• - الموافق2026/05/18م
  • تواصل معنا
  • تسجيل الدخول down
    اسم المستخدم : كلمة المرور :
    Captcha
مصير ميليشيات غزة

كيف فسّرت الحرب في غزة صعود ميليشيات محلية مدعومة من الاحتلال، وما أدوارها الأمنية والإدارية والاستخبارية، وتأثيرها على المقاومة والحاضنة الشعبية، ومستقبلها المحتمل بين التفكك السريع أو التحول إلى تهديد دائم للاستقرار الداخلي الفلسطيني؟


بعد اندلاع طوفان الأقصى، وتحديدًا بعد مُضي عدة أشهر على بَدْء الحرب في قطاع غزة، ظهر في أُفق الصراع، مجموعات محلية مسلحة في قطاع غزة، ليست لها علاقة بفصائل المقاومة الفلسطينية وتُكِنّ لها العداء.

كان من الواضح أن تلك المجموعات المسلحة تَلْقى دعمًا وتشجيعًا من الكيان الصهيوني.

هذا الدعم يتجاوز مجرد الدعم المالي أو التسليحي، ولكنه -على ما يبدو- بدأ من التبنّي والتكوين وصولًا إلى التوظيف والتوجيه.

 

وبعد إجبار الإدارة الأمريكية بزعامة «ترمب» رئيس الوزراء الصهيوني «نتنياهو» على إيقاف النار، ووقف جزئي للإبادة الجماعية التي كانت تجري في غزة؛ ظهرت عمليات تلك الفصائل أو الميليشيات المسلحة على السطح.

وبدا أن تلك الفصائل تسير في إطار مرسوم لها بدقة.

وتناقلت وسائل الإعلام مواجهات مسلحة حدثت بين المقاومة الفلسطينية وتلك الميليشيات.

وهنا تُثار تساؤلات عن طبيعة ذلك الدور الذي تقوم به هذه المجموعات المسلحة داخل غزة، وما النتائج المترتبة عليه، وما مستقبل هذه الميليشيات.

منهج لفهم دور وحقيقة تلك الميليشيات

لتحليل ظاهرة الميليشيات المسلحة المتمردة في غزة، نحتاج أولًا لبناء اقتراب نظري منضبط قبل إسقاطه على الحالة. هذا الاقتراب يمنعنا من الوقوع في السرد الأمني أو الدعائي، ويعطينا أدوات قياس ومقارنة.

هناك منهج علمي مُستخدَم في الأدبيات الأكاديمية يطلقون عليه: «اقتراب مكافحة التمرد (المقاومة) بالوكالة». يُستخدَم هذا الاقتراب في دراسات العلوم السياسية والدراسات الأمنية عند تحليل لجوء قوة نظامية أو قوة احتلال إلى تمكين فاعلين محليين مسلحين؛ لتنفيذ مهام ميدانية ضد حركات مقاومة، بدلًا من الانخراط المباشر.

وذلك بهدف:

١-تقليل الكلفة البشرية والسياسية لقوات الاحتلال.

٢-تفتيت الحاضنة الشعبية للمقاومة عبر حرب أهلية.

٣-إيجاد إدارة محلية بديلة شرعية شكليًّا تحت السيطرة الفعلية.

ينبثق من هذا الاقتراب ست أدوات تحليلية؛ وهي:

السياق والبيئة، الفاعل الراعي، الفاعل الوكيل، الوظائف الميدانية، الشرعية المحلية، المآلات المستقبلية.

ولكن كيف نُطبِّق هذا الاقتراب لفَهْم ما يجري في غزة؟

العنصر الأول: السياق والبيئة

يُقصَد به البيئة المجتمعية والسياسية والأمنية التي ظهرت فيها هذه الميليشيات المتمردة.

ويتم قياس تلك البيئة من خلال مستوى ضعف السلطة الحاكمة أو تآكل سيطرتها الميدانية، ومدى وجود فراغ أمني أو إداري.

وهذا يجرّنا إلى طرح تساؤلات مثل: هل تعاني الحركة الحاكمة من تراجع عسكري أو فقدان للسيطرة على الأرض؟ وهل أدَّى استمرار الحرب إلى وجود مناطق لا تخضع لأيّ سلطة مركزية؟ وهل هناك انهيار في الخدمات يدفع السكان للبحث عن بدائل؟

للبحث عن إجابات لهذه الأسئلة الثلاثة؛ نجد أن الواقع في غزة على الأرض كالتالي:

لقد ظهرت هذه الميليشيات في سياق تآكل سيطرة حماس الميدانية بعد أكثر من عامين من الحرب، والضغط العسكري الصهيوني الهائل عليها، والمتحرر من أيّ ضغط حقيقي عليه.

وإذا كانت الحركة قد صمدت عسكريًّا ولم تسقط، واستمرت عملياتها في حرب عصابات ناجحة، بالرغم من اغتيال قيادات عسكرية وسياسية لها، وبالرغم من حملة الإبادة الجماعية غير الأخلاقية خاصة تجاه الأطفال والنساء، وعمليات التجويع والحصار التي مارسها جيش منعدم الأخلاق.

ومع استمرار العمليات العسكرية، فقدت حماس السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع.

وتشير كثير من التقارير الصحفية إلى أنه في مرحلة ما بعد إيقاف الحرب، فقد ظل الكيان الصهيوني يحتفظ بالسيطرة على ما يقرب من 53% من مساحة غزة؛ حيث ما فتئ جيش الاحتلال يدمّر المباني والبنى التحتية ويُسوّيها بالأرض، وفي نفس الوقت يقوم بتدشين تحصينات عسكرية. بينما انحصر سكان غزة في شريط ساحلي تحت سيطرة حركة حماس، وباقي الفصائل المقاومة الفلسطينية المُوالية لها.

هذا الفراغ الأمني والإداري في المناطق التي انسحبت منها حماس، شكَّل البيئة التي سمحت ببروز تشكيلات مُسلّحة بديلة.

كذلك أدَّى الضغط العسكري الهائل على سكان القطاع إلى انقطاع الموارد المالية للأُسَر، وتفشّي البطالة بين الشباب؛ فوجد بعض ضعاف النفوس في الالتحاق بهذه الميليشيات وسيلة للارتزاق للحفاظ على موارد لهم، خاصةً أن هذه الميليشيات تَعْرض عليهم مرتبات معقولة.

العنصر الثاني: الفاعل الراعي

ويُقصَد به الطرف الخارجي أو المسيطر الذي يُقدّم الدعم للميليشيا؛ حيث يتم قياسه عبر تحديد هوية المُموّل والمُسلِّح، ومدى توفيره الغطاء اللوجستي والاستخباري والجوي.

ويطرح في هذا السياق أسئلة أهمها: مَن يقدّم السلاح والمال؟ مَن يوفّر الحماية العسكرية ويمنع استهداف الميليشيا؟ هل يوجد داعم إقليمي يمنح الغطاء السياسي أو يساهم في التمويل؟

بسهولة يمكن لأيّ أحد، ملاحظة أن الراعي الرئيسي المباشر هو الكيان الصهيوني. فرئيس وزراء دولة الاحتلال «بنيامين نتنياهو» أقرّ بنفسه علنًا في يونيو 2025 أن حكومته تعمل على تسليح عشائر فلسطينية مُعارِضَة لحماس في غزة؛ بهدف تقسيم القطاع إلى مناطق قبلية، وإيجاد بديل محلّي لحماس.

كما أقر حسام الأسطل زعيم إحدى هذه الميليشيات، والتي أطلقت على نفسها قوة «مكافحة الإرهاب»، بوجود تعاون أمني مع الجيش الصهيوني، كما اعترف بحصوله على دعم مباشر منه.

فلا جدال في أن الكيان هو مَن يُوفّر الغطاء العسكري والمناطق الآمنة التي تعمل فيها هذه الميليشيات المتمردة.

ولكن ماذا يُقدّم الكيان لهذه الميليشيات؟ نشرت شبكة «سي إن إن» وصحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكيتان، نقلًا عن مصادر صهيونية، أن سلطات الاحتلال تُسلِّح هذه الميليشيات بعدد كبير من البنادق والذخائر، في مشهدٍ يُعيد إلى الأذهان اتفاقيات أوسلو، حين سمحت السلطات الصهيونية للسلطة الفلسطينية بالحصول على أسلحة للسيطرة على فصائل المقاومة.

كما نقلت «وول ستريت جورنال» عن ضباط احتياط، أن الكيان يزيد من استثماراته في هذه الميليشيات التي تنشط ضد حماس، وتُزوِّدها بمعدات عسكرية، وتوفّر لعناصرها العلاج في مستشفيات داخل الكيان، إلى جانب تقديم دعم لعائلاتهم.

وبيّنت «وول ستريت جورنال»، أن الإمدادات الصهيونية تشمل الوقود والغذاء والمركبات وحتى السجائر، مُرجِّحةً أن تصل تكلفة هذا الدعم إلى عشرات ملايين الشواكل من ميزانية الأمن الصهيونية.

ولكن هل لطرف إقليمي دور خفي، أو من وراء ستار، في دعم تلك المجموعات المسلحة؟

ثمة تقارير صحفية تتحدَّث عن دور إماراتي في دعم الميليشيات المعادية لحماس في غزة.

هذا الدور المزعوم يبقى خفيًّا نسبيًّا، مقارنةً بالدعم الصهيوني المُعلَن، ويعتمد في إثباته بشكل أساسي على أدلة ظرفية وغير مباشرة، مع نَفْي رسمي قاطع من دولة الإمارات؛ حيث لا توجد حتى الآن أدلة مادية دامغة علنية (مثل: وثائق رسمية، أو تسجيلات صوتية مباشرة تثبت تحويل أموال لشراء أسلحة للميليشيات)، لكن هناك تقارير صحفية من مصادر رصينة، كما يمكن رَصْد نمط متكرر لسلوك إماراتي في المنطقة.

ففي أكتوبر 2025، رصَد تحقيق لقناة سكاي نيوز البريطانية (وليس فرع القناة الناطق بالعربية والذي يتم بثّه من أبو ظبي)؛ العديد من الأدلة الظرفية، كان أبرزها: الشعارات واللوجوهات؛ فقد ظهر شعار كان معلقًا في زِيّ بعض رجال الميليشيات المتمردة في غزة شبه مطابق لشعار ميليشيا مدعومة إماراتيًّا في اليمن. مما اعتبره البعض تلميحًا قويًّا بتأثير إماراتي في التدريب أو التصميم.

كما رصد تقرير سكاي نيوز سيارات ومركبات تحمل لوحات إماراتية أو تشبه تلك المستخدَمة في عمليات إماراتية سابقة، في مناطق الميليشيات جنوب غزة في رفح وخان يونس. 

أما المؤشر الثالث على الدعم الإماراتي لهذه الميليشيات فهو دور محمد دحلان؛ حيث تتحدّث بعض التقارير أن محمد دحلان -المقيم في الإمارات والمستشار المقرب من محمد بن زايد-، هو الوسيط الرئيسي بين حكومة الإمارات وتلك الميليشيات.

وتتحدَّث هذه التقارير أن الإمارات تُموّل مشاريع إغاثية ومخيمات ومساعدات عبر لجان مرتبطة بدحلان أو حلفائه في غزة. وتُقدّر لجان الإغاثة مساهمة الإمارات وَحْدها بأكثر من ٤٠٪ من حجم المساعدات الإنسانية التي تصل إلى القطاع.

هذه المشاريع تُستخدَم أحيانًا لتعزيز نفوذ مجموعات محلية معادية لحماس (عشائرية أو فتحاوية).

كما أبرز تحقيق لموقع «ميدل إيست آي» البريطاني هذا الدعم؛ حيث تحدّث عن استخدام الخيام والمساعدات الإماراتية لبناء قواعد شعبية لما أطلق عليه «اليوم التالي بعد حماس».

كما تضمَّن تقرير «ميدل إيست آي» مشاريع إماراتية للإسكان في رفح، في مناطق تحت سيطرة لجيش الصهاينة جنوب غزة (قرب رفح). وتشمل هذه المشاريع فحص أمني وبيومتري، ومنع تمويل حماس.

كما تشمل مناهج دراسية مُموَّلة إماراتيًّا، تناقض المناهج التي وضعتها حماس، والتي كانت حريصة على تثبيت الهوية الإسلامية.

هذه المشاريع تُرى كأداة ليس في خنق حماس تدريجيًّا فقط، بل لخلخلة البيئة المقاومة والعقائدية، كما تحاول جذب السكان إلى مناطق آمنة تتمتع بالخدمات المحروم منها سكان المناطق التي تسيطر عليها حماس، وهذا بالطبع يتطلب تعاونًا أمنيًّا مع مجموعات محلية على الأرض.

معظم هذه الأدلة التي استعرضناها أدلة ظرفية على دور خفي للإمارات؛ سواء كانت شعارات، أو نمطًا متكررًا، أو وسيط دحلان، أو مشاريع في مناطق الميليشيات.

ولكن هذا الدعم الإماراتي (إن وُجِدَ) فهو يتَّسق مع أهداف ورؤية الإمارات وأحلافها، ومع الإستراتيجية الإماراتية طويلة الأمد في الـ١٥ سنة الماضية، والتي تتمحور حول معاداة الحركات الشعبية ذات التوجُّه العقائدي في مناطق كثيرة في المنطقة، واعتبارهم تهديدًا وجوديًّا.

العنصر الثالث: الفاعل المحلي الوكيل

ويُقصَد به الجماعات المسلحة نفسها التي تُنفِّذ المهام على الأرض. ويتم قياسها من خلال تركيبتها الاجتماعية والتنظيمية وحجمها، وهل هي مجرد تشكيلات عشائرية أم ذات توجُّه أيديولوجي أم أن قياداتها وأفرادها ذوو خلفية جنائية؟ ومن هي قياداتها وما خلفياتهم؟ وما العدد التقريبي للمقاتلين المنضوين فيها؟ وما مصادر التجنيد المحلية التي يُعتمد عليها؟

هناك على ما يبدو خمس ميليشيات، مقسمة على مناطق القطاع المختلفة:

الأولى في الشمال بمنطقة بيت لاهيا ويقودها أشرف المنسي؛ والثانية بالقرب من حي الشجاعية بمدينة غزة في الشمال بقيادة رامي عدنان حلس؛ والثالثة في الوسط بالقرب من دير البلح بقيادة شوقي أبو نصيرة؛ والرابعة في خان يونس بقيادة حسام الأسطل؛ والخامسة كانت بقيادة ياسر أبو شباب، وتعمل في منطقة رفح، ومنذ اغتيال أبو شباب حلّ محله غسان الدهيني، الذي انتشرت إشاعة في غزة بأنه أُصيب مؤخرًا في محاولة اغتيال.

وتقول عناصر أمنية صهيونية لصحيفة يديعوت أحرونوت: إن الميليشيات التي تعمل في الشمال والجنوب تنتمي إلى عشائر، ويسيطر عليها أناس معروفون بتاريخ جنائي، وأما المجموعتان في الوسط فقادتهما معروفون بارتباط سابق بحركة فتح.

وباستعراض للشرائح المنضمة لتلك الحركات؛ نجد أنها تضم عناصر سابقة من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية قبل 2007، وأفرادًا من عائلات تضرَّرت مصالحها أو دخلت في صراعات ثأرية مع حماس، بالإضافة إلى شبّان يتم تجنيدهم تحت شعار توفير الأمن المفقود.

ولكن أقوى تلك المجموعات هي ثلاث فقط:

١- القوات الشعبية: بقيادة ياسر أبو شباب في شرق رفح. وأعدادهم تتراوح من ٣٠٠ إلى ٢٠٠٠ رجل، وهناك أنباء تزعم ارتباطها بتنظيم الدولة الإسلامية. وبعد مقتل أبو شباب نهاية 2025، خلفه غسان الدهيني.

٢- قوة مكافحة الإرهاب: بقيادة حسام الأسطل في شرق خان يونس. الأسطل عمل سابقًا داخل الكيان، ثم في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، واعتقلته حماس عدة مرات.

٣- مجموعة عشيرة حلس: بقيادة رامي حلس في حي الشجاعية بمدينة غزة. ترتبط العشيرة بحركة فتح، ووُجِّهت لها اتهامات بتلقّي دعم مباشر من الكيان الصهيوني.

ويبلغ العدد الإجمالي المقدر لهذه المجموعات المسلحة في أقصى تقدير ٣٠٠٠ مقاتل؛ بحسب بعض التقارير.

العنصر الرابع: الوظائف الميدانية

ويُقصَد بها الأدوار التي تؤديها الميليشيات على الأرض لصالح الراعي.

فهل تقاتل هذه الميليشيات نظام الحكم في غزة مباشرة؟

هل تشارك في عمليات اعتقال أو جمع معلومات عن البنية التحتية للمقاومة؟

هل تُدير حواجز أو تشرف على توزيع المساعدات لضبط السكان وتجنيدهم؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، يمكن تصنيف مهام هذه الميليشيات إلى ثلاثة مسارات: عسكرية أو إدارية أو استخبارية.

أولًا: المسار العسكري (إستراتيجية الإشغال والاستنزاف)

تتحرك هذه المجموعات عسكريًّا دعمًا للاحتلال؛ حيث تتركّز مهمتها الأساسية في تحويل جبهة القتال من صراع ضد الاحتلال إلى نزاع أهلي داخلي. تقوم هذه المجموعات بفَرْض سيطرة ميدانية على نقاط التماس، والممرات الإستراتيجية التي يُحدِّدها جيش الكيان، مما يُوجِد عوائق مادية أمام تحركات فصائل المقاومة. هذا الدور يؤدي بالضرورة إلى استنزاف القدرات البشرية والذخائر في اشتباكات جانبية، ويسمح لجيش الاحتلال بتقليل الوجود المباشر في المناطق المكتظة، تاركًا المهمة القذرة لتصفية الحسابات الميدانية لهؤلاء الوكلاء.

ثانيًا: المسار الإداري (التحكم بخيط المعيشة)

تمثل الوظيفة الإدارية العمود الفقري لاستمرار هذه الميليشيات؛ حيث يتم منحها صلاحية التحكم في إدارة توزيع المساعدات والموارد الاقتصادية، مثل قوافل الغذاء، وتصاريح التنقل، وتوزيع المساعدات الإغاثية. من خلال هذه الصلاحية، تُمارس الميليشيا نوعًا من الإكراه الناعم على السكان؛ حيث يتم ربط الولاء السياسي بالحصول على الاحتياجات الأساسية. هذا التكتيك يهدف إلى ضرب شرعية الإنجاز لسلطة حماس، عبر إظهارها كقوة عاجزة عن توفير الطعام والأمن، مقابل إظهار الميليشيا كمُنْقِذ يمتلك الحلول اللوجستية والتمويل الإقليمي.

ثالثًا: المسار الاستخباري (تجنيد الجواسيس)

تُعدّ هذه الوظيفة هي الأخطر من الناحية العملياتية؛ حيث يُشكِّل أفراد الميليشيا شبكة رَصْد بشري منتشرة في الأزقة والمخيمات. وبحكم اندماجهم الاجتماعي، يمتلكون القدرة على تحديد تفاصيل يعجز الذكاء الاصطناعي أو الأقمار الصناعية عن رصدها، مثل: كشف التحركات الميدانية لعناصر النخبة في المقاومة، أو تحديد المواقع المموّهة لمنصات الإطلاق ومخازن الإمداد، وفي نفس الوقت مراقبة الحالة المعنوية للحاضنة الشعبية، وتحديد نقاط الضعف المجتمعية التي يمكن من خلالها اختراق النسيج الوطني.

العنصر الخامس: الشرعية المحلية

يُقصَد بها مدى قبول السكان المحليين للميليشيا أو رَفْضهم لها. ويتم قياسه عبر الخطاب الشعبي السائد، ومواقف النُّخَب المحلية، ومدى استجابة السكان لدعواتها. وهنا تُثَار أسئلة من قبيل: كيف تصف سلطة غزة بقيادة حماس هذه الميليشيات؟

وهل ينظر لها السكان بوصفها عميلة للاحتلال أم بديلًا مقبولًا؟

وهل يوجد تعاون مدني معها أم مقاطعة واسعة؟

يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة كالتالي:

أولًا: تصف حركة حماس وأجهزتها الأمنية هذه التشكيلات، بوضوح وبدون مواربة؛ بأنها أدوات للاحتلال وخلايا تخريبية. ولا تتعامل معها كمعارضة سياسية أو تنافس إداري، مثل ما تفعله مثلًا مع المجموعات السياسية من فتح أو غيرها من التنظيمات الفلسطينية القديمة والمعروفة، بل تُدْرِجها صراحةً تحت بند التخابر والخيانة الوطنية.

وتطلق الأجهزة الأمنية في غزة عليها مسميات مثل الخارجين عن القانون، أو العصابات الموجهة.

ولذلك تعاملت حماس مع هذه الظاهرة عسكريًّا وأمنيًّا بشكلٍ حاسم لكيلا تتمدَّد، ونفَّذت عمليات أمنية استهدفت تفكيكها وتصفية بعض قادتها البارزين، وعلى سبيل المثال، مقتل شخصيات مثل ياسر أبو شباب في أواخر عام 2025.

هذا الحسم يؤكد أن حماس تَعتبرهم تهديدًا وجوديًّا وامتدادًا لمشروع يهدف لضرب الجبهة الداخلية.

ولكن هل ينظر لها السكان بوصفها عميلة للاحتلال أم بديلًا مقبولًا؟

الوعي الجمعي في غزة مُسيَّس بدرجة عالية جدًّا، ويمتلك ذاكرة تاريخية ترفض مشاريع الوكالة الأمنية. لذلك، فإن النظرة الغالبة والأعمق هي تصنيفهم كعملاء للاحتلال، أو في أحسن الأحوال، كتُجّار حرب ومستغلين للأزمات.

وتشير المعلومات التي يتم تداولها على مواقع السوشيال الاجتماعية، أنه بالرغم من أن بعض أهل غزة ينتقدون أداء حماس في طوفان الأقصى، فإنه حتى هؤلاء لا يرون في هذه الميليشيات بديلًا إداريًّا مقبولًا؛ لأن شرعيتهم غير نابعة من صناديق الاقتراع أو من تاريخ نضالي، بل مفروضة عبر فوهات بنادق الاحتلال وتحكُّمه في قوافل الإغاثة، والذي قتلهم وقتل أبناءَهم.

لذلك ليس من قبيل الدعاية والمبالغة، فإن الانخراط في هذه الميليشيات يُعدّ وَصْمة عار اجتماعية في غزة. وقد سارعت العديد من العائلات الكبرى إلى إصدار بيانات براءة علنية من أيّ فرد من أبنائها يتورّط في التعاون مع الاحتلال لتأمين المساعدات خارج الإطار الشرعي.

ولذلك عندما حاول الكيان والجهات الداعمة التواصل مع مخاتير العائلات لتسليحهم وتكوين هذه الميليشيات لتكون بديلًا إداريًّا، قُوبِلَت المحاولة برفض قاطع من التجمع الوطني للعشائر والعائلات، وتم التوقيع على مواثيق شرف ترفض أيّ تعاون يلتفّ على اللجان الشعبية والفصائلية.

ولكن في بعض مناطق الشمال والجنوب التي شهدت حصارًا خانقًا ومجاعة، اضطر بعض المدنيين للوقوف في طوابير أو استلام مساعدات تشرف عليها هذه المجموعات. هذا التفاعل هو اضطرار معيشي فرَضه سلاح التجويع الذي مارَسه الكيان الصهيوني، وليس تعاونًا مدنيًّا نابعًا من الإيمان بشرعية هذه المجموعات أو الولاء لها.

العنصر السادس: المسار الزمني والمآلات المستقبلية

ونقصد به السيناريوهات المحتملة لمستقبل الميليشيات بعد انتهاء الظرف الذي أنشأها.

ويتم قياسه عبر مقارنة شروط بقائها مع تجارب تاريخية مشابهة.

وهنا يتم طرح أسئلة: هل ستتحلل وتتفكك هذه الميليشيات لانعدام الحاضنة كما حدث مع جيش «أنطوان لحد» في جنوب لبنان؟ أم ستتحوّل إلى طرف دائم في صراع داخلي إذا استمر الانقسام الجغرافي (سيناريو الدعم السريع في السودان بزعامة حميدتي)؟

بالنسبة للسيناريو الأول: التحلل السريع على غرار نموذج «أنطوان لحد»:

يقوم هذا السيناريو على أن هذه التشكيلات تشبه جيش لبنان الجنوبي في جوهرها. فهي تفتقر إلى الشرعية الشعبية؛ إذ يُنظَر إليها على نطاق واسع كأداة وظيفية للاحتلال، وبالتالي لا تملك حاضنة اجتماعية حقيقية تحميها إذا انكشف ظهرها. كما أن اعتمادها الكامل على الدعم الصهيوني في التمويل والتسليح والحماية الجوية يجعلها هشَّة للغاية، فتوقف الدعم يعني توقف وجودها خلال فترة وجيزة. إضافة إلى ذلك، فإن وظيفتها تكتيكية ومؤقتة؛ إذ لم تُؤسّسها دولة الاحتلال لكي تحكم قطاع غزة، بل لتكون أداة إرباك أمني لضرب احتكار حماس للسلاح. لذا فهي لا تملك مشروعًا سياسيًّا أو أيديولوجيًّا مستقلًّا يضمن استمرارها.

بناء على ذلك، إذا انتهت الحرب، أو تغيَّرت الإستراتيجية الصهيونية، أو تم التوصل إلى ترتيب أمني جديد في القطاع، فإن هذه التشكيلات مُرشَّحة للتفكك السريع؛ لأن أيّ سلطة ستتولى إدارة غزة لاحقًا، سواء كانت حماس أم سلطة جديدة، ستعتبر تفكيكها أولوية مباشرة لإثبات سيادتها، وعناصرها سيجدون أنفسهم بلا غطاء سياسي أو شعبي.

أما السيناريو الثاني: التحول إلى عامل فوضى دائم على غرار نموذج حميدتي:

فهناك على ما يبدو بعض التشابه بين نموذج حميدتي وميليشيات غزة في بعض الأمور، أبرزها:

أن قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي تلقَّت دعمًا إماراتيًّا، ويُقال صهيونيًّا أيضًا؛ لأنها تحقق للراعي الخارجي مصلحة في إبقاء الدولة المركزية ضعيفة. وهذا يشبه الدور الذي تؤديه ميليشيات غزة للكيان: إيجاد فوضى مُدارة تمنع قيام سلطة فلسطينية قوية ومُوحَّدة، وتوفير شريك محلي ضعيف يمكن ضبطه أمنيًّا.

هذا التشابه في نمط الرعاية الخارجية يمنح هذه الميليشيات فرصة للبقاء مدة أطول، ويمنع انهيارها السريع بأسلوب جيش «لحد». فطالما أن دولة الاحتلال ترى أن بقاء غزة مُفكَّكة أمنيًّا هو خيار أقل كلفة من البدائل الأخرى، فإنها قد تستمر في توفير الحد الأدنى من الدعم الذي يبقي هذه الجماعات على قيد الحياة.

غير أن هناك أربعة فروق بنيوية تمنعها من الوصول إلى مستوى قوة حميدتي.

أولًا: غياب المورد الذاتي، فحميدتي يسيطر على مناجم ذهب وشركات كبرى تمنحه استقلالية مالية، أما ميليشيات غزة فلا تملك أيّ مورد ذاتي في قطاع مُحاصَر، وتعتمد كليًّا على المصدر الخارجي.

ثانيًا: ضعف العمق الاجتماعي، بينما حميدتي يستند إلى حاضنة قبلية في دارفور عمرها عقود.

ثالثًا: انعدام الشرعية الدولية، في حين تمكّن حميدتي من تقديم نفسه كشريك في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب، أما هذه التشكيلات فتصنيفها بالعمالة للاحتلال يمنع أيّ اعتراف عربي أو دولي بها.

رابعًا: اختلال ميزان القوة، فحميدتي يملك سلاحًا ثقيلًا يفرض على الدولة التفاوض معه، بينما تسليح هذه الميليشيات خفيف، وأيّ قوة منظمة قادرة على تصفيتها إذا رُفع عنها الغطاء الجوي الصهيوني.

لذلك فإن النموذج الأقرب ليس سيناريو «لحد» الخالص ولا سيناريو حميدتي الخالص، بل هو نموذج هجين يشبه تجربة الصحوات في العراق. فقد دعمتها الولايات المتحدة لضرب تنظيم القاعدة، وعندما انسحبت واشنطن وهمَّشتها الحكومة العراقية؛ تفكَّك جزء منها، وانضم الجزء الآخر إلى تنظيم داعش.

وبتطبيق ذلك على غزة، فإن الدولة الصهيونية قد تستخدم هذه الميليشيات لإنهاك حماس خلال الحرب. لكنها لا تريد البقاء في القطاع ولا تستطيع تحمُّل كلفة دعمها إلى الأبد.

وبعد الحرب، إذا جاءت سلطة فلسطينية جديدة وقامت بتهميش هذه الجماعات دون دمج عناصرها أو محاسبتهم ضمن إطار قانوني، فسيتحولون إلى عصابات جريمة منظَّمة أو خلايا انتقامية. وإذا عادت حماس إلى السيطرة على كامل القطاع، فستكون تصفيتهم أولويتها الأمنية الأولى.

خلاصة القول: هذه الميليشيات معزولة شعبيًّا، ومستهدَفة أمنيًّا مِن قِبَل قوى المقاومة، ووجودها مرتبط حصريًّا باستمرار بقاء قوات الاحتلال التي توفّر لها الغطاء الناري واللوجستي. وبمجرد رفع هذا الغطاء، تتفكك هذه المجموعات ذاتيًّا بسبب رفض الحاضنة الشعبية لها.

أو كما توقَّع المسؤول الاستخباري الصهيوني «ميخائيل ميلشتاين»: «مصير الميليشيات في غزة: الإعدام أو الفرار».

 

أعلى