• - الموافق2026/06/16م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
دولة إقليمية بأفق التحوُّل إلى قطب دولي

هل يمكن أن تتحول الخلافات بين تركيا واليونان و"إسرائيل" إلى صراع أوسع، أم أن توازنات القوى الدولية ستمنع ذلك؟ وما الأبعاد الإستراتيجية التي تجعل هذا الملف من أكثر ملفات المنطقة حساسية وتعقيدًا اليوم؟


مغزى تحرُّك تركيا الآن تجاه جزر بحر إيجة المسلوبة منها تاريخيًّا؟

لماذا تستثمر «إسرائيل» في الخلاف بين اليونان وتركيا لإشعال الحرب؟

هل تدعم أوروبا الغربية قيام تحالف «إسرائيلي» يوناني ضد تركيا؟ وماذا عن موقف حلف الناتو؟

أين موقع سوريا وفلسطين في الصراع التركي الصهيوني؟

ولِمَ تدفع «إسرائيل» للحرب على تركيا عبر بوابة اليونان لا سوريا؟

 

يقال الآن: إن القادم هو تركيا، وإن سلسلة الحروب التي بدأها الكيان الصهيوني منذ تأسيسه (بعد حرب عام 1948)، بدأت بمصر في العدوان الثلاثي، ثم مصر وسوريا والأردن، وتمدّدت من بعد إلى لبنان وسوريا والعراق، ثم إلى إيران حاليًّا، ستذهب إلى تركيا قادمًا. ويقال أيضًا: مصر للمرة الثالثة.

ويقال الآن: إن اليونان تشعر بقلق إستراتيجي من تطوُّر قوة وقدرة تركيا، وأنها تسعى لبناء تحالف إستراتيجي يُؤمِّن لها مساندة كلٍّ من الولايات المتحدة والناتو وأوروبا و«إسرائيل»، ويحافظ على توازن إستراتيجي يمنع تركيا من التحرُّك لتغيير الشروط التي فُرِضَت على الدولة العثمانية عقب هزيمة الحرب العالمية الأولى.

لقد كانت الحرب على مصر في عام 1956 حربًا بريطانية فرنسية «إسرائيلية». وكانت الحرب على غزة -بعد طوفان الأقصى- صهيونية (أمريكية أوروبية). وكانت الحرب على إيران أمريكية صهيونية صريحة. والاحتمال المرجح، أن تواجه تركيا حربًا صهيونية (أمريكية) ويونانية (أوروبية) أيضًا، لمواجهة وتحجيم دورها الإقليمي متعدد الاتجاهات. ويقال: طموحاتها الدولية أيضًا!

فور أن تحركت تركيا (مؤخرًا) باتجاه قضية جزر بحر إيجة في مواجهة اليونان -وفق إستراتيجية الوطن الأزرق، التي تعمل عليها تركيا في محيطها البحري الذي يشمل البحر الأسود وبحر إيجة والبحر المتوسط-؛ تحركت فرنسا لدعم الموقف اليوناني. لقد جرى تجديد اتفاقية التعاون الدفاعي بين باريس وأثينا، وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن بلاده ستقف بحزم إلى جانب أثينا، وتدعم سيادتها في حال تعرضها لأيّ تهديدات تركية. كما تضمّنت النقاشات حول التعاون الدفاعي المشترك مقترحات بضم اليونان إلى «المظلة النووية» الفرنسية، كجزء من إستراتيجية الردع الأوروبية.

وقد جاء هذا التطور -باتجاه اليونان- في وقتٍ تتكاثر فيه التصريحات والمؤشرات والتقارير والتسريبات عن تحالفٍ متنامٍ بين اليونان و«إسرائيل» لمواجهة تركيا، وعن استعدادات «إسرائيلية» لشنّ حرب عدوانية على تركيا. ووفقًا لتقرير لجنة «ناجل» -المختصة بتقييم ميزانية وبناء القوات الصهيونية، ووضع خطط إستراتيجية طويلة المدى-؛ فإن ثمة حربًا قادمة على تركيا، وأن القيادة الصهيونية باتت تبني إستراتيجيتها وخططها العسكرية على اعتبار تركيا عدوًّا ومُهدِّدًا إستراتيجيًّا لـ«إسرائيل».

وقد تحدّثت مواقع إعلامية أمريكية عن احتمال قيام الكيان الصهيوني بتوجيه ضربة استباقية لتركيا على غرار ضربة عام 67 لمصر وسوريا والأردن، إذا ما شعرت بالتهديد. وحدَّدت المواقع الأمريكية تفاصيل تلك الضربة، فأشارت إلى أنها ستستهدف الطائرات التركية، ومصانع المُسيَّرات، وقواعد السفن البحرية، ومنظومات الدفاع الجوي، والبنى التحتية العسكرية.

ونشرت تقديرات إستراتيجية بأن «إسرائيل» تُهيِّئ الأجواء الإقليمية والدولية لسيناريو أقرب إلى السيناريو الأوكراني ضد روسيا، عبر إذكاء الصراع بين اليونان وتركيا، والتدخل لدعم اليونان ضمن تحالف غربي. وقد تحدثت تقارير إعلامية عن بَدْء «إسرائيل» تجهيز قواعد وإرسال جنود إلى قواعد في قبرص الرومية، وعن شراء أراضٍ وعقارات ضمن خططها للتحالف مع اليونان وقبرص.

ثلاثة اتجاهات إستراتيجية للصراع مع تركيا

بقدر ما تتصاعد قوة تركيا وتتحدد مواقفها في محيطها الجغرافي، وباتجاه قضايا الأقاليم الثلاثة التي تتفاعل معها (الشرق الأوسط- أوروبا- آسيا الوسطى والدول الناطقة بالتركية)؛ بقدر ما تُواجه من مشكلات وصراعات، باعتبارها دولة ذات ثِقَل إستراتيجي وتاريخي.

ويمكن القول بأن تركيا كمن يسابق الزمن في الاستعداد لمواجهة احتمالات الصدام الناتج عن تطورها، دون سعي للحرب العسكرية. وإن تركيا تتحرّك وتستعدّ وكأن الصدام واقع لا محالة، لكنّها تعتمد إستراتيجية مدروسة تسير عليها منذ سنوات، لتعديل ما فُرِضَ عليها منذ نهاية الحرب العالمية الأولى من شروط مُجْحفة ومُقيِّدة لحقوقها وحركتها الإقليمية والدولية، عَبْر فرض معادلات قوة تجعل الحرب وبالًا على خصومها، بما يدفعهم للإحجام عن شنّها.

1-استرداد الجزر واستعادة الحقوق البحرية

ناقش البرلمان التركي قانونًا يمنح الرئيس سلطة وصلاحيات استثنائية لإعلان «مناطق بحرية ذات وضع خاص»، وتحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة -ضمن إستراتيجية «الوطن الأزرق»-، بما أحدث قلقًا عميقًا في اليونان، وأعاد إحياء الصراع التركي اليوناني حول جزر بحر إيجة؛ إذ رأت اليونان أن القانون يفرض السيادة التركية على الجزر، ويمنحها سلطة التنقيب واستغلال الموارد في حيّزها البحري.

يحافظ المشروع على بقاء المياه الإقليمية التركية عند 6 أميال بحرية، لكنّه يسمح للرئيس التركي بتحديد مناطق بحرية تتجاوز نطاق الـ6 أميال، تصل إلى 200 ميل بحري في المناطق التي تستدعي حماية الأمن القومي ومصالح أنقرة البحرية والطاقية. وهو ما اعتبرته كلّ من اليونان وقبرص الرومية إجراءً أحادي الجانب ومخالفًا لقانون البحار الدولي، فيما تؤكّد تركيا أنه يهدف إلى حماية حقوقها ومصالحها الاقتصادية والسيادية.

يأتي نقاش هذا القانون في ظل اشتداد الصراع السياسي والإعلامي حول ما يترتب عليه بشأن حقوق السيادة في مناطق النفوذ البحرية والمناطق الاقتصادية الخالصة، والحق في التنقيب عن موارد الطاقة بالقرب من هذه الجزر، التي تقع شرقي البحر المتوسط على الساحل الغربي لتركيا.

وتتّهم السلطات التركية اليونان بـ«تسليح جزر بحر إيجة»، في «انتهاك لمعاهدتي لوزان 1923 وباريس 1947».

وللجزر في بحر إيجة قصة مليئة بالدلالات الحضارية والتاريخية من جهة، والسياسية والعسكرية من جهة أخرى.

لقد كانت تلك الجزر عثمانية حتى عام 1800، وهي أقرب إلى تركيا من اليونان. وتمتد من مضيق الدردنيل شمالًا إلى البحر الأبيض المتوسط جنوبًا. وتُمكّن السيطرة الحالية لليونان عليها مِن التحكُّم في منطقة بحرية اقتصادية واسعة، تاركةً لتركيا مساحة اقتصادية ضيّقة، لا تتناسب مع طول سواحلها على البحر المتوسط.

عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، واحتلال اليونان لأراضٍ تركية خلال الحرب اليونانية التركية (1919- 1922)، ورغم إجبار القوات اليونانية على الانسحاب من الأراضي التركية وفشل مشروع إنشاء اليونان الكبرى، إلا أن الجزر في بحر إيجة ذهبت إلى مصير آخر. لقد فقدت تركيا عددًا كبيرًا من تلك الجزر بتوقيع أتاتورك على معاهدة لوزان (1923)، فأصبح بعضها تحت سيطرة اليونان، والبعض الآخر تحت سيطرة إيطاليا؛ إذ قامت تركيا بتسليم جزر بحر إيجة لإيطاليا، مقابل تعهد إيطالي بنزع السلاح في الجزر القريبة من الحدود التركية.

وقد انتقلت هذه الجزر إلى السيطرة الألمانية في بداية الحرب العالمية الثانية. لكن هزيمة ألمانيا نقلت تلك الجزر إلى بريطانيا، التي سلمتها إلى اليونان. وتم تثبيت ذلك في معاهدة السلام بين الحلفاء وإيطاليا عام 1947، مع إنكار حق تركيا في الجزر رغم أنها انتُزِعَتْ من الدولة العثمانية بالأصل، وتُشكِّل امتدادًا جغرافيًّا للأناضول في تركيا.

ومنذ توقيع «معاهدة لوزان»، ثم «معاهدة باريس للسلام»، وتحديد وضع السيادة على جزر بحر إيجة، وتركيا تعاني من ظلم إستراتيجي وتاريخي، بما جعل قضية الجزر محورًا رئيسيًّا للنزاعات الجيوسياسية المستمرة بين تركيا واليونان. وقد توسع هنا الصراع بفعل تقسيم قبرص بين اليونان وتركيا -إثر حرب عام 1974-، وتصاعَد بعد اكتشاف الغاز والنفط في شرق المتوسط.

وقد تصاعد التوتر بين البلدين في صيف 2020، عندما حاولت تركيا القيام بأعمال تنقيب عن النفط والغاز في المياه المتنازَع عليها، غير أن استئناف المفاوضات الثنائية عام 2021 سمح بانفراج نِسْبي في العلاقات، لكنّ الصراع يتجدّد من يوم لآخر، وخاصةً بعد توقيع تركيا اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا.

وقد دخلت «إسرائيل» على خط الخلافات التركية اليونانية، وباتت تطور علاقاتها مع اليونان إلى حالة التحالف ضد تركيا، تحت عنوان ترسيم الحدود البحرية واستغلال الثروات وتوزيعها في شرق المتوسط.

2-تركيا و«إسرائيل» من السِّلم إلى الحرب

كانت تركيا هي الدولة الإسلامية الأولى التي تَعترف بالكيان الصهيوني وتقيم علاقات دبلوماسية معه، في عام 1949. ومنذ هذا التاريخ، والعلاقات تَمُرّ بتقلُّبات حادَّة، لكنها لم تصل في أيّ فترة سابقة إلى ما وصلت إليه الآن من حالة صراع قد تُفْضِي إلى حرب.

عقب الاعتراف التركي وتعيين السفراء في عام 1950، جرى توقيع اتفاقيات تجارية كانت بالغة الأهمية للكيان الصهيوني؛ إذ صدرت تركيا للكيان نصف احتياجاته من الحبوب.

لكنّ العلاقات توترت في عام 1956 إثر تنديد تركيا بدخول القوات الصهيونية إلى سيناء، وقررت تخفيض التمثيل الدبلوماسي، ولم تعد العلاقات إلى سابق عهدها إلا بعد 7 سنوات. وتكرر نفس الموقف التركي ضد «إسرائيل»، بعد العدوان الصهيوني على مصر وسوريا والأردن في عام 1967؛ إذ طالبت تركيا بانسحاب القوات الصهيونية من الأراضي التي احتلتها.

وزاد تدهور العلاقات بعد حريق المسجد الأقصى، وإثر تصويت تركيا في الأمم المتحدة على قرار باعتبار الصهيونية حركة عنصرية، وبسبب اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًّا للشعب الفلسطيني. لكن العلاقات عادت للحركة الإيجابية بمُضِي الوقت والحديث عن الاتفاقيات والسلام مع منظمة التحرير.

ومرة أخرى، عادت للتوتر بشكل أقوى عقب إعلان «إسرائيل» عن ضمّ القدس الشرقية؛ إذ ردت تركيا بتخفيض تمثيلها الدبلوماسي في تل أبيب. ومرة أخرى عادت العلاقات للتحسن، غير أنها عادت للتوتر والجمود عقب الجرائم التي ارتكبتها القوات الصهيونية خلال الانتفاضة الفلسطينية.

وشهدت العلاقات عودة لمسار التعاون في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، ووصلت حد التعاون الأمني والعسكري. وقّعت تركيا اتفاقية للتدريب الأمني مع «إسرائيل» عام 1994، تلتها اتفاقية للتدريب العسكري في 1996، إلى جانب اتفاقيات في مجالات الصناعات الدفاعية والتجارة الحرة. وبلغ مستوى التعاون ذُروته عام 1998، مع تنفيذ مناورات بحرية مشتركة في البحر الأبيض المتوسط جمعت بين القوات التركية و«الإسرائيلية» والأمريكية.

ويبدو من متابعة حركة العلاقات، أنها تسير في خط صاعد من التدهور منذ وصول حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان للحكم.

كان موقف أردوغان في منتدى دافوس، في مواجهة شيمون بيريز، إعلانًا بانطلاق تغيير كبير وثابت في العلاقات، لتتحوَّل إلى حالة صراعية. ففي منتدى دافوس الاقتصادي عام 2009، انفجرت مشادة كلامية غير مسبوقة بين أردوغان والرئيس «الإسرائيلي» -وقتها- شمعون بيريز، الذي حاول تبرير العدوان على غزة. فرد أردوغان بحدة قائلًا: «إن ارتفاع صوتك ناجم عن الشعور بالذنب... أنتم تعرفون جيدًا كيف تقتلون... رأيت كيف قتلتم الأطفال على الشاطئ»، مضيفًا: «انتهى دافوس بالنسبة لي»، ثم غادر القاعة. حينها لقي موقفه صدًى كبيرًا لدى الرأي العام العالمي، وخاصةً في العالم العربي.

وهو ما ترافق مع موقف تركي متصاعد ضد الجرائم الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني من جهة، ومع تقارب تركيا من الدول العربية من جهة أخرى.

ويمكن القول بأن هجوم القوات الصهيونية على سفن أسطول الحرية المتوجه إلى غزة، في عام 2010، وقتل 9 من الأتراك كانوا على متن السفينة التركية مرمرة، مثَّل محطة بارزة في تحوُّل العلاقات إلى العداء، وأن رعاية تركيا لعملية تغيير الأسد ومساندتها للحكم الجديد في سوريا، قد أحدثت نقلة أخرى في حالة العداء.

لقد أعلنت تركيا إلغاء كافة الاتفاقيات العسكرية مع الكيان الصهيوني، وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي. وقد أصدرت الجهات القضائية التركية بعدها لائحة اتهام تضم 23 مسؤولًا صهيونيًّا، على رأسهم نتنياهو، اتُّهموا بارتكاب جرائم حرب في قضية الهجوم على أسطول الصمود. وفي الجانب الصهيوني، قامت القوات الصهيونية بقصف إحدى القواعد السورية بعدما جرى الحديث عن احتمال استخدام القوات التركية لها.

وهكذا، اتجهت العلاقات إلى الصراع والتلويح بالحرب في الفترة الأخيرة. وفي ذلك تتحدث الكثير من التقارير عن أن كلاً من تركيا والكيان الصهيوني بات يضع الآخر في خانة تهديد الأمن القومي، وأن كليهما بات في مواجهة الآخر في مناطق متعددة تمتد من سوريا وقبرص إلى الصومال.

لكن إشعال الحرب المباشرة يبدو خطوة صعبة تتطلب موازنات كبرى، بين تركيا التي تحمل صفة العضو الكامل في حلف الناتو، والكيان الصهيوني الذي يحمل صفة الحليف الإستراتيجي لدى الغرب والولايات المتحدة.

ولذلك تتحرك كل من اليونان -عضو الناتو والاتحاد الأوروبي- و«إسرائيل»، الحليف الأقوى للناتو، لفتح الطريق للحرب على تركيا عبر بوابة اليونان.

3-أبعاد إقليمية ودولية للصراع مع تركيا

تنظر اليونان والكيان الصهيوني وبعض دول أوروبا الغربية إلى تصاعد معالم قوة تركيا باعتبارها حالة تحمل مخاطر إستراتيجية -وكذا روسيا، إن لم يكن الولايات المتحدة والهند والصين أيضًا-، وهنا تتداخل عدة عوامل واعتبارات قد تدفع للحرب:

أولها: الدور التاريخي للدولة العثمانية في أوروبا؛ إذ كانت الدولة العثمانية قد تمددت في داخلها، ونتج عن ذلك أبنية مجتمعية لا تزال بعض أُسسها باقية، وهو ما ظهر واضحًا في رفض أوروبا طلب انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.

كما أن تركيا تتطور قدراتها في إقليم الشرق الأوسط، بما يُهدّد الدور الأوروبي والطموح الصهيوني في هذا الإقليم، خاصةً مشروع الشرق الأوسط الكبير. وهي وضعية تاريخية يترتب عليها جوانب إستراتيجية بشأن فلسطين أيضًا؛ إذ أُطلق وعد بلفور واتُّخِذ قرار إقامة الكيان الصهيوني، فيما كانت فلسطين تحت سيطرة الدولة العثمانية.

وثانيها: إن هناك رؤى تقول: إن تركيا ليست صاحبة مشروع دولة إقليمية فاعلة تتصاعد عوامل قوتها فقط، بل إن لديها إمكانية للنهوض وبناء قطب دولي، باعتبارها تتحرك باتجاهات إستراتيجية تضم الشرق الأوسط وأوروبا والدول الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى، وفي إفريقيا أيضًا.

وتصل التقديرات الواردة في تقارير غربية -وبعضها عربية- حدّ التشديد على بعث العثمانية من جديد، وأن لتركيا خططًا إستراتيجية بمراحل متدرّجة للعودة لممارسة دورها الدولي.

وإذا كان توسع الدور الإقليمي في الشرق الأوسط أحد الأوجه التي ذهبت بالوجود التركي إلى الصومال وقطر وإفريقيا، فهناك مَن يراقب -بشكٍّ وحذر- الخطط والتحركات التركية لاستعادة دورها في الدول الناطقة بالتركية، الذي ظهر جليًّا بمساندة تركيا لأذربيجان ضد أرمينيا، ويتواصل عبر مجلس الدول الناطقة بالتركية، أو منظمة الدول التركية بدءًا من عام 2009، التي تضم تركيا، أذربيجان، كازاخستان، قيرغيزستان، وأوزبكستان كدول أعضاء، وتضم المجر، تركمانستان، وجمهورية شمال قبرص التركية بصفة مراقب.

وهو ما يجعل الصراع مع تركيا صراعًا مع دولة إقليمية كبرى تتحرك بأفق بناء قطب دولي، بما يحفّز الولايات المتحدة و«إسرائيل» وأوروبا وروسيا والصين على القلق الإستراتيجي.

خيارات اليونان

تدرك اليونان عدم قدرتها منفردةً على مواجهة تركيا، وأن الغطاء الغربي الذي تمتَّعت به خلال الحرب اليونانية التركية، بما مكَّنها من احتلال أراضٍ تركية، والغطاء الروسي الذي تمتعت به خلال الحرب الأهلية -باعتبارها دولة أرثوذكسية-، والغطاء الذي تمتعت به خلال الحرب العالمية الثانية وأدّى لسيطرتها على الجزر؛ لم يَعُد قائمًا بنفس الدرجة. ولذا تسعى للذهاب باتجاه فرنسا، للاستثمار في الصراع التركي الفرنسي الذي تفاقم في أرمينيا خلال الحرب الأذربيجانية الأرمينية، وفي إفريقيا بسبب الدور التركي في إفريقيا.

وتتخوف اليونان من الصراع داخل الناتو بحكم أنها وتركيا عضوان في نفس الحلف، وهي وإن كانت تدرك أن الحلف سيميل إليها، لكنها تدرك أن الحلف لا يستطيع الانحياز عسكريًّا لها، إلا في حالات خاصة، بحكم حاجة دول الناتو (الأوروبية) للقوة التركية بعد التوتر الحادث بين أمريكا وأوروبا، وبسبب حاجة أوروبا لتركيا وجيشها في ظل الصراع واحتمالات الحرب بين أوروبا وروسيا.

ولذا، ستتحرك اليونان باتجاهات متعددة، لكنها ستركز بشكل إستراتيجي -سياسي وعسكري-، على التحالف مع «إسرائيل» تحديدًا، باعتبارها «دولة محاربة»، وتشعر بتهديد إستراتيجي بالزوال. وهو ما يتلاقَى مع الإستراتيجية «الإسرائيلية» التي تفضّل الخيار اليوناني للحرب مع تركيا.

خيارات «إسرائيل»

تتشابك وتتعقد حركة الصراع بين تركيا و«إسرائيل»، ويمتدّ ويتمدّد نطاقها بشكل متصاعد. وقد وصل الحال أخيرًا أن يتحدث نتنياهو عن مواجهة وإسقاط ما وصفه بالمحور السُّني، الذي اعتبر لتركيا دورًا فاعلًا في تشكيله.

ترى «إسرائيل» أن ما يسمى ببَعْث العثمانية يُنمِّي مسؤولية تركيا في مواجهة الكيان الصهيوني لأسباب دينية وتاريخية. وترى «إسرائيل» الدور التركي المتنامي في الصومال محاولةً لحصار «إسرائيل» عند مداخل البحر الأحمر، وكذا دور تركيا في مواجهة ميليشيات «حميدتي» في غرب السودان، ودورها ونفوذها على سواحل البحر الأحمر (مشروع سواكن). وتنظر «إسرائيل» بقلق إلى الوجود والدور التركي في سوريا، وتنظر بعين الخطر إلى خط سكة حديد الحجاز، الذي تتحرك تركيا لإحيائه من إسطنبول إلى مكة المكرمة، بل وترى «إسرائيل» أن الدور التركي كان مضادًّا لأهداف «إسرائيل» وأمريكا في الحرب على إيران... إلخ.

وأخطر ما تراه «إسرائيل» في تركيا، أنها دولة صاعدة في قدراتها الصناعية المدنية والعسكرية، وأنها دولة ذات وزن إستراتيجي إقليمي قادر على حَشْد قوى إقليمية وشلّ تدخلات قوى حليفة لـ«إسرائيل»، وأنها دولة ذات رؤية حضارية يُعادي شعبها مشروع الإبادة الصهيوني.

ولذا تسعى «إسرائيل» للتحالف مع اليونان، والاستثمار في قوتها بذاتها -بديلًا لدخول حرب مع تركيا عبر بوابة سوريا-؛ إذ إن الحرب عبر اليونان تجذب قوًى أوروبية إلى صف اليونان، وتطرح قضية الصراع حول النفط والغاز في شرق المتوسط، بما يضمن دور وتأثير شركات أمريكية وأوروبية على سياسات الدول الغربية.

خيارات تركيا

تدرك تركيا المخاطر التي تحيط بها، ليس فقط من اليونان و«إسرائيل»، بل من أوروبا وروسيا والولايات المتحدة التي لعبت الدور الأساس في قيادة ورعاية ودعم حركة الخدمة التي كان يقودها «فتح الله غولن»، الذي نُظِرَ إليه كذراع للولايات المتحدة و«إسرائيل»، في محاولة الانقلاب العسكري التي أحبَطها الشعب التركي 2016.

وهي تتحرّك بخطوات محسوبة للغاية على نحو إستراتيجي سياسيًّا وعسكريًّا، وكأن الحرب واقعة لا محالة، لكنها تتحرَّك أساسًا باتجاه تقوية دورها ووجودها الإقليمي والدولي لردع الآخرين عن اتخاذ قرار شنّ الحرب عليها.

والمتوقع أن تُكرّر تركيا إستراتيجية التحرُّك الإستراتيجي بعيد النظر في سوريا والصومال والعراق، وباتجاه الدول العربية، خاصةً ليبيا، في تعاملها مع التهديدات اليونانية و«الإسرائيلية». ويبقى أن الأخطر فيما يجري، أن تحالف اليونان يتصاعد مع «إسرائيل»، وأن قضايا الجزر ورسم خطوط الحدود البحرية في شرق المتوسط صارت الآن قضية «إسرائيلية» يونانية وليست يونانية فقط.

 

أعلى