• - الموافق2026/07/15م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
ثمن الإذعان!!

هل يضمن الإذعان للقوى المهيمنة البقاء وحماية المصالح، أم أن التجارب التاريخية تؤكد أن التنازلات المتتابعة لا توقف الأطماع، بل تفتح الطريق لخسارة الحقوق والأرض والسيادة، مهما بدا السلام المؤقت مغريًا في البداية؟


في شهر يوليو من كل عام تحتفل الولايات المتحدة بيوم استقلالها، وهذا العام يوافق الذكرى رقم 250 لنشأتها؛ ففي عام 1776م، تبنَّى أعضاء الكونغرس القاري الثاني، الذين اجتمعوا في بنسلفانيا، بشكل قاطع بيان استقلال المستعمرات الـ13 عن بريطانيا، وبالتالي نهاية سلطة الملك جورج الثالث والحكومة البريطانية عليهم.

لم تكن تلك الولايات الـ13، لها كيان وجودي قبل إعلان استقلالها كبقية المناطق المحتلة في العالم مِن قِبَل بريطانيا؛ مثل: الهند أو مصر، أو غيرهما؛ فهذه الدول كانت موجودة قبل الاحتلال البريطاني، وبقيت بعده.

كانت الولايات المتحدة نمطًا مختلفًا؛ تلك الولايات التي أعلنت استقلالها، كان يعيش بها ممالك صغيرة وقبائل متفرقة قرونًا طويلة، حسبوا أن تلك الأرض لهم، لكن جاءهم مَنْ يُعرَف بـ«الرجل الأبيض»؛ فأبادَهم، ثم قام مقامهم، ثم في لحظة مليئة بالنشوة أعلن قيام دولته، وأعلن بيان الاستقلال.

هذا السيناريو يُذكّرنا بإعلان قيام دولة أخرى عام 1948. لم يكن لها وجود، ثم أعلنت بيان استقلالها، ثم صارت تملأ الدنيا اليوم دماءً؛ كما فعَل أسلافهم.

أحد فصول نشأة الولايات المتحدة يتمثّل في قصة الملك فيليب، وهو أحد ملوك السكان الأصليين، الذين اصطُلِحَ على تسميتهم بـ«الهنود الحمر». كان أبوه قد حالَف المستوطنين الإنجليز أول ما نزلوا تلك الأرض، عاملوهم بأخلاقهم وعلّموهم الزراعة في أرضهم، بل ودخلوا في دينهم واعتنقوا المسيحية، وإمعانًا في التشبُّه بهم والتحالف معهم، سمَّى مَلِك تلك القبائل وَلَديه فيليب وإسكندر!!

نستطيع أن نقول: إن والد فيليب قد أذْعَن تمامًا للمستوطنين القادمين إليه عبر البحار، وفعل كل شيء قد يتقرب به إليهم، وكأن لسان حاله يقول: فعلت كل شيء حتى أُصبح واحدًا منكم، فاقبلوني واحدًا منكم.

لكنّ الرجال البيض كانت لهم رؤيتهم الخاصة للبشر! مات والد فيليب وتولّى فيليب المُلك بعده، وهو اسمًا ورسمًا أقرب لهؤلاء الغزاة من بني قومه. لكنّهم كانوا في حاجة إلى أرضه، يريدون التوسُّع أكثر، وقد ضاق عليهم ما احتلوه من قبل؛ فأرسلوا وراءَه مَن يُراقبه ويتجسّس عليه، أحسّ بهم فيليب فقبض عليهم. وكانت تلك ذريعة كافية ليجتاحوا أرضه ويقتلوا قومه، ويصلبوه فوق الأخشاب، ولم يكتفوا بأرض فيليب صديقهم المسيحي، بل توغّلوا أكثر وأبادوا جملةً من القبائل المحايدة التي لم تناصبهم العداء ولا التحالف.

كانت هذه هي نهاية الملك فيليب، وكل فليب! ولعل أكثر ما يلفت النظر أن هذه التجربة التاريخية لم تبقَ حبيسة القارة الأمريكية، بل تحوَّلت إلى نموذج سياسي وثقافي جرى تصديره إلى أماكن أخرى من العالَم. فالفكرة ذاتها التي قامت على إحلال شعب مكان شعب، وصناعة شرعية جديدة بقوة السلاح، عادت للظهور في أماكن مختلفة وتواريخ مختلفة؛ حيث تشابهت الأدوات والسرديات، واختلفت فقط أسماء المدن والقبائل.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تكون الولايات المتحدة، منذ قيام إسرائيل، الراعي الأكبر لمشروعها السياسي والعسكري؛ فهي لا ترى فيه حالة استثنائية، وإنما تراها امتدادًا طبيعيًّا لتجربة تعرفها جيدًا، وتجيد الدفاع عنها؛ لأنها تُشبه بدايتها الأولى.

إن التاريخ يُعلِّمنا أن المستعمر لا يكافئ مَن يُذعن له، بل يُؤجِّل التخلُّص منه حتى تنتهي حاجته إليه. من الهنود الحمر إلى شعوب إفريقيا، ومن أستراليا إلى فلسطين؛ حيث كان الثمن دائمًا واحدًا: كل تنازل يقود إلى تنازل أكبر، وكل أرض تُتْرَك طوعًا تفتح الطريق إلى أرض أخرى.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الأمم ليس أن تُهْزَم في معركة، فالهزائم العسكرية قد تُعالَج، وإنما أن تقنع نفسها بأن البقاء مرهون برضا عدوّها. فعندما يصبح معيار السياسة هو استرضاء القوة بدلًا من حماية الحق، تتحوَّل التنازلات إلى سياسة دائمة، ويصبح الإذعان مشروعًا وطنيًّا قد يُسمِّيه البعض حِكْمة، أو فنّ الممكن، أو اتفاقية أوسلو... أيًّا ما كانت التسمية، بينما يواصل العدو التقدُّم؛ لأنه لم يَعتبر يومًا أن ما حصل عليه هو النهاية.

ذلك هو ثمن الإذعان... في البداية يَطلب سلامك، ثم ولاءك، ثم غيابك!!

هذه هي الحقيقة التي لم يُدركها الملك فيليب، فكم من «فيليب» في زماننا ما يزال مخمورًا بوَهْم القُرْب من عدوّه! يظن أن مشاركته المائدة تمنحه مكانًا عليها، وأن الاحتفال بأعياده يشتري له اعترافًا بوجوده، بينما هو -في حسابات القوة-، ليس أكثر من جسرٍ مُؤقَّت، أو سجادة تُفرَش تحت الأقدام، حتى إذا ارتقى عليها الخصم إلى غايته، التفت فلم يجد داعيًا للإبقاء عليها.

إن التاريخ لا يروي قصة الذين أذعنوا، بل يروي كيف انتهى بهم الإذعان إلى أن أصبحوا أول ضحاياه! وهذا دَرْس مُهِمّ لكلّ مَن لم يَعْتبِر بقصة «فيليب» ويتعظ بنهايته.

 

أعلى