
الصهيونية للاختراقات المستمرة، وتُحوّل العلاقة إلى مربع الاشتباك السياسي الدولي
بدلًا من الاستباحة الميدانية.
ويدرك الشرع أن المشاريع الإقليمية (مثل خطوط الغاز والربط التجاري) هي المخرج
الوحيد لإنعاش الخزينة، وبَدْء إعمار حقيقي يُشكّل حافزًا لعودة اللاجئين، وهو ملف
أساسي لانتزاع الشرعية الشعبية والمؤسساتية كاملة.
3- تركيا (المجال الحيوي والزعامة الإقليمية)
تتجاوز طموحات تركيا فكرة تأمين الحدود إلى إعادة تموضع إستراتيجي شامل.
فالصفقة تمنح تركيا نفوذًا شرعيًّا معترفًا به دوليًّا في حوض شرق المتوسط والهلال
الخصيب، مما يُكرّس دورها كقائد إقليمي لا يمكن تجاوزه.
كما أن الشام هي البوابة البرية لتركيا نحو العالم العربي. وتحوّل تركيا إلى نقطة
انتهاء لمشاريع الربط التجاري، مما سينعش الاقتصاد التركي، ويوفّر حلًّا مستدامًا
لمعضلاتها المالية الداخلية.
الكوابح والعقبات
في المقابل، هناك ألغام إستراتيجية قد تُفجّر هذا الترتيب قبل اكتماله:
1-القدرة الإيرانية على التخريب الميداني
إيران لن تقف متفرجة وهي ترى نفوذها الذي بنته على مدى أربعة عقود في الشام يُصفَّى
بجَرَّة قلم أمريكية-تركية، حتى لو ضعفت أذرعها الرسمية.
وتمتلك إيران القدرة على تحريك خلايا نائمة، أو فصائل عراقية، أو أجنحة عقائدية
داخل لبنان واليمن وسوريا (التفجيرات التي جرت مؤخرًا في دمشق)، لشنّ هجمات
استباقية تُخِلّ بالجدول الزمني للصفقة، وتُحْرِج الأطراف المُوقِّعة.
2- المعضلة الصهيونية
مشكلة الكيان الصهيوني تتمحور حول أزمة ثقة، كما أعلن وزراء نتنياهو مرارًا. فهو لا
يثق في الإدارة السورية الجديدة ذات الخلفية الجهادية، -على حد تعبيره-. وفي الوقت
نفسه فإن عدم ثقته يمتد إلى الأتراك الراغبين في محاولة إحياء النفوذ العثماني في
المنطقة، كما يُصرّح قادة الكيان.
أزمة الثقة قد تجعل الأطراف تتردد في تقديم التنازلات الجوهرية الأولى.
3- تعقيد البيئة الداخلية اللبنانية
نزع سلاح حزب الله ليس مجرد قرار تقني أو أمني، بل هو عملية جراحية مُعقَّدة في
عُمق التركيبة الاجتماعية والسياسية اللبنانية. وأيّ ضَغْط مُفرِط وغير مدروس
لتفكيك بنية الحزب العسكرية قد يؤدي إلى حرب أهلية لبنانية جديدة، وهو ما سيُحوِّل
لبنان من موضوع للصفقة إلى مستنقع يبتلع الضامنين الإقليميين (بما فيهم سوريا).
العقدة والحل في هذه الصفقة
نقطة العقدة والحل في هذه الصفقة تكمن في لبنان.
ويمتلك
«الشرع»
مفتاحين لحل تلك العقدة:
المفتاح الأول،
يتعلق بالضغوط عليه لإرسال جيش سوري إلى لبنان، ولكنّ الشرع في هذه المرحلة ينظر
إلى إرسال جيشه إلى لبنان، كفخّ إستراتيجي وانتحار سياسي سيُعيد إحياء حساسيات
الوصاية القديمة، ويستنزف رصيد القيادة السورية. بدلًا من ذلك، يريد الشرع توظيف
الجغرافيا كأداة سياسية، وهو ما يمنح سوريا أوراق اللعب الرابحة.
فسوريا لا تحتاج إلى إطلاق رصاصة واحدة داخل الأراضي اللبنانية لتحجيم النفوذ
العسكري لحزب الله. فمجرد فرض الدولة السورية سيادتها الكاملة على الحدود (السلسلة
الشرقية، وجبال القلمون، ومعابر البقاع الشرعية وغير الشرعية)، يعني قطع الوريد
اللوجستي الوحيد المتبقي للحزب.
هذا الخَنْق الجغرافي يُحوِّل سوريا من مقاول بالباطن إلى مُتحكّم بالصمام. والشرع
سيستخدم هذا الصمام لتعظيم مكاسبه مع أمريكا؛ فكلما أرادت الإدارة الأمريكية تضييق
الخناق أكثر، تعيَّن عليها تقديم ثمن سياسي واقتصادي أكبر لسوريا.
أما المفتاح الثاني، فهي طرابلس، وهذا هو سرّ ذهاب وزير الخارجية السوري
أسعد الشيباني إلى طرابلس في ختام زيارته للبنان.
فهناك إدراك سوري بأن سُنّة لبنان يُعانون من انكشاف سياسي وغياب للقيادة والدعم
الإقليمي، خاصةً بعد التحولات في سياسات دول الخليج، ومغادرة تيار المستقبل للمشهد،
لذلك فلا مناص لهم من الاحتماء بسوريا التي تُوفّر لهم هذه المظلة الإقليمية
الصلبة.
وفي الوقت نفسه، تستخدم الحكومة السورية الجديدة دعمها لسُنة لبنان كرافعة سياسية
داخل النظام الطائفي اللبناني.
فعندما تمتلك سوريا ولاء أكبر كتلة طائفية في لبنان، مضافًا إليها علاقة مؤسساتية
أمنية مع الجيش اللبناني، وعلاقة جيدة مع الدروز، وبعض الكتل المسيحية، تصبح هي
المؤثر الأكبر في لبنان، وتستعيد نفوذها دون الحاجة إلى خطوط إمداد عسكرية.
فالقيادة السورية بهذا التكتيك لا تُنفّذ أجندة أمريكية صهيونية، بل تتقاطع معها
تكتيكيًّا للحظة تاريخية مُعيَّنة. وبذلك تُعيد بناء الهيمنة السورية على لبنان،
ولكن بنسخة حديثة: وصاية ناعمة، تعتمد على الاقتصاد، والجغرافيا، والعمق
الديموغرافي، مدعومة بتوافق أمريكي وغطاء عربي لإعادة الإعمار.
الخلاصة
دورنا هنا هو استشراف إمكانيات وجود هذه الصفقة وتحقّقها، حتى لا نُفاجَأ بأمور
وتطوُّرات لم نكن مستعدين لها، حتى على المستوى النفسي أو الخططي.
لذلك تظل هذه المؤشرات التي فصَّلناها، وبناءً على المعطيات أمامنا، وما يتم تداوله
من أخبار حتى هذه اللحظة، في نظرنا، لا ترقى أو تُثْبِت بمفردها وجود صفقة كبرى
مكتملة. فقد تكون أيضًا ناتجة عن تقارب مصالح مرحلي، أو عن مفاوضات مُتوازية لم
تنضج بعدُ إلى اتفاق شامل.