هل تمثل أزمة "العقد الثامن" لإسرائيل نبوءة تاريخية، أم نتيجة طبيعية لتراكم الانقسامات الداخلية، وتآكل الردع العسكري، وتغير البيئة الدولية، بما يجعل مستقبل الكيان مرهونًا بقدرته على تجاوز أخطر اختبار وجودي يواجهه منذ تأسيسه؟
تحظى نبوءة أو مقولة «لعنة العقد الثامن» بزخم لافت في فضاء السجال السياسي والفكري
المعاصر، لا سيما مع اقتراب «إسرائيل» من إتمام عامها الثمانين (تأسَّست عام
1948م). وتستند هذه المقولة إلى فكرة مفادها أن الدول والكيانات السياسية اليهودية
عبر التاريخ لم تُعمّر ككيان مُوحّد ومستقر لأكثر من ثمانين عامًا، مستشهدين بمصير
«مملكة داود وسليمان» و«دولة الحشمونيين».
وفي حين يتناولها البعض من منظور ديني أو غيبي؛ فإن الحديث عن هذه الظاهرة، وبحث
فرضية «نهاية إسرائيل» يتطلب دراسة علمية موضوعية تُسلّط الضوء على الأبعاد
التاريخية، والاجتماعية، والسياسية، والإستراتيجية التي تجعل من «العقد الثامن»
تحديًا حرجًا لأيّ كيان سياسي صهيوني.
أولًا: التأصيل التاريخي والديني للمفهوم
تجد مقولة «لعنة العقد الثامن» جذورها في قراءة محددة للتاريخ اليهودي القديم، وهي
قراءة لم يقتصر ترديدها على النُّخَب العربية أو الإسلامية، بل وردت بشكل صريح على
لسان قادة ومفكرين «إسرائيليين» بارزين (مثل: رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك،
ورئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو في تصريحات موثقة).
وتتلخّص المعطيات التاريخية المستندة إلى العهد القديم والمصادر التاريخية في
نموذجين رئيسيين:
1-مملكة داود وسليمان (المملكة الموحدة):
تأسست هذه المملكة وازدهرت في القرن العاشر قبل الميلاد، لكنها لم تصمد ككيان موحد
سوى قرابة 80 عامًا. فبعد وفاة الملك سليمان، دبَّت الخلافات السياسية والقَبَلية،
وانقسمت المملكة إلى كيانين متصارعين: «مملكة إسرائيل» في الشمال، و«مملكة يهوذا»
في الجنوب، مما مهَّد الطريق لاندثارهما لاحقًا تحت وطأة الغزو الآشوري والبابلي.
2-الدولة الحشمونية (المكابية):
قامت في القرن الثاني قبل الميلاد بعد ثورة المكابيين ضد السلوقيين. وعاشت هذه
الدولة حالة من الاستقلال والسيادة، ولكن مع اقترابها من عقدها الثامن، تآكلت
شرعيتها الداخلية بسبب الصراعات الدموية على العرش بين الأخوين «هيركانوس الثاني»
و«أرسطوبولوس الثاني»، مما دفَعهم للاستعانة بالإمبراطورية الرومانية. وفي عام 63
قبل الميلاد، دخل القائد الروماني «بومبي» القدس، وأنهى السيادة اليهودية الفعلية،
وحوّلها إلى تبعية رومانية.
تاريخيًّا، يُلاحَظ أن انهيار هذه الممالك لم يكن فجائيًّا أو مدفوعًا بعوامل
ميتافيزيقية بحتة، بل كان نتاجًا لـ«تفاعلات هيكلية» داخليًّا وخارجيًّا: صراع
النُّخَب على السلطة، غياب الهوية الجامعة العابرة للانقسامات الفرعية، والوقوع في
قلب تجاذبات القوى الإقليمية العظمى آنذاك.
ثانيًا: مقاربة علم الاجتماع السياسي (أزمة الهوية والشرخ الداخلي)
منظور علم الاجتماع السياسي يتجاوز الأرقام الرمزية (80 عامًا)؛ ليُركّز على «دورة
حياة الدول»، وأزمات الاستقرار الهيكلي. إن وصول أيّ دولة إلى عقدها الثامن يعود
بالضرورة إلى رحيل «جيل التأسيس» (الجيل الأول) الذي كان يمتلك عاطفة أيديولوجية
جارفة، وقدرة على تجميد الخلافات البينية في سبيل البقاء، ومع صعود الجيلين الثالث
والرابع، تبرز التناقضات المجتمعية المؤجَّلة إلى السطح.
وفي الحالة «الإسرائيلية» المعاصرة، يُواجه المجتمع أزمة هوية بنيوية تتجلّى في
أربعة شروخ رئيسية تصعب معالجتها:
1-الصراع بين العلمانية والدين (يهودية الدولة أم ديمقراطيتها)
يتفاقم التوتر بين التيار الصهيوني الملتصق بالقِيَم الليبرالية الغربية، وبين
التيار الصهيوني الديني والتيارات الحريدية (الأرثوذكسية المتطرفة). هذا الشرخ لم
يَعُد مجرد نقاش فكري، بل تحوَّل إلى صراع على هوية الدولة، والنظام القضائي، وحقوق
الأفراد، والخدمة العسكرية الإلزامية.
2-التغيُّر الديمغرافي وصعود اليمين المحافظ
تشير الإحصاءات الرسمية «الإسرائيلية» إلى معدلات نمو ديمغرافي مرتفعة جدًّا لدى
المجتمع الحريديم، والصهيونية الدينية مقارنةً بالمجتمع العلماني، هذا التحوُّل
الديمغرافي يُترجَم سياسيًّا إلى إزاحة مستمرة لمركز الثِّقل السياسي نحو اليمين
واليمين المتطرّف، مما يُعمِّق عُزلة التيارات الليبرالية التي أسَّست الدولة
تاريخيًّا (حزب العمل وحلفاؤه) ويُقوِّض المشتركات الوطنية.
3-أزمة العبء الاقتصادي والعسكري، والمساوة أمام القانون
يُمثّل رفض اليهود الحريديم للخدمة في الجيش (التجنيد)، وتفرُّغ جزء كبير منهم
لدراسة التوراة مع الاعتماد على مُخصَّصات الدولة المالية؛ نقطة تفجير مجتمعية.
فالطبقة الوسطى العلمانية تشعر أنها تتحمَّل وحدها عبء الضرائب المرتفعة، وعبء
الخدمة العسكرية الطويلة والمخاطرة الحياتية، بينما تقطف الثمار السياسية تيارات لا
تشارك في هذه الأعباء.
وهنا عندما تفقد الدولة قدرتها على صياغة «عقد اجتماعي» يحظى بإجماع مكوّناتها،
وتتحوَّل المؤسسات السياسية إلى أدوات للمغالبة الفئوية، والصراعات الداخلية، بدلًا
من التوافق، وتدخل الدولة مرحلة «التآكل الهيكلي من الداخل»، وهي البيئة الخصبة
للانهيار المفاجئ عند التعرُّض لصدمات خارجية.
ثالثًا: الأبعاد الإستراتيجية والأمنية (تآكل العقيدة الأمنية وتهديدات المحيط)
تعتمد ديمومة «إسرائيل» ككيان سياسي وعسكري في منطقة الشرق الأوسط على فرضية
«التفوق النوعي الدائم»، والقدرة على حَسْم المعارك بسرعة، وبشكل خاطف على أرض
العدو. ومع الدخول في العقد الثامن، تُواجه هذه العقيدة الإستراتيجية تحديات غير
مسبوقة:
1-معضلة الحروب الطويلة وحروب الاستنزاف
صُمِّم الجيش «الإسرائيلي» لخوض حروب خاطفة وحاسمة (مثل حرب 1967م)؛ بسبب صِغَر
المساحة الجغرافية، والاعتماد على قوات الاحتياط التي يعني استدعاؤها الطويل شللًا
اقتصاديًّا تامًّا، وتحوّل النزاع إلى حروب استنزاف ممتدة (كما ظهر في جولات
التصعيد الطويلة في غزة ولبنان)، يستنزف الموارد الاقتصادية، ويهزّ ثقة المستثمرين،
ويخلق ضغطًا اقتصاديًّا، ونفسيًّا واجتماعيًّا مستدامًا على الجبهة الداخلية.
2-تآكل نظرية «العمق الآمِن»
لم تَعُد الجبهة الداخلية «الإسرائيلية» (المدن الكبرى والمراكز الاقتصادية) بمنأى
عن الاستهداف المباشر. إن تطور تكنولوجيا الصواريخ الدقيقة والطائرات المُسيَّرة
لدى الأطراف الإقليمية جعل كل نقطة داخل الحدود الافتراضية تحت التهديد، مما أفقَد
الكيان ميزته التاريخية المتمثلة في نقل المعركة إلى أرض الخصم وحماية مجتمعه
الداخلي.
3-جبهات متعددة في آنٍ واحد
تُواجه الإستراتيجية الأمنية «الإسرائيلية» معضلة الترابط بين الجبهات (غزة، جنوب
لبنان، سوريا، اليمن، إيران، بالإضافة إلى الضفة الغربية والداخل). هذا التعدُّد
يُشتّت القدرات العسكرية والاستخبارية، ويدفع المنظومات الدفاعية (مثل القبة
الحديدية وسهم)، إلى حافة الإجهاد العملي والمالي.
رابعًا: المتغيرات الدولية والجيوسياسية
لا يمكن فَصْل مستقبل «إسرائيل» عن طبيعة النظام الدولي الداعم لها، فتاريخيًّا
قامت «إسرائيل» برعاية ودعم مباشر من قوى عظمى (بريطانيا ثم الولايات المتحدة). ومع
التحولات الراهنة في العقد الثامن، يطرأ تغيُّر ملموس على هذه الركيزة الخارجية:
1-التحوُّل في الرأي العام الغربي:
تشهد الجامعات والمجتمعات الغربية (بما في ذلك في الولايات المتحدة وأوروبا)
تحوُّلًا جيليًّا واضحًا؛ فالأجيال الشابّة تتبنَّى مواقف أكثر نقدية تجاه السياسات
«الإسرائيلية»، وتنظر إلى الصراع من منظور حقوقي وإنساني وعدالة اجتماعية، مما
يُضْعِف الإجماع التقليدي الداعم لـ«إسرائيل» في واشنطن على المدى البعيد.
2-تغيُّر شكل النظام الدولي:
الصعود التدريجي لنظام دولي متعدد الأقطاب (بروز الصين، روسيا، وتكتلات بريكس)
يُقلّص من قدرة الولايات المتحدة على توفير مظلة حماية دبلوماسية واقتصادية مطلقة
وغير مشروطة لـ«إسرائيل» في المؤسسات الدولية، كما كان الحال في العقود الماضية.
3-العزلة القانونية والأخلاقية:
مُلاحقة «إسرائيل» أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بتُهَم
تتعلق بجرائم الحرب والإبادة الجماعية يسحب من الدولة شرعيتها الأخلاقية والدولية،
ويُحوّلها تدريجيًّا في نظر جزء من المجتمع الدولي إلى «دولة منبوذة»، على غرار
نظام الفصل العنصري السابق في جنوب إفريقيا.
خامسًا: سيناريوهات المآل المستقبلي
عند الحديث عن «نهاية إسرائيل» من منظور علمي؛ يجب الابتعاد عن السرديات التبسيطية
التي تفترض اختفاءً ماديًّا فجائيًّا للبلاد، والتركيز بدلًا من ذلك على «آليات
التحوُّل والتفكك الهيكلي» التي تصيب الكيانات السياسية. ويمكن حَصْر السيناريوهات
المستقبلية المحتملة في ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول: التفكك الداخلي (الهجرة العكسية والفشل المؤسسي)
وهو السيناريو الأقرب لظاهرة «لعنة العقد الثامن» التاريخية، ويتمثّل في وصول
الاستقطاب الداخلي (العلماني-الديني، اليميني-اليساري) إلى نقطة الصدام المسلح، أو
العجز التام عن تشكيل حكومات مستقرة، ويترافق ذلك مع هجرة عكسية للنُّخَب الفكرية،
والتقنية، والرأسمالية نحو الغرب بحثًا عن الاستقرار، مما يؤدّي إلى انهيار اقتصادي
وتراجع الكفاءة العسكرية، لتتحوّل الدولة إلى كيان ضعيف ومأزوم من الداخل، يسهل
اختراقه، أو فرض شروط إقليمية عليه.
السيناريو الثاني: نموذج جنوب إفريقيا (التحوُّل إلى دولة قطبين أو دولة واحدة)
تآكُل حلّ الدولتين وضمّ الضفة الغربية الفعلي يقود «إسرائيل» إلى واقع «الدولة
الواحدة ثنائية القومية» بحكم الأمر الواقع، مع نظام فصل عنصري، يمنح الأقلية
اليهودية السيطرة على الأغلبية الفلسطينية بين النهر والبحر، وهذا النموذج لا يمكنه
الصمود أخلاقيًّا وسياسيًّا على المدى الطويل تحت وطأة الضغوط الدولية، والمقاومة
الداخلية، والمقاطعة الشاملة، مما قد يجبر الكيان في النهاية على التحوُّل إلى دولة
ديمقراطية واحدة لجميع مواطنيها، وهو ما يعني عمليًّا «نهاية الصهيونية»
كأيديولوجية هيمنة وتأسيس كيان سياسي جديد.
السيناريو الثالث: صدمة إستراتيجية كبرى (حرب إقليمية شاملة)
الوقوع في فخّ حرب شاملة ومتعددة الجبهات تفوق قدرة الدفاعات الجوية والبرية
«الإسرائيلية» على الاحتمال، وتُؤدّي إلى تدمير واسع النطاق للبنى التحتية الحيوية
(محطات الطاقة، الموانئ، المطارات، ومراكز القيادة). مثل هذه الصدمة، إذا ترافقت مع
عجز أمريكي عن التدخل المباشر لإنقاذ الكيان، قد تؤدي إلى انهيار سريع في العقد
الاجتماعي، وفرار جماعي للسكان، وفقدان السيطرة المركزية.
خاتمة
إن «لعنة العقد الثامن» ليست حتمية غيبية لا يمكن تفسيرها، بل هي «تعبير رمزي عن
حزمة من الأزمات الهيكلية المتزامنة» التي تضرب الكيانات السياسية عندما تفقد عوامل
تماسكها الداخلي الأصلي.
وتظهر المؤشرات العلمية الموثقة أن «إسرائيل» في عقدها الثامن تعيش أخطر أزماتها
البنيوية منذ عام 1948م؛ حيث يتداخل الشرخ المجتمعي والديني الأفقي مع تآكل نظرية
الردع العسكري، وتغيُّر البيئة الدولية المحيطة.
وسواءٌ أدَّت هذه العوامل إلى انهيار فجائي أو إلى تحوُّل تدريجي في طبيعة الكيان
ووظيفته؛ فإن الثابت علميًّا وإستراتيجيًّا هو أن «إسرائيل» الحالية، بأيديولوجيتها
الصهيونية التقليدية ونظامها السياسي الراهن، تُواجه عقبات كبرى تَحُول دون
استمرارها بنفس الصيغة في العقود القادمة، وأن نهايتها أمر حتمي لا مفر منه،
والمسألة مجرد وقت لا أكثر، وهي عقود لا قرون؛ بإذن الله تعالى.