• - الموافق2026/05/18م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
الأمن القومي الخليجي بين التعايش التكتيكي والردع الإستراتيجي

كيف غيّرت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران مفهوم أمن الخليج، ولماذا أصبحت دول مجلس التعاون مطالبة ببناء مشروع دفاعي وسياسي موحّد يواجه التهديدات الإيرانية، ويقلّل الاعتماد على المظلة الأمريكية، ويحفظ استقرار الطاقة والممرات البحرية مستقبلًا؟


تكشف المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران أن الخليج لم يَعُد يُواجه أزمة أمنية عابرة، بل تحوَّل إلى مركز الصراع الأكثر حساسية في النظام الدولي؛ حيث تتقاطع فيه مصالح الولايات المتحدة، والدولة العبرية، والصين، وروسيا، وتركيا، وباكستان، بينما تقف دول مجلس التعاون الخليجي أمام لحظة تاريخية قد تُعِيد تشكيل بِنيتها الأمنية والسياسية بالكامل؛ كونها منطقة المركز في هذا الصراع، ولكونها تمتلك ما يبحث عنه المتصارعون؛ وهو الطاقة.

ما كشفت عنه عملية «الغضب الملحمي»، كما أسمتها الولايات المتحدة، لم يكن فقط حجم القدرة الإيرانية على الاستنزاف طويل الأمد، بل ضعف الردع الخليجي المُوحَّد أمام حرب مُركَّبة تجمع بين الصواريخ الباليستية، والطائرات المُسيَّرة، والحرب السيبرانية، وضرب سلاسل الطاقة والموانئ والممرات البحرية، وهو ما دفَع مؤسسات مثل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) ومعهد بروكينغز إلى الحديث عن تحوُّل هيكلي في مفهوم أمن الخليج خلال السنوات المقبلة.

لكنّ فهم مستقبل هذا الصراع يتطلب العودة إلى جذوره الحضارية والتاريخية؛ لأن التنافس الإيراني-العربي لم يُولَد مع الثورة الإيرانية عام 1979م، بل يمتد إلى إرث طويل من التنافس الجيوسياسي بين المجال العربي في الجزيرة العربية والمجال الفارسي شرق الخليج. وقد رصَد المؤرخ المتخصص ريتشارد فراي في كتابه الكلاسيكي «إرث إيران» هذا التجاذب الحضاري العميق الذي يمتد لأكثر من ألفين وخمسمائة عام، مشيرًا إلى أن المواجهة بين الكتلتين الجغرافيتين لا تقتصر على البُعْد العسكري، بل تطال البُعْد الهوياتي والثقافي في جوهره.

في الوعي العربي التقليدي تُستحضر معركة ذي قار بوصفها لحظة رمزية لانتصار القبائل العربية على الإمبراطورية الساسانية، وقد أُعيد توظيف هذه الذاكرة لاحقًا في الخطابات القومية العربية باعتبارها أول كسر للنفوذ الفارسي بوصفه نفوذًا استعماريًّا. ومع صعود الإسلام، خفَّت النزعة القومية لصالح وحدة دينية أوسع، لكنّ الصراع السياسي أنتج لاحقًا الانقسام السني-الشيعي، والذي تحوَّل في العصر الحديث إلى أداة تعبئة جيوسياسية منذ أن حوَّلت الدولة الصفوية «ولاية الفقيه» إلى مظلة أيديولوجية للعودة للمنطقة بهوية استعمارية جديدة. هذا المرتكَز الأيديولوجي تحوَّل، منذ الثورة الإيرانية، إلى أداة لبناء شبكات النفوذ الإقليمية الممتدة في العراق ولبنان وسوريا واليمن.

في المقابل، تقف المملكة العربية السعودية بحكم احتضانها للحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة مرتكزًا للمركزية الدينية السُّنية، وهو ما يمنح الصراع بُعدًا رمزيًّا يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، ويجعله في جوهره صراعًا على الشرعية داخل الفضاء الإسلامي الواسع.

بالإضافة إلى البُعْد الأيديولوجي والعِرْقي في هذا الصراع؛ فإن أخطر ما يُواجه الخليج هو ما تصفه الأدبيات الإستراتيجية الحديثة بـ«لعنة الجغرافيا»، وهو مصطلح أَطَّره الصحفي والكاتب الإستراتيجي «تيم مارشال» في كتابه الشهير الصادر عام 2015م؛ إذ يُبيِّن كيف تُشكِّل الجغرافيا مساري السياسة والصراع تشكيلًا حتميًّا لا يمكن تجاوزه. فدول الخليج تقع في مساحة جغرافية بحرية ضيّقة ذات كثافة عمرانية واقتصادية عالية، وتتركز منشآتها النفطية وموانئها ومطاراتها الحيوية بالقرب من السواحل، بينما تمتلك إيران عمقًا جغرافيًّا هائلًا، وسواحل طويلة على الخليج العربي ومضيق هرمز، وعدد سكان يتجاوز تسعين مليون نسمة يهيمن على هويتهم السياسية حوزات علمية شيعية تصنع قاعدة السلطة، وتزكي رأسها وتحافظ على تماسكها، ما يمنحها قدرة أعلى على امتصاص الصدمات العسكرية طويلة الأمد، ويجعل محاولات واشنطن وتل أبيب المتواصلة لإسقاط النظام من الداخل تفشل باستمرار.

خلال الأربعين يومًا من عملية «الغضب الملحمي» كما تصفها واشنطن، استخدمت إيران الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ضد دول الخليج وسيلةً للضغط غير المباشر على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب التي بدأت بدون موافقة دول مجلس التعاون الخليجي، وبمباركة ومشاركة صهيونية كانت تهدف -وفقًا لتصريح العميد المتقاعد يوسي كوبرفاسر، رئيس معهد القدس للإستراتيجية والأمن- إلى إسقاط النظام الإيراني، وتدمير المشروع النووي الإيراني، وربط منظومة الأمن الأمريكي في الخليج بمصير الدولة العبرية، وتوزيع أثر الضربة وردة الفعل الإيرانية على المنطقة بدلًا من تركيزها على تل أبيب.

لذلك لم تستهدف الضربات الإيرانية فقط الأصول العسكرية الأمريكية في الخليج فحسب، بل استهدفت أيضًا البنية التحتية الحيوية والمواقع المدنية في دول الجوار. ولم تتوقف هذه الضربات مع وقف إطلاق النار، فقد تعرَّضت الكويت والإمارات العربية المتحدة للقصف عدة مرات، وأبلغت قطر عن اعتراض صواريخ كانت مُوجَّهة نحو أراضيها وتضررت لها مصفاة غاز.

 لذلك، فإن ما جرى في نظر خبراء السياسة وصُنّاع القرار في بلدان مجلس التعاون الخليجي هو أن فرص التعاون والتعايش التي حاولت الصين صناعتها عام 2022 و2023، والتي تُوِّجَت بالإعلان عن اتفاق إعادة العلاقات السعودية الإيرانية في مارس 2023م، تلاشت عقب المواجهة الأخيرة، وحوّلت النظام الإيراني إلى تهديد عسكري مباشر للأمن القومي لجيرانه العرب، بدلًا من كونه طرفًا إقليميًّا يمكن التعاون معه عبر الأُطُر المؤسسية. هذا التحوّل يُضْعِف الثقة في أيّ حوار مستقبلي، ويُعزّز موقفًا أمنيًّا متشددًا تجاه طهران.

ونتيجة لهذه المقامرة الأمريكية الصهيونية دفعت دول مجلس التعاون الخليجي تكلفة اقتصادية مرتفعة أهمها ما نشره المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS)، حول موافقة الولايات المتحدة على مبيعات أسلحة طارئة لدول الخليج بقيمة تزيد عن 41 مليار دولار أمريكي منذ 19 مارس (منها 17 مليار دولار لم يُعلَن عنها)، خُصِّص نصفها تقريبًا لصواريخ باتريوت الاعتراضية. كذلك تشير بيانات شركة كيبلر (Kpler) المتخصصة في تتبُّع حركة السلع العالمية إلى أن أكثر من 38% من واردات الصين من النفط الخام المنقول بحرًا مصدرها منطقة الخليج، بالإضافة إلى اليابان التي تعتمد أيضًا على كميات كبيرة من النفط الخام من المنطقة، وخاصةً المملكة العربية السعودية. أما أوروبا فتستورد حوالي 45% من وقود طائراتها من الخليج.

ومن الدلالة بمكان أن هذه الأرقام تعني أن مضيق هرمز يُمثّل بؤرة عبور شحنات الطاقة الأعلى في العالم؛ إذ تمر عبره -وفق آخر إحصاءات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)- ما يتراوح بين سبعة عشر وعشرين مليون برميل نفط يوميًّا تمثل نحو عشرين بالمائة من مجموع السيولة النفطية العالمية، وتشكل بسببها تكلفة اقتصادية ضخمة على منطقة الخليج.

وبالمثل، فإن استمرار الاضطرابات سيضر بشدة بمُصدّري الخليج أيضًا. فعلى سبيل المثال، يأتي 90% من ميزانية العراق من عائدات النفط. والأمر ذاته ينطبق على الكويت التي تعتمد على النفط في أكثر من 85% من إيراداتها العامة وفق تقارير صندوق النقد الدولي. ولم يتوقف الضرر بالنسبة لبلدان مجلس التعاون الخليجي على الخسائر المباشرة نتيجة الحرب، لكنها ستدفع ثمنًا باهظًا في حال جرت تسوية بين الولايات المتحدة وإيران، تعترف فيه واشنطن بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز، والسماح لها بفرض رسوم على حركة المرور البحري فيه، لذلك يقول «رون بوسو» الكاتب في وكالة رويترز: «إن ما يجري يكاد يتحوّل من اضطرابات مؤقتة إلى تحوّل إستراتيجي قد يُعيد تشكيل مستقبل الخليج، ويفرض واقعًا جديدًا تصبح فيه طهران قادرة على التحكم الانتقائي بحركة التجارة والطاقة العالمية؛ عبر تحديد مَن يَمُر عبر المضيق ومَن يُمنَع، وهو ما يمثل انتقالًا من سياسة التهديد بإغلاق هرمز إلى سياسة أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة المرور كورقة نفوذ طويلة الأمد، لذلك فإن أخطر ما في السيناريو المطروح ليس احتمال الإغلاق الكامل للمضيق، بل تكريس حالة ضبابية دائمة تجعل حركة التجارة رهينة لحسابات سياسية وأمنية متغيرة، بما يدفع دول الخليج إلى تسريع البحث عن بدائل لخطوط التصدير وتعزيز قدراتها البحرية، دون أن تمتلك في الوقت ذاته بديلًا حقيقيًّا يُعوّض الأهمية الإستراتيجية لهرمز.

في ظل حالة المفاوضات المتواصلة بين واشنطن وطهران التي تؤكد أن فرصة حسم عسكري للمعركة قريبًا أصبحت ضعيفة جدًّا، فإن دول الخليج مجتمعة تُواجه مصيرًا مشتركًا في حال انسحاب واشنطن من المواجهة دون تحقيق ردع يَحُد من طموحات إيران، ويجبرها على وقف سيطرتها على مضيق هرمز، ويتطلب منها مجموعة خطوات مستقبلية؛ من أهمها:

1-التأسيس والإعداد لإنشاء عقيدة قتالية خليجية مُوحَّدة تتجاوز الصيغة التقليدية لمجلس التعاون الخليجي؛ بحيث يتم الانتقال من التنسيق الدفاعي الانتقائي إلى بناء مظلة ردع مُوحَّدة، ومنظومات قيادة وسيطرة مشتركة، وقوات تدخُّل سريع، وشبكات دفاع جوي وصاروخي مُوحَّدة. ويُعدّ هذا النهج المتكامل ضرورة أمْلتها الهشاشة التي كشفت عنها المواجهة الأخيرة. ومنطقيًّا أن تقوده المملكة العربية السعودية باعتبارها الدولة الأكبر اقتصاديًّا، والأوسع تأثيرًا سياسيًّا، والأكثر امتلاكًا للشرعية الدينية داخل العالم الإسلامي.

ويستند هذا النهج إلى نماذج مرجعية بارزة في التكامل الدفاعي الإقليمي، أبرزها تجربة حلف شمال الأطلسي (NATO) في بناء منظومة الدفاع المتكاملة، وإن كانت الاختلافات الجيوسياسية والسياسية بين أعضاء مجلس التعاون تستوجب نموذجًا مُهجَّنًا يأخذ في الاعتبار الطبيعة السيادية لكل دولة وهواجسها الأمنية الخاصة. هذا التحوُّل سيكون ضروريًّا تحديدًا في ظل تراجع الثقة الخليجية المطلقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، خاصةً بعد التردد الأمريكي في الرد الحاسم خلال هجمات أرامكو عام 2019م، وما أعقبه من جدل واسع داخل أروقة صُنع القرار في دول الخليج حول مدى موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، وفشل التغطية الأمريكية في الحرب الأخيرة في خفض الضرر الذي تعرَّضت له المنطقة، والتركيز على توفير مظلة حماية للدولة العبرية على حساب الأمن الخليجي.

2-وفي المدى المتوسط، قد تعتمد الرياض والعواصم الخليجية على شراكات تطويرية دفاعية مع باكستان وتركيا بدلًا من الارتهان الكامل للولايات المتحدة. باكستان تمتلك خبرة إستراتيجية في الردع الصاروخي والنووي، تجلّت في تطوير منظومات مثل «غوري» و«شاهين» الباليستيتين، إضافة إلى امتلاكها صناعة فضائية وإلكترونية دفاعية ناضجة. بينما طوّرت تركيا خلال العقد الأخير قاعدة صناعات دفاعية متقدمة عبر شركات مثل بيكار (Baykar) وأسيلسان (ASELSAN) وصناعات الطيران التركية (TAI)، فأنتجت طائرات مسيّرة من طراز بيرقدار TB2 و«أقينجي» التي أثبتت فاعليتها القتالية في ليبيا وأذربيجان وأوكرانيا. وهو ما يجعل المحور السعودي-التركي-الباكستاني مرشحًا ليصبح أحد أبرز التحالفات الصاعدة في الإقليم إذا استمر التهديد الإيراني. ويرى بعض المحللين في مؤسسة «راند» أن هذا المثلث يمتلك مقومات التعاون الدفاعي المتكامل المُغيَّب عن الخليج، وتأمين الإطار القانوني والتمويلي الكافي لتحويل الشراكة الأمنية إلى واقع مؤسسي.

2-البُعْد الديمغرافي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في الخليج؛ فالحروب الحديثة لا تُحْسَم فقط بالتكنولوجيا، بل أيضًا بقدرة الدول على امتصاص الخسائر البشرية والاقتصادية طويلة المدى. لذلك تستفيد إيران من كتلة سكانية كبيرة تتجاوز التسعين مليون نسمة يحكمها أيديولوجيًّا حوزات علمية شيعية تسيطر على مخرجات القيادة السياسية والأمنية من القاعدة إلى رأس الهرم السياسي الإيراني، مقارنةً ببعض الدول الخليجية ذات الاعتماد المرتفع على العمالة الأجنبية، وهو ما يُولِّد هشاشة هيكلية في الجسم الاجتماعي عند الحديث عن الأمن القومي المجتمعي. لذلك قد تجد دول الخليج نفسها مستقبلًا مضطرة لإعادة هيكلة سياساتها السكانية، وتعزيز الكتلة الوطنية المنتجة، وتوسيع برامج الخدمة العسكرية. وهي عوامل تُؤسِّس على المدى البعيد لكتلة بشرية أكثر استعدادًا للمساهمة في المنظومة الأمنية الوطنية. ويرى الباحث توبي ماتيسن في دراسته حول الشيعة في الخليج أن الهشاشة الديمغرافية الداخلية باتت تمثل ثغرة يمكن أن تُوظّفها طهران في حروب الجيل الرابع القائمة على استهداف التماسك المجتمعي.

3-سياسيًّا، أثبتت الأزمة الأخيرة أن غياب سياسة خارجية خليجية موحدة يمنح القوى الخارجية فرصًا لاختراق المنظومة الخليجية؛ مثل التباينات الحاصلة في ملفات مثل العلاقة الإماراتية الصهيونية والعُمانية الإيرانية. لذلك من هذا المنطلق، يزداد احتياج دول الخليج إلى تطوير صيغة كونفدرالية خليجية أكثر تماسكًا بقيادة المملكة العربية السعودية؛ نظرًا لقوتها الاقتصادية والعسكرية ومساحتها الجغرافية ورمزيتها الدينية، ليس بالمعنى الاندماجي الكامل الذي يصطدم بعوائق السيادة والهوية الوطنية، وإنما عبر توحيد السياسات الدفاعية والخارجية، وسنّ آليات إلزامية لمنع أيّ مسار منفرد قد يجرّ بقية الدول إلى صدامات لا تخدم المصلحة الجماعية؛ لأن الانقسام السياسي هو قنبلة موقتة قابلة للانفجار في أيّ لحظة.

معادلة المصالح المشتركة والتعايش التكتيكي

رغم التصعيد الأخير، فإن نقطة الالتقاء الكبرى بين الخليج وإيران تظل اقتصادية وجغرافية؛ فكلا الطرفين يعتمد على استقرار أسواق الطاقة، وكلاهما يعيش داخل المجال الجغرافي ذاته، أو ما يُعرَف بلعنة الجغرافية، لهذا فإن السيناريو الأكثر عقلانية على المدى البعيد قد يكون الانتقال من مرحلة الردع القاسي إلى مرحلة فرض توازن إقليمي جديد قائم على الاعتراف المتبادل بالمصالح، شبيه بما حدث في أوروبا الغربية عبر نظرية «كارل دويتش» حول «مجتمعات الأمن»؛ التي يُفضي فيها التشابك الاقتصادي الكثيف إلى جعل الحرب خيارًا غير عقلاني. غير أن ذلك لن يتحقق إلا إذا امتلك الخليج أولًا قدرة ردع مستقلة تمنحه موقع تفاوض متوازنًا، بدلًا من الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.

لذلك فإن مستقبل الخليج لن يُحسَم فقط في واشنطن أو طهران أو تل أبيب، بل في قدرة العواصم الخليجية نفسها على الانتقال من منطق رد الفعل إلى بناء مشروع جيوسياسي موحد يُعيد تعريف الأمن والهوية والسيادة في المنطقة. فالفاعلون الإقليميون هم مَن يرسمون في نهاية المطاف ملامح النظام الإقليمي القادم، بصرف النظر عن حجم الضغوط الخارجية. لذلك يمكن النظر إلى الحرب الأخيرة على أنها شكَّلت لحظة فارقة في تاريخ أمن الخليج، لا لأنها أسدلت الستار على مرحلة من التنافس الإيراني-الخليجي؛ بل لأنها كشفت بوضوح عن حدود الإطار الأمني الراهن وضرورة إعادة هندسته الجذرية.

وأهم الدروس المستفادة وأولها؛ أن التهديد الإيراني تجاوز حاجز التهديد الافتراضي إلى التهديد الوجودي الفعلي، وأن إدارة التوترات بالقنوات الدبلوماسية وحدها لم تَعُد كافية. وثانيها أن الاعتماد الأمني الكامل على واشنطن بات محل تساؤل إستراتيجي جدّي يستوجب تنويع الشراكات وبناء القدرة الذاتية. وثالثًا أن الوحدة الخليجية باتت مسألة وجود وليست مجرد خيار سياسي.

أعلى