هل تحولت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من تحالف إستراتيجي ثابت إلى شراكة تفرض على واشنطن أعباءً سياسية وعسكرية متزايدة، بما يعيد طرح مستقبل الدعم الأمريكي وحدود تأثيره في توازنات المنطقة خلال السنوات المقبلة؟
في لقاء تلفزيوني ضمن برنامج «بلا حدود»، على قناة الجزيرة، بتاريخ 1 يونيو 2008،
قدَّم الدكتور عبدالوهاب المسيري قراءةً تُفيد بأنّ بقاء دولة الاحتلال يتوقَّف على
عاملين خارجيين؛ الدعم الأمريكي غير المحدود، والغياب العربي غير المحدود؛ معتبرًا
أن تزعزع أحدهما كفيل بفتح الباب أمام أزمة وجودية في المشروع الصهيوني، لا سيّما
في حال شكّلت دولة الاحتلال عبئًا على واشنطن.
وقد لاقَى هذا الطرح استغراب الكثيرين آنذاك؛ إذ بدا غير واقعي ومستبعَد الحدوث؛
لغياب أيّ مؤشرات آنية أو استشرافية تدعم إمكانية تحقُّقه، لا سيّما في ظل المسار
الثابت الذي استقرّت عليه العلاقة الأمريكية «الإسرائيلية» في مختلف الأحوال
والظروف.
غير أن هذه الفَرْضية عادت بقوة إلى واجهة النقاش السياسي في الآونة الأخيرة، بعد
تسارع مؤشرات «العبء الإسرائيلي»؛ في ظل تصاعد التوتر العلني بين الطرفين مع احتدام
المواجهة العسكرية في المنطقة منذ السابع من أكتوبر 2023م.
شهدت العلاقات الأمريكية «الإسرائيلية» خلال العامين الأخيرين تحوُّلاتٍ تاريخية،
تمثَّلت في إعادة تشكيلٍ غير مسبوق لطبيعتها وهيكليتها؛ إذ انتقلت -لأول مرة في
تاريخها- من صيغة الدعم شبه غير المشروط إلى صيغة الدعم المشروط بالإطار العملياتي
وبإيقاع القرار الأمريكي، وهو ما بدا جليًّا في أواخر إدارة بايدن؛ إذ بقي الالتزام
الأمني الأمريكي راسخًا، لكنّه اقترن بضغط متزايد للدفع نحو تخفيف التكلفة
الإنسانية في قطاع غزة، وتجلَّى ذلك في تعليق شحنة قنابل ثقيلة في مايو 2024م قبيل
عملية رفح.
ثم جاءت إدارة «ترمب» في مطلع 2025م لتُعيد الزخم إلى الدعم العسكري والسياسي غير
المشروط؛ عَبْر تسريع صفقات السلاح العالقة، وفَرْض عقوبات على المحكمة الجنائية
الدولية؛ دفاعًا عن قادة حكومة الاحتلال. لكن سُرعان ما وجدت إدارة «ترمب» نفسها
تدريجيًّا أمام حليف لا يكتفي باستثمار دعمها، بل يدفعها إلى مناطق استنزاف
دبلوماسي وأخلاقي، ومؤخرًا أمني إستراتيجي، في ظل المواجهة مع إيران، ما اضطرها إلى
توجيه ضغطٍ على تل أبيب في الكثير من اللحظات الحاسمة ذات الصلة برسم المخرج
المؤقّت أو النهائي في ملفات غزة ولبنان وإيران.
ولا يقف هذا التعنُّت «الإسرائيلي» عند حدود إطالة أمَد الحرب، بل يصطدم كذلك مع
الرؤية الأمريكية الرامية إلى دَمْج تل أبيب إقليميًّا، وبناء مُكوِّن أمني شرق
أوسطي؛ فإصرار المملكة العربية السعودية على وجود مسار -لا رجعة فيه- نحو إقامة
دولة فلسطينية، واعتبار ذلك شرطًا حاسمًا وأساسيًّا لأيّ تطبيع مستقبلي، جعل
الإمعان «الإسرائيلي» في إطالة أمد الحرب محل رفضٍ أمريكي، لا سيّما وأنه ينقل
تكلفته السياسية والعسكرية إلى كاهل الولايات المتحدة، محوّلًا دولة الاحتلال من
أداة لتطويع المنطقة إلى عامل اضطراب داخل الإستراتيجية الأمريكية نفسها التي تهدف
من خلال توسيع اتفاقيات «أبراهام» إلى بناء تكتل إقليمي مُوحَّد لمواجهة النفوذين
الإيراني والصيني.
وعلى الصعيد الإستراتيجي، أثبتت المواجهة مع إيران أن هذا الحليف قد يتحوَّل إلى
عامل توريطٍ جيوسياسي يُثْقِل كاهل صانع القرار الأمريكي؛ إذ تجلَّى هذا العبء
بوضوح بعد أن مارَس نتنياهو ضغوطًا هائلة على إدارة الرئيس «ترمب» لجرّ واشنطن إلى
مواجهة عسكرية مباشرة، مُسوّقًا أوهامًا غير واقعية حول إمكانية إسقاط النظام
الإيراني، ما زاد من التورُّط الأمريكي في أزمةٍ عالمية مُعقَّدة عقب إغلاق مضيق
هرمز، دون امتلاك أيّ أوراق حَسْمٍ عسكري، عدا عن تعطيل المخرج الدبلوماسي، ما زاد
من التوتر بين تل أبيب وواشنطن لحدّ وصف «ترمب» نتنياهو بـ«المجنون»، على خلفية
تصعيد «إسرائيلي» في لبنان كاد يُطيح بالمفاوضات.
غير أن العبء الأشدّ عمقًا يتجاوز الملف الإيراني إلى التحوُّل المتصاعد في الرأي
العام الأمريكي نفسه؛ إذ لم يَعُد هذا العبء مجرد تنظيرٍ سياسي استشرافي، بل غدا
واقعًا يزداد تعقيدًا مع تحوُّل متصاعد بات يُشكِّل تهديدًا بنيويًّا غير مسبوق
يُعيد تشكيل الحسابات السياسية بعيدًا عن أولوية العلاقة مع دولة الاحتلال. فقد
تصاعدت حالة الرفض في الجامعات، والنقابات، ووسائل الإعلام، وشرائح واسعة من الشباب
الأمريكيين، وهو ما امتد تأثيره إلى داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ بفعل
التحوُّل الواسع في قواعدهما الانتخابية؛ ولعل إقدام مرشحين رئاسيين محتملين من
الحزب الديمقراطي إلى النأي بأنفسهم عن تلقّي تبرعات مباشرة من اللوبي الصهيوني
(آيباك)؛ إرضاءً لقواعدهم الانتخابية مثالًا بارزًا على مدى تأثير تحوُّل الرأي
العام الأمريكي.
ورغم أن هذا التحوُّل البنيوي لم يُتَرْجَم بعدُ إلى تخلٍّ سياسي ملحوظ، فإنه بلغ
حدًّا بات يُزعزع الأساس البنيوي المجتمعي والحزبي الذي قامت عليه تلك العلاقة؛ إذ
صارت قطاعات أمريكية واسعة تنظر إلى العلاقة بوصفها علاقة تكلفة لا مصلحة؛ ففي
استطلاع لجامعة كوينيبياك في يونيو 2026م، رأى 48% من الناخبين الأمريكيين أن
الولايات المتحدة داعمة بشكلٍ مُبالَغٍ فيه لدولة الاحتلال.
وفي حين أظهرت استطلاعات مركز بيو في أبريل 2026م أن 60% من الأمريكيين يحملون نظرة
سلبية تجاه «إسرائيل»، وصلت نسبة الرفض للسياسات «الإسرائيلية» داخل قواعد الحزب
الديمقراطي إلى 80%، وهي نسبة تعكس اتساع السؤال الداخلي المطروح حول جدوى الدعم
غير المشروط على حساب المصلحة الأمريكية.
وقد بات هذا التحوُّل في الرأي العام الأمريكي يُلقي بظلاله على المشهد السياسي
والحزبي؛ إذ لُوحظ تصاعُد نقاش حادّ وعلني على المستوى السياسي حول إنهاء الدعم
العسكري الأمريكي غير المشروط لدولة الاحتلال، وهو ما امتدَّ إلى داخل تيار «أمريكا
أولًا» الانعزالي داخل الحزب الجمهوري، وظهر جليًّا في تصريحات مسؤولين أمريكيين
بأنه لا ينبغي إراقة دماء أمريكيين من أجل أمن «إسرائيل».
ورغم هذا التحوُّل الجذري، إلا أن ديناميكية العلاقة باتت تحكمها اليوم مفارقة
لافتة؛ ففي مقابل هذا التآكل في القاعدة الشعبية ووصول الخلاف بين الطرفين إلى
مستوى غير مسبوق في تاريخ علاقتهما، بلغ التنسيق العسكري والأمني بينهما ذُروته،
مُتوَّجًا بخوض حربٍ مشتركة ضد إيران.
وفي هذا السياق، وصفت إستراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 دولة الاحتلال
بالحليف النموذجي الذي يقاتل بنفسه، فيما واصلت الإدارة الأمريكية ضخّ صفقات سلاح
بمليارات الدولارات، مستخدمةً صلاحيات الطوارئ لتجاوز اعتراض الكونغرس، كما تضمن
قانون الدفاع لعام 2027 بندًا يُؤسّس لاندماج صناعي وتقني دفاعي أعمق بين البلدين،
عبر شركاتٍ إنتاجية إستراتيجية متبادَلة، ما يجعل الدعم بنية مؤسسية يصعب تفكيكها
بتقلُّب المزاج السياسي الأمريكي في ظل التحوُّل العميق على المستوى الشعبي
والسياسي. وهذا التحوُّل الهيكلي هو الإطار الذي يُروِّج له نتنياهو على أنه مسعًى
لتصفير الاعتماد الكلي على واشنطن. ويشير ذلك، إلى أن واشنطن ما زالت تمنح تل أبيب
مظلة غير متاحة لأيّ شريك إقليمي آخر، لكنّها باتت أكثر استعدادًا لفرض رؤيتها في
اللحظات الحاسمة بشأن مسار التصعيد وشروط التسوية وغيرها، وهو ما بدا جليًّا مؤخرًا
في التسوية الأخيرة مع إيران.
ورغم استمرار تدفُّق الدعم العسكري والسياسي لـ«تل أبيب»؛ إلا أن ما يجري بينها
وبين واشنطن لا يُعدّ خلافًا تكتيكيًّا عابرًا، بل بات كاشفًا عن سؤالٍ يُطْرَح
بقوة؛ هل لا تزال دولة الاحتلال رصيدًا إستراتيجيًّا، أم أنها انقلبت إلى تكلفة
متراكمة تُقيِّد هامش المناورة الأمريكية، وتستنزف رأسمالها في إقليمٍ بات يُعيد
رسم توازناته؟
صحيحٌ أن التعاون الأمني والاستخباراتي والصناعي العسكري سيظل قائمًا بحكم القصور
الذاتي للمصالح المتشابكة؛ إلا أن العمود الفقري الذي حمل هذه العلاقة لعقود
-الإجماع الشعبي الأمريكي العريض والتوافق بين الحزبين-، قد أُصيب بصدعٍ بنيوي
يستعصي على الترميم، وقد يزداد عمقًا على المدى القريب، لا سيّما في حال استمر
التعنُّت «الإسرائيلي» في عدم المُضي قُدمًا لتثبيت تفاهمات وقف إطلاق النار في غزة
ولبنان، أو تعثُّر مسار التسوية مع إيران، أو مع تواصل تآكل الإجماع الشعبي
الأمريكي التقليدي المُؤيِّد لـ«إسرائيل»، وهو ما سيتّضح مدى تأثيره في انتخابات
التجديد النصفي المقرَّرة في نوفمبر 2026.